الاتحاد

دنيا

سلمة بن الأكوع.. خير رماة العرب

أحمد مراد (القاهرة)
عُرف سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - بأنه واحد من رماة العرب المعدودين، ومن أبرز الموصوفين بالشجاعة والكرم وفعل الخيرات، وهو واحد من أصحاب بيعة الرضوان، وحين أسلم نفسه للإسلام، أسلمها صادقاً منيباً.
هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، والأكوع هو سنان بن عبدالله بن قشير بن خزيمة، وكان - رضي الله عنه - شديد الحب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومما يدل على حبه للنبي أنه كان يأتي إلى سبحة الضحى، فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف فيصلي قريباً منها، فيقال له: ألا تصلي ها هنا؟ ويشار إلى بعض نواحي المسجد. فيقول: إني رأيت رسول الله يتحرى هذا المقام.
وهناك مواقف عديدة حدثت بين سلمة بن الأكوع والرسول، وذلك لقرب سلمة منه وحبه الشديد له؛ فعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة. فأتيت النبي- صلى الله عليه وسلم - فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة.
من السيرة
ويروى أنه - رضي الله عنه- لما قدم المدينة فلقيه بريدة بن الخصيب، فقال: ارتددت عن هجرتك يا سلمة؟ فقال: معاذ الله! إني في إذن من رسول الله، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ابْدُوا يا أسلم، فتنسموا الرياح، واسكنوا الشعاب». فقالوا: إنا نخاف يا رسول الله أن يضرنا ذلك في هجرتنا.. فقال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم».
ونقل سلمة بعض الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعنه، أن النبي بعث رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء: «إن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل». وعن سلمة بن الأكوع قال: كان علي تخلف عن النبي في خيبر، وكان به رمد، فقال: أنا أتخلف عن رسول الله. فخرج علي فلحق بالنبي، فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها، فقال رسول الله: «لأعطين الراية - أو قال ليأخذن - غداً رجل يحبه الله ورسوله - أو قال - يحب الله ورسوله يفتح الله عليه»، فإذا نحن بعليٍّ وما نرجوه، فقالوا: هذا عليٌّ. فأعطاه رسول الله، ففتح الله عليه. وعن سلمة بن الأكوع: أن رجلا أكل عند رسول الله بشماله، فقال: «كل بيمينك». قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت، ما منعه إلا الكبر». قال: فما رفعها إلى فيه.
وحين خرج الرسول وأصحابه عام ست من الهجرة، قاصدين زيارة البيت الحرام، وتصدّت لهم قريش لتمنعهم، أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم عثمان بن عفان ليخبرهم أن النبي - عليه الصلاة والسلام - جاء زائراً لا مقاتلا، وفي انتظار عودة عثمان، سرت شائعة بأن قريشاً قد قتلته، وجلس الرسول في ظل الشجرة يتلقى بيعة أصحابه واحداً واحداً على الموت، ويقول سلمة: «بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الموت تحت الشجرة، ثم تنحيّت، فلما خف الناس قال يا سلمة مالك لا تبايع..؟ قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال: وأيضاً.. فبايعته الثانية».
على مشارف المدينة
وكان سلمة - رضي الله عنه - من أمهر الذين يقاتلون مشاة، ويرمون بالنبال والرماح، وكان إذا هاجمه عدوه تقهقر دونه، فإذا أدبر العدو أو وقف يستريح هاجمه في غير هوادة، وبهذه الطريقة استطاع أن يطارد وحده، القوة التي أغارت على مشارف المدينة بقيادة عيينة بن حصن الفزاري في الغزوة المعروفة بغزوة ذي قرد، حيث خرج في أثرهم وحده، وظل يقاتلهم ويراوغهم، ويبعدهم عن المدينة حتى أدركه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوة وافرة من أصحابه، وفي ذلك اليوم قال الرسول لأصحابه: «خير رجّالتنا، أي مشاتنا، سلمة بن الأكوع».
ولم يعرف سلمة الأسى والجزع إلا عند مصرع أخيه عامر بن الأكوع في حرب خيبر، وكان عامر يرتجز أمام جيش المسلمين هاتفاً: اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدّقنا ولا صلّينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، وفي تلك المعركة ذهب عامر يضرب بسيفه أحد المشركين فانثنى السيف في يده وأصابت ذوّابته منه مقتلاً.. فقال بعض المسلمين: مسكين عامر حرم الشهادة» عندئذ جزع سلمة جزعاً شديداً، حين ظنّ كما ظن غيره أن أخاه قد قتل نفسه خطأ وقد حرم أجر الجهاد، وثواب الشهادة. لكن الرسول الرحيم سرعان ما وضع الأمور في نصابها حين ذهب إليه سلمة وقال له: أصحيح يا رسول الله أن عامراً حبط عمله..؟ فأجابه الرسول - عليه الصلاة السلام-: «انه قتل مجاهداً وأن له لأجرين وأنه الآن ليسبح في أنهار الجنة».
أبواب الفتنة
ويوم قتل عثمان - رضي الله عنه - أدرك سلمة أن أبواب الفتنة قد فتحت على المسلمين، لذا حمل متاعه وغادر المدينة إلى الربذة المكان نفسه الذي اختاره أبوذر من قبل مهجراً له ومصيراً، وفي الرّبذة عاش سلمة بقية حياته، حتى كان عام أربعة وسبعين من الهجرة، فأخذه الشوق إلى المدينة فسافر إليها زائراً، وقضى بها يومين، وفي اليوم الثالث مات، وقد توفي وهو ابن ثمانين سنة وأراد أبنه أيّاس أن يلخص فضائله في عبارة واحدة.

فقال: ماكذب أبي قط».

اقرأ أيضا