الاتحاد

الملحق الثقافي

فردوس الدَّم

مخرج الفيلم أليخاندرو إيناريتو (من المصدر)

مخرج الفيلم أليخاندرو إيناريتو (من المصدر)

إبراهيم الملا

هناك أفلام لا تستقبلها بصريا فقط، ولا تتعاطى معها كفرجة محايدة، بل تختبرها بشراسة، وتمتحنها بشغف حارق، وتخوض في مشهديتها المستعادة ضمن قابليات مزدوجة ومتقاطعة يتداخل فيها الحسي مع النفسي، والواقعي مع التخيلي، ضمن مسارب ومرجعيات ذاتية ينفذ ويتسلل منها دفق عجائبي لا ينقطع، وفيض سحري لا تنفكّ سطوته، ولا تنحسر جاذبيته، حتى بعد خروجك من صالة السينما.

بانحياز كبير للافتتان والدهشة، يمكن أن نطبق التوصيف السابق، على فيلم (العائد -The Revenant ) للمخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، حيث يجتمع الجمال مع القسوة، وسط طبيعة خلابة ومفتوحة أيضا على كل الاحتمالات الخطرة، والمكابدات الجسدية المصاغة هنا في حيّز عاطفي مغلق، وعذابات هائلة تتجاوز خط الألم، وتتصاعد أمام مشهد ممتلئ بالحواس، سرعان ما ينفجر ويتشظّى وسط كادر بصري يبدأ من الصمت الشعري المرهف، وينتهي بآخر صرخة مدوية، في تلك البراري الثلجية الموحشة، عندما كانت القارة الأمريكية تقف بعزلتها الفارهة على حافة العالم، وتنتظر من يطارد حلمها المستحيل.

تحفة سينمائية
يعود المخرج إيناريتو المولود في مدينة مكسيكو سيتي بتحفته السينمائية الجديدة، بعد أن قدم أفلاما لا تغادر الذاكرة، بدأها بفيلم «أموريس بيروس» أو «الحب الوغد» في العام 2000 الحائز جائزة النقاد في مهرجان كان السينمائي، ثم كرّت سبحة خياله التوليفي الجامح مع أفلام متلاحقة هي: «21 جرام» في العام 2003، و«بابل» في العام 2006 و«بيوتيفل» 2010، و«بيردمان» الحائز جوائز أفضل مخرج وأفضل فيلم وسيناريو وتصوير في حفل الأوسكار العام الماضي.
يبدأ الفيلم بإيقاع مشهدي لاهث ومتوتر أشبه بالكمين الذي لا تعرف كيف ولماذا وقعت فيه، عندما تهاجم مجموعة من محاربي الهنود الحمر معسكرا لصائدي الفراء الأميركيين، حيث تبدأ كاميرا المصور (إيمانويل لوبسكي) من خلال لقطات متواصلة ونابضة وتتخطى الحاجز الافتراضي، في نقل المتفرج إلى داخل الحلبة الدموية للمعركة المفاجئة والمشتعلة بين الطرفين وسط أزيز الرصاص ودوي الطلقات العشوائية واختراق السهام للأشجار وأجساد الصيادين وخيولهم، وفي نقلة مخادعة ينقلنا المشهد التالي إلى الصياد هيو غلاس ــ دي كابريو ــ البعيد عن المعسكر بعض الشيء وهو يلاحق طرائده من الأيل البري بهدوء وحذر، قبل أن تتخطّفه أصوات المعركة الطاحنة ليعود مسرعا كي ينقذ من تبقى من رفاقه، وينقل ما يمكن حمله من الجلود والفراء إلى القوارب الراسية على النهر.
ومع رحلة الهروب والعودة إلى المعسكر ستكون الكادرات البصرية الواسعة والتنويعات الشعرية في اللقطات البانورامية هي فسحة التأمل والسفر الروحي في تابلوهات الطبيعة، فسحة سوف يستثمرها إيناريتو جيدا لتمرير رسائله المبطنة حول فكرة الخطيئة الأولى ونوازع الشر والتخريب والفوضى والتدمير التي يختزنها بعض البشر المأسورين بجشعهم وأطماعهم، حيث لا يمكن أن يتصالح الإنسان مع الأغيار من جمادات وأحياء إلا مع تقديمه لأضحيات وقرابين ذاتية يصعب التنازل عنها إلا للقليلين والاستثنائيين من هؤلاء البشر.

الغزو الأبيض
في رحلة العودة المحفوفة بالترقب والقلق يتحول الصيادون أنفسهم إلى طرائد مندسّة وهاربة من ملاحقة الهنود الحمر، وما يزيد من عبء الرحلة المنهكة هذه، سقوط الصياد هيو غلاس الخبير بطرق وممرات الغابة ضحية لهجوم شرس من دب بري ــ سيكون مشهد الهجوم هذا إحدى أهم النقلات المفصلية لحكاية الفيلم وأكثرها ترويعا والتصاقا بذاكرة المشاهد ــ يحاول أحد رجال الكتيبة علاج جسد غلاس الممزق والمحطم ولكن دون جدوى ويتم نقله على حمّالة وسط ظروف بيئية ومناخية قاسية، وفي سياق الحوارات والجدل المحتدم حول مصير غلاس واتخاذ قرار حاسم حول اصطحابه مع الفرقة أو إطلاق رصاصة الرحمة الأخيرة عليه، نكتشف أن غلاس ــ القليل الكلام والصامت أغلب الوقت ــ له ابن خلاسي من زوجة تنتمي لقبيلة هندية استأنس بها وتعلم لغتها واستشعر معاناة الهنود مع الغزاة البريطانيين والفرنسيين ومن بعدهم الأمريكيين الذين لوثوا حياتهم الرعوية وسرقوا منهم كل شيء، وكانت زوجة غلاس ضحية لإحدى غزوات الجنود البيض، ولم تعد الآن سوى ذكرى تلوح في مناماته، وتزوره في أحلامه المشوشة كي تعينه على مقاومة اليأس، وتحقيق الشفاء الذاتي من جروحه المميتة.
ومع وصول نقاشات الفرقة إلى الذروة يقرر الابن البقاء مع والده غلاس حتى تتحسن حالته، ويقرر عضوان من الفرقة البقاء أيضا بعد حصولهما على وعود بمكافآت مجزية عند وصولهما إلى المعسكر، ولكن النوايا الشريرة والمعتمة للمرافق جون فيتزجرالد (الممثل توم هاردي) تنجرف به في اتجاه شيطاني فيقرر التخلص من غلاس وابنه دون معرفة مرافقه الآخر، حتى يستطيع الإفلات من ملاحقة الهنود دون عوائق ومنغصات، تتحقق نصف أمنية فيتزجرالد فيقتل الابن الوحيد لغلاس أمام مرأى والده المحطم جسديا وروحيا، ويجرّ غلاس العاجز والمنطوي على طاقة انتقام هائلة إلى حفرة بعيدة، ويرميه هناك في انتظار هلاكه الأكيد.
ورغم كل خسارات غلاس ورغم ضراوة العذابات التي باتت تنهش قلبه إلا أن غريزة الانتقام في دواخله ستظل هي الجذوة التي لن تنطفئ طوال زمن الفيلم، وسيكون نداء الحب الأبوي، وطيف الزوجة الغائبة، هما وقود بقائه وصموده وسط بيئة لا ترحم، ولن يجرؤ على اختراق جحيمها القارس سوى المبعوثين من حفرة الموت، والحاملين لقدرة تصميم خرافية من أجل تحقيق هدفهم النهائي والوحيد.

تقنيات البقاء
في رحلة الاستشفاء الذاتية والروحية هذه، ووسط مناخات ملحمية ومغامرات مرهقة لترميم الوعي المنتهك والجسد المفتت، يقحمنا المخرج إيناريتو في اغواءات شعرية باذخة لا تسلمك قيادها بسهولة، فهي أشبه بالبرودة التي تلسع، والنعومة المحتشدة على رأس إبرة، بحيث تشعر بوخز الطمأنينة الخادعة، كلما عثر غلاس على بقايا حيوان نافق أو طائر أهلكه الصقيع كي يسد جوعه، أو كلما أوى لكهف وأشعل نارا بوسائل بدائية ووضع البارود المحترق على جروحه النازفة التي ما زالت مخالب الدب البري غائرة في مسامات جلده وفي حنجرته النازفة بصراخ مؤجل ومقفل إلى حين.
في طريقه إلى المعسكر يصادف غلاس رجلا من الهنود الحمر يعلمه تقنيات البقاء والاستشفاء عند الهنود، واجتياز اختبارات الحياة في بيئة لا تنطوي سوى على فكرة الفناء، وعند وصول غلاس إلى معسكر للجنود الفرنسيين والذين كانوا متواطئين مع هنود «الأريكارا» في الهجوم على المعسكر الأميركي وسرقة حصيلة الفراء والجلود، يقوم غلاس بإنقاذ فتاة هندية من الاغتصاب ويحررها، ثم يسرق حصانا من المعسكر لتبدأ مطاردة جديدة تنتهي بسقوط غلاس مع حصانه من مرتفع شاهق، وفي مشهد سيظل ماثلا في ذاكرة السينما المعاصرة طويلا، نرى غلاس وهو يجزّ أمعاء الحصان الميت كي ينام في هيكله الدافئ، بعد أن استنفد كل وسيلة متوفرة للبقاء حيا وسط العاصفة الثلجية القاتلة.
وفي المشاهد الختامية للفيلم يتحقق مطلب غلاس الأخير في مواجهة غريمه فيتزجرالد، والذي لم يمنح خصمه سوى فضيلة واحدة فقط، وهي بعث طاقة الحياة مجددا لشخص لم يعد له وجود سوى في سديم الثأر والقصاص واستعادة السلام الداخلي، حتى ولو جاء هذا السلام في فردوس مختلط بالدم، وفي نعيم ملوث بجحيم الآخرين.
استطاع أليخاندرو إيناريتو في فيلم «العائد» أن ينسج خيوط الواقعية السحرية المستقاة من الإرث اللاتيني، وأن يمزجها أيضا بمشهديات من الغرب المتوحش، دون أن يتنازل عن الشطحات الجمالية والابتكارات الأسلوبية والخيال الجامح عند تحويل النسق الظاهري للقصة إلى تحليل بصري فائض بالرؤى واختراق البديهي نحو التكوين المفاجئ واللامتوقع، مستعينا في ذلك ببيئة تصوير حيّة ومجسّمة ومتشابكة مع الحدث من خلال كاميرا محمولة في أغلب مشاهد الفيلم ولا تخضع الصورة المتخمة بثقلها وامتدادها وتأثيرها لشروط القطع والمونتاج القياسي، وهو ما جعل فيلم «العائد» متفردا في معالجته البصرية مقارنة بكثير من الأفلام الأميركية التي تناولت صراع الإنسان في الغرب مع البريّة الشرسة، ومع احتمالات البقاء الأشبه بالمعجزة، أو الهلاك الوشيك في أية لحظة.

الجنّة المنسيّة
فيلم «العائد» مقتبس جزئيا من رواية صدرت في العام 2002 بذات العنوان، ويمكن نعتها أيضا بسرديات الانتقام، وهي من تأليف الكاتب مايكل بانك الذي يستوحي هنا القصة الحقيقية لصائد الفراء (هيو غلاس) يقوم بدوره في الفيلم الممثل ليوناردو دي كابريو، مستعيدا الأحداث الدراماتيكية التي وقعت في العام 1823، ومقتفيا أثر الرحلة المروعة لكتيبة من الرجال يعملون لمصلحة شركة أميركية تتاجر بجلود وفراء الحيوانات الطليقة في أعالي نهر المسيسيبي، حيث الطبيعة التي لا تغفر، والتقلبات المتطرفة للطقس، وغريزة البقاء الفطرية التي تصل لدرجة التوحش العفوي لدى قبائل الهنود الحمر، وبالتحديد قبائل «الأريكارا» التي تشغل تلك المنطقة البكر، الأشبه بالفردوس المنسي قبل مجيء الرجل الأبيض.

اقرأ أيضا