الاتحاد

الملحق الثقافي

الثقافة العراقية.. زمــن المِحْنَة

شارع المتنبي.. شارع الثقافة العراقية (من المصدر)

شارع المتنبي.. شارع الثقافة العراقية (من المصدر)

جبار الربيعي - بغداد
رغم الظروف الصعبة التي مر بها العراق بعد الاحتلال الأميركي، إلا أن المشهد الثقافي العراقي واصل حراكه، وتمكن من تحقيق الكثير من المنجزات التي أنجزت في غالبيتها بعيداً عن المؤسسة الحكومية. ذلك أن الإهمال الحكومي المتعمد للثقافة أصبح سبباً في إحباط وعزلة وابتعاد الكثير من المبدعين العراقيين عن المشهد الثقافي. مع ذلك، ورغم المعاناة والمعوقات يمتلئ المثقفون بالأمل ويشعرون بأن البلد يعيش محنة مؤقتة، ويراهنون على الشباب في تجاوزها والعودة بالعراق إلى عزّه الثقافي ومجده الحضاري.. فالعراق هو في البدء وفي المنتهى أصل الحضارة الإنسانية، ومخترع الأبجدية وصانع الدهشة على أكثر من صعيد، ولن يعجز عن النهوض مرة أخرى.. ستنفض «أرض الخير وأم البساتين» ما علق بها من أوشال الحرب والطائفية والانقسام المجتمعي.. وسوف يحلّق الفينيق
العراقي من جديد عالياً، شامخاً بجهود مبدعيه ومثقفيه الذين استمزج «الاتحاد الثقافي» آراءهم حول المشهد الثقافي في البلاد فقالوا إن العراق يزداد توهجاً، وإبداعاً، وعطاء، كلما ضُيِّق عليه...

يقول الشاعر العراقي الدكتور محمد حسين آل ياسين: «إن المتابع للمشهد الثقافي العراقي بشكل مستمر، سواء كان من داخل المشهد الثقافي أم من خارجه، يلمس أنه يتعافى بالتدرج البطيء، وهو أمر يبعث الأمل في أن نسترجع وضعنا الثقافي كما نحب ونطمح، لأن المشهد الثقافي بعد التغيير مرَّ في نفقٍ مظلم؛ سافر كثيرون، توفي كثيرون، انعزل في بيوتهم كثيرون، أحبط كثيرون خافوا وسكتوا مع وجودهم متحركين على الأرض، فكان مشهداً معتماً، مضبباً، فوضوياً، يورث اليأس، ويستدعي القلق عليه، ولكن بمرور السنين وتعافي الحياة السياسية والاقتصادية من حولنا، وهي مؤثرة طبعاً لأن كل جوانب الحياة تؤثر ببعضها البعض والحياة الثقافية جانب من هذه الجوانب، بدأنا نلمس أن هناك شيئاً من الاستقرار والتعافي نريد له أن ينمو ويزداد في السنوات الأخيرة، ولا أخفي أني شخصياً أحمِّل وزارة الثقافة العبء الأكبر، فقد كانت غائبة عن المشهد موجودة فيه بالاسم وغير موجودة في الواقع، بحيث وصل الحال بي أن أسأل كثيرين من الأدباء والمثقفين والمتابعين والمبدعين: ماذا كنا سنخسر لو لم تكن لدينا وزارة الثقافة الحالية؟ لكي يأتيني الردّ بالإجماع: لن نخسر شيئاً، والسبب، أن الوزارة لا تشارك في صنع المشهد الثقافي في العراق، بل لا تشاهده».
ويردف: «هل تعلم أن المسؤولين في وزارة الثقافة وصل بهم الحال أنهم لا يطلون على المشهد الثقافي حتى من شبابيك غرفهم، وأنهم لا يسهمون في الدعم المالي ولا في الحضور، فضلاً عن أن يكونوا صانعين لهذا المشهد. لقد نعى محافظ واسط لمهرجان المتنبي على وزارة الثقافة أنها لم تساعد بفلس ولم تحضر ولو من خلال ملاحظ بسيط، وهو المتنبي بكل ما يمثله في الذاكرة الثقافية العربية، وبكل ما يعنيه من رمزية!».

مؤشرات خير
ويتابع ياسين: «لقد دخلت وزارة الثقافة نفقاً كاد يؤدي إلى تلاشيها، لولا أن القيادة التي جاءت بعد رئاسة الوزراء السابقة تداركت الأمر وجاءت بمثقف معروف وأعني الوزير الحالي فرياد راوندوزي، الذي تشير الإجراءات التي اتخذها إلى أنه سائر في الطريق المؤدي للتعافي الكامل، إذ بدأ بخطوتين جريئتين مهمتين: تخلص من ثلاثة فاسدين من المسؤولين في وزارة الثقافة ونحن ننتظر منه أن يتخلص من بقية الفاسدين، لأن الوزارة مملوءة بهم، ثم أغلق قناة الحضارة المحسوبة على الثقافة وليست منها، وكانت تصرفاته الأخيرة في مهرجان المتنبي ومهرجان المربد ومهرجانات أخرى، دالة على أن لديه نظرة أخرى غير النظرة السابقة الرديئة، فقد غيّر في الأسس والاستراتيجيات السابقة، وهو يعمل على تغييرات أخرى ونحن معه في ذلك».
ويستدرك: «لكن تبقى التخصيصات وهي مهمة جداً، لأن تنظيم أي نشاط ثقافي يحتاج إلى مال، أين المال؟ لا يوجد بسبب الميزانية، وحتى قبل أن تتداعى هذه الميزانية وتكون شماعة لعدم الصرف والبذل كما هي الآن، عندما كانت الميزانية وفيرة نحسد عليها حتى من الدول الغنية لم يكن الصرف على الثقافة يناسب ما تستحقه، لأن القائمين على الصرف ينظرون للثقافة كشيء ثانوي، انظر لتصرف الساسة مع الوزارة، لتصلك رسالة واضحة تدلل على أنهم يكرهون الثقافة ويعادونها وإلا ما معنى تكليف وزير الثقافة بوزارة الدفاع!».
ويلاحظ ياسين أن إصدارات المثقفين العراقيين التي ترى النور قليلة جداً قياساً لما ينتج، لأن الأدباء والمفكرين والمثقفين والأساتذة ينتجون كثيراً ويطمحون لطبع إنتاجهم في منافذ كثيرة، لكن على الأرض ليس لدينا إلا دائرة الشؤون الثقافية ومطبعة واحدة و (تنقط بالقطارة)، رغم أنها محسوبة بأنها تطبع للأدباء، والحقيقة أن الجميع يشكو التأخر، والرفض والانتظار الطويل.. ويشكو رمي المخطوطات على الرفوف، فنحن في وادٍ وما يجب أن يحدث للثقافة العراقية في وادٍ آخر، خصوصاً أنها ثقافة عريقة، عمرها سبعة آلاف عام موثقة ومكتوبة، فضلاً عما سبق السبعة آلاف عام من تاريخ فكري وحضاري. يكفي أن العراق أقدم حضارات البشر، يكفي إنه صاحب أقدم كتابة، أقدم قصيدة، أقدم حرف، أقدم رقم، فالنظر إلى الثقافة العراقية يجب أن يقترن بهذا، لأن ما يناسب هذا التاريخ الممتد شيء آخر غير الذي نلمسه الآن، لا من الأوساط الرسمية ولا من وزارة الثقافة، ولولا ما تنهض به منظمات المجتمع المدني كالاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين في بغداد والمحافظات، وما تنهض به الجامعات بمبادراتها الشخصية الخاصة بالمحافظات، وما تبادر إليه بعض الجمعيات والملتقيات والتجمعات الثقافية هنا وهناك لما كان لدينا نشاط ثقافي أصلاً، لا إبداعي ولا غيره، وأكبر دليل على ذلك ما يجري الآن على الساحة الثقافية؛ مهرجان الجواهري يقوم به اتحاد الأدباء المركز العام، مهرجان المتنبي يقوم به اتحاد أدباء واسط بالتعاون مع المحافظة، مهرجان السياب ومهرجان المربد يقوم بهما اتحاد البصرة بالتعاون مع المحافظة وكذلك مهرجان النجف، ومهرجان مصطفى جمال الدين عن المحافظة واتحاد الأدباء، ومهرجان الحبوبي كذلك، فأين وزارة الثقافة؟ أين الدولة؟ أين البذل؟ لا يوجد!».
ويختم بالقول: «نحتاج إلى نهضة كبيرة، إلى صحوة كاملة بأننا مقصرون في موضوع ثقافتنا العراقية، ونرجو أن ينتبه من بيده الحل والعقد إلى ضرورة الالتفات إلى أننا نتعامل مع العقل والروح. لقد قلت للمسؤولين ولوزير الثقافة: إن وزارة الثقافة مسؤولة عن عقل وروح الشعب العراقي وكل ما سواها من وزارات مسؤولة عن جسده، فانظر إلى الفرق الجوهري الكبير بين وظيفة هذه الوزارة والوزارات الأخرى، وبين قيمة هذا الجانب والجوانب الأخرى، فنرجو أن تكون هذه الملاحظات المكررة مني ومن زملائي الآخرين مدعاة لإعادة التفكير والتأمل، ولإعادة جدولة الأمور وبرمجتها، ولإعادة الالتفات الضروري للثقافة والإبداع، ونحن بالانتظار».

حلول ترقيعية
تؤكد الروائية والقاصة إيناس البدران، أن المشهد الثقافي العراقي في الوقت الراهن هو انعكاس للواقع الذي نعيشه، فالأديب والمثقف والفنان التشكيلي والناقد ليسوا بعيدين عن مجريات الأحداث، المثقف فرد من المجتمع ويتعرض لنفس الضغوطات التي يعاني منها المواطن العادي، ولا شك في أن الضغوطات تؤثر بشكل سلبي على نتاجه وعطائه.
وترى البدران أن المشهد الثقافي العراقي في المجمل العام محبط، لأن هناك بونا شاسعا بينه وبين المؤسسة الرسمية. لا توجد جسور رابطة بينهما، رغم إننا كمثقفين حاولنا بكل الوسائل أن نمد جسوراً بيننا وبين تلك المؤسسات، لكن يبدو أن السياسي آخر همّه الثقافة، لذلك أقول - وبكل أسف - أن ما يصدر من السياسيين العراقيين شكلي، وحتى الحلول التي توضع هي حلول ترقيعية وغير أساسية ولا تشمل جوهر البنية التحتية الثقافية، لأن كل المهرجانات والعطاءات والاحتفاليات التي تقام من قبل هذه المؤسسة أو تلك هي عبارة عن فقاعة تثير الضجة لمدة بسيطة وبعدها تزول وتتلاشى.
وتشدد البدران على أن المشهد الثقافي العراقي بحاجة إلى رسم خارطة طريق، وأيضاً إلى استراتيجيات حقيقية، ففي كل دول العالم المتقدمة هناك شيء اسمه التنمية الثقافية، هناك مجالس وجهات متخصصة بالتعاون مع المؤسسة الرسمية تعمل على وضع منهج وإستراتيجية ثقافية على ضوئها يتم العمل، لكننا ما زلنا نعمل بتخبط وعشوائية والخطط كلها آنية وشكلية.
وبشأن المعوقات التي تعترض المشهد الثقافي العراقي لفتت البدران إلى أن لدينا مساحة من الحرية، ربما أكبر من تلك التي كانت متوافرة في زمن النظام السابق، لكن هذه المساحة شكلية وظاهرية. كما أن لدينا مآسي من ناحية الطبع والنشر والتوزيع والترجمة، ولدينا خلل على مستوى مشاركة المبدعين العراقيين في النشاطات الخارجية، لأن بعض الأسماء التي تشارك في تلك النشاطات تتكرر، وهي أسماء قليلة ومحدودة وبعضهم ليست لديهم أي علاقة بالثقافة، لكن المؤسسة الرسمية تزجهم في تلك المشاركات على حساب المبدعين الحقيقيين، وهذه مصادرة للتميز والإبداع، ومن أجل الوقوف بوجه هذه الظاهرة طلبنا أكثر من مرة إنشاء مجلس ثقافي وطني للعمل بالتوازي مع وزارة الثقافة العراقية، وفق المقولة التي تقول: «أهل مكة أدرى بشعابها»، حتى يتولى هذا المجلس بعض الفعاليات والنشاطات، لأن العبء كبير ومتشعب على وزارة الثقافة، وهناك ترهل فيها، وكما يقال «حركة بلا بركة»، أيضاً طالبنا كثيراً بصندوق للتنمية الثقافية لدعم المثقفين في كل المراحل وخاصةً في أوقات التعب والعجز والشيخوخة، لأنه عندما يتعرض المثقف العراقي إلى مرض نطرق أبواب الجهات والمؤسسات الرسمية، فلا نحصل على أي نتيجة حتى ولو بتوفير علاج مناسب أو نحصل له على مبلغ بسيط يستطيع من خلاله مراجعة العيادات والمستشفيات الأهلية وهذه مأساة ثانية. أضف على ذلك أن مسألة طباعة منجز المبدع العراقي من قبل المؤسسات الرسمية تكاد تكون معدومة، لأن الجميع يعلمون أن الجهات التي تطبع هي جهات محدودة وعطاؤها السنوي بسيط ومحدود ولا يغطي الحاجة الفعلية.
وأردفت أن العراق غنيٌّ بالعقول والأقلام والقامات الشامخة، لذلك من المفترض أن يتم دعم هذه القامات، ناهيك عن الأقلام الشابة التي تحتاج إلى من يأخذ بيدها. نحن لدينا مشاكل على كافة الصعد، هناك بعض القوانين التي يجب الدفع باتجاه سنّها وتفعيلها مثل قانون حق الملكية الفكرية والحقوق المجاورة، ومنها قانون دعم الرواد. علماً أن لدينا أدباء ومبدعين يحصلون على جوائز قيمة وعطاؤهم ممتد لكن لا يحصلون على الدعم الكافي، لذلك يضطرون إلى العمل في هذه الصحيفة أو تلك الدائرة وهذا العمل يأكل من إبداعهم، وهناك الكثير من المشاكل المزمنة التي نحن بحاجة إلى أن ننظر لها نظرة جدية، لكن الذي يحصل - للأسف - أنه يتم التعامل مع تلك المشاكل بسطحية.

رهان على الزمن
أما القاص قاسم سعودي، الذي حقق نجاحات جيدة داخل العراق وخارجه في مجال القصة، فذكر أن المشهد الثقافي في العراق يعاني مشاكل كثيرة تحتاج إلى الكثير من الرؤى والاستبصارات ليس على الصعيد الثقافي فقط، بل على صعيد الوعي الجمالي للعمل الثقافي، حيث هناك تلكؤ شديد من وزارة الثقافة المعنية بالمشهد الثقافي.
وأبدى سعودي أمله الكبير بأن تحرص هذه الوزارة دائماً على تقديم ما هو أفضل، وما هو أوعى، وما هو أجمل وأنبل. وقال: هناك بعض المشاكل تقع على عاتق الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، لكن نعلم جميعاً أن الاتحاد له مشاكله الخاصة وتطلعاته ومشاريعه الخاصة. هناك مشاريع متلكئة، ومما يؤسف له أن الاتحاد لا يطبع كتاباً واحداً في السنة، من دون أن نغفل أن هناك مجلات يطبعها. داعياً اتحاد الأدباء إلى الانتباه لموضوع طباعة منجزات المبدعين العراقيين سواء من الشباب أم الرواد.
وتابع سعودي: أنا لست مع الرقابة، سواء الرقابة على المشهد أم على ما يكتب. أنا مع أن يكتب الجميع والزمن كفيل بفرز الأصوات الحقيقية التي تحاول أن تكون جيدة والحالة الإبداعية هي بنفسها كفيلة بالنصوع والتألق.
وأضاف: لا توجد هناك رؤية واضحة لمشروع ثقافي واضح. يجب أن يكون لدينا مجلس أعلى للثقافة يراقب كل هذا. إننا نفتقر إلى البنية التحتية الثقافية، في الحقيقة نحن نمتلك مطابع، فإصدارات دار الشؤون الثقافية قيمتها الجمالية والمضمونية جيدة، لكن الطباعة غير جيدة، علاوة على أن مشاركات العراق الخارجية (وهي قليلة) تعتمد على أسماء معينة دون غيرها. نحن نتحسر دائماً على غياب وزارة الثقافة وغياب المبدع العراقي بشكل عام عن المعارض أو المتلقيات الأدبية والثقافية التي تقام هنا وهناك، إذاً هناك مشكلة في وزارة الثقافة على صعيد المشاركات الخارجية، وهذه تتصل بصناعة الكاتب العراقي. ثمة معوقات كبيرة في هذا الجانب. رغم ذلك، لابد من مشاركة وزارة الثقافة في الفعاليات الثقافية الخارجية التي تجري في العالم، وفي العالم العربي بشكل خاص، وفي دول الخليج العربي وخصوصاً معارض الكتب الإمارات ومصر والمغرب وغيرها من المعارض التي تقام هنا وهناك. لابد أن تكون الثقافة العراقية حاضرة في المشهد العربي والعالمي، ولابد أن يكون للمبدع العراقي صوت في الخارج ليعكس ما نحن عليه على الأقل أو يصل الإبداع العراقي في الشعر والقصة والرواية والنقد وغيرها إلى الفضاء العربي.

أنبوب إبداعي مسدود
يذهب الشاعر مروان عادل مذهباً آخر في قراءته للمشهد الثقافي العراقي وحركيته ليميز بين المنجز الإبداعي العراقي وبين مبدعه، أي بين المنتَج ومنتجه، فالمنجز الإبداعي يبقى بخير لا يؤثر عليه ما يحدث في الساحة السياسية أو الثقافية، لكن الذي يتأثر هو المبدع نفسه، لأنه في النهاية إنسان، يتأثر كثيراً بما حوله، لهذا، هناك من يهاجر وهناك من يعود وهناك من ينكفئ على نفسه، ومنهم من يسعى لسد احتياجات عائلته اليومية، فيتأثر إبداعه أو مستوى إنتاجه لعدم وجود الوقت الكافي للكتابة أو الرسم أو غيرهما، لكن، بالرغم من ذلك كله، لا خوف على المنجز العراقي ولن يكون في خطر، هذا ما أثبتته التجارب، فالعراق كلما ضيّق عليه يتفجر إبداعاً.
وبشأن المعوقات أكد مروان أنها كثيرة، أبرزها على مستوى التسويق. الكتاب لا يجد إقبالاً والتسويق ضعيف جداً، من هنا، لم نعد نشعر بكثير جدوى من طبع كتاب أو حضور مهرجان. ثم إن المثقف لا يحصل على دعم إلا في ما ندر. وفي ظل هذا الظرف الاقتصادي يتأثر المُنتِج لأنه لا يستطيع طبع كتاب غير مجدٍ من الناحية الاقتصادية. وأردف: رغم هذا الخزين الإبداعي الموجود لدينا، والذي يزداد ويتفجر مع كل مصيبة إلا أن المثقف العراقي لا يُصدَّر.. فيما تصدر لك دول أخرى أنصاف المثقفين أو أرباع الشعراء. أنت تستطيع أن تسدَّ عين الشمس بالمثقفين والكتاب الموجودين لديك، لكن لا أحد يصدِّر إبداع هؤلاء المثقفين. نحن عبارة عن أنبوب إبداعي مسدود.

نحتاج فضاءنا العربي
يعتقد الشاعر والناقد علي حسن الفواز أن المشهد الثقافي العراقي بقدر ما تتكرس فيه الصفة المدنية وبروز أجيال جديدة داخل الحياة العراقية، بقدر ما ينفصل تلقائياً الآن عن المؤسسة الرسمية، وهذا يضعنا أمام مأزق كبير يتعلق بالتمويل، لأن غياب البنى التحتية يرتبط بضعف الإمكانات التي تعزز الفعل الثقافي، كون المؤسسة الثقافية العراقية كانت مهيمنة على صناعة الثقافة، لذلك عندما يجد المثقفون أنفسهم الآن أمام مسؤوليات من دون غطاء، من دون دعم، من دون تمويل يشعرون بالحرج وضيق ذات اليد، لكن هذا يضع المثقفين العراقيين أمام تحد كبير على مستوى المشاركات الداخلية أو الخارجية، لأن إقامة الفعاليات والمهرجانات كثيراً ما تقام دون دعم حقيقي من المؤسسة الرسمية، كذلك على مستوى صناعة الكتاب وتسويقه ما تزال القوانين السابقة تحجِّم مشاركة الكتاب العراقي في المعارض العربية والدولية. وهناك مشاركة المثقفين العراقيين في الملتقيات الخارجية وخاصةً العربية، الآن نحن أحوج ما يكون إلى الحاضنة العربية لأن هناك ظواهر جديدة في الحياة الثقافية العراقية، ظهرت ما بعد عام 2003 لها علاقة بجيل جديد، ولها علاقة بأشكال ثقافية تحتاج إلى الحاضنة العربية، لأننا شئنا أم أبينا جزء من الفضاء العربي، وهذا الفضاء هو الحياة العميقة للثقافة العراقية، وبقدر الضبابية والرمادية التي تحيط بهذا المشهد بقدر ما هناك إصرار عند المثقفين العراقيين على الاندفاع إلى الأمام لمحاولة تجاوز هذه العقبات، محاولة رسم أفق جديد، وكذلك محاولة التبشير بأجيال جديدة ورؤى جديدة وأفكار جديدة.
وتابع الفواز: أما إذا تحدثنا عن المعوقات، فهناك معوقات مادية، ومعوقات أمنية، ومعوقات ترتبط بضعف الدولة وضعف مؤسساتها غير القادرة على أن تهتم وتعتني بالملف الثقافي العراقي، لأن الملف الثقافي لا ينفصل عن الملف الأمني، عن الملف السياسي، عن الملف الاقتصادي، كما أن الأعباء الاقتصادية تنعكس على المشهد الثقافي، خاصةً في مجال ما يسمى الثقافة الإنتاجية التي لها علاقة بالسينما، المسرح، التشكيل، وهذه كلّها تحتاج إلى خطط وبرامج وتحتاج إلى صناعة. كل هذه الأمور تشكل عقبات خطيرة أمام الثقافة العراقية. كلنا نبحث عن حل لكن مع ذلك أراهن، شخصياً، على الشباب وعلى الجيل الجديد، الجيل الذي يحاول أن يتمرد على كل المهيمنات وعلى كل السياقات، يحاول أن ينفلت من هذه الغشاوة التي ترتبط بالعنف، بالإرهاب، بالتكفير، وبكل الثقافات التي تحاول أن تسوّقها الجماعات الإرهابية. لا أقول نحن نحاول أن نؤسس بشكل حقيقي وواقعي، لكننا نستشرف أملاً، وأعتقد أن الرهان على جيل يؤمن بالأمل ويؤمن بالمستقبل شيء كبير.

هواجس فنية
الفنان التشكيلي رحيم السيد يرى أنه أسهم في تنشيط حركة الفن التشكيلي، ويقول: نحن مجموعة من الفنانين أسسنا جماعة فنية تسمى «مؤسسة هواجس» تهتم وترعى المواهب والطاقات الشابة، حيث بدأنا من الأطفال الصغار ولدينا الآن فنانات صغيرات لديهن موهبة كبيرة جداً، وكذلك الشباب الذين يرسمون بخامات متنوعة وليس فقط بالزيت، لذلك قمنا بفتح المجال أمامهم لإقامة المعارض في دوائر الدولة والجامعات العراقية ومجالس المحافظات، وهذا الحراك أسهم في تنشيط حركة الفن التشكيلي في البلد. وبخصوص المعوقات قال السيد، أنه لا يوجد دعم مادي للفن التشكيلي، ولا توجد غاليريات لعرض اللوحات وإن وجدت تكون العروض صباحية أو في قاعات وزارة الثقافة. ونتمنى أن توجد قاعات رسمية في مناطق الكرادة، المنصور، شارع فلسطين. ونأمل من وزارة الثقافة أن تهتم بهذه الأمور وتترك الاهتمام بفناني الوزارة فقط، وأن تنفتح على الفنانين الآخرين، فحتى في المشاركات الخارجية يذهب فقط فنانو الوزارة.

سلطة المجتمع
من وجهة نظر الروائي والقاص والناقد عباس لطيف، تعاني الثقافة العراقية لاسيما بعد الاحتلال الأميركي في عام 2003 الكثير من الإشكاليات على مستوى الإنتاج الأدبي والإنتاج الفكري، على الرغم من مساحة الحرية التي تتمتع بها الآن وغياب الرقيب الرسمي وغياب سلطة الاستبداد من لائحة المعوقات التي كانت تعانيها في المرحلة السابقة، أول هذه الإشكاليات أو المعوقات أو المحبطات تتمثل في أن الثقافة تحوّلت من سلطة الرقيب الرسمي إلى سلطة المجتمع، بمعنى أن المجتمع بات يتعاطى مع الثقافة بنوع من الرقابة المجتمعية التي لم تكن ظاهرة سابقاً، خاصة أن الفكر العام ينحو منحىً دينياً، فبدأت الثقافة تعاني حصراً داخل هذا النظام. أما الإشكالية الثانية فهي أن الحكومات التي تعاقبت ما بعد الاحتلال لم تهتم للشأن الثقافي، ومع الوقت نشأ نوع من العزلة عن الدولة، ونحن نعلم أن الكتاب، والمسرحية، والمعرض، والفيلم وغيرها من الأوعية الثقافية والإبداعية تحتاج إلى الدعم الذي يكاد يكون معدوماً للمؤسسات الثقافية، ناهيك عن أن المثقف العراقي تعود بأن الحكومة هي من تدعم هذا النتاج، والمؤسسات الثقافية لا تعمل في التمويل الذاتي، لذلك هناك أزمة مالية حقيقية انعكست على الثقافة بشكل عام. أما الإشكالية الثالثة فتتمثل في ظهور متغيرات كثيرة أدت إلى انحسار الفعل الثقافي منها الانفتاح على العالم عبر القنوات الفضائية وثقافة الميديا، والاحتكاك المفاجئ للشعب العراقي بالعالم، ما وضع المثقف العراقي أمام تحدٍ كبير، بمعنى أن المثقف العراقي كاتباً أو أديباً أو مسرحياً عليه أن يكون بمستوى الحداثة الموجودة، فالعمل وفق الصيغ القديمة لم يعد ممكناً سواء في المسرح أم الرواية أم الكتابة، وفي هذا يتشابه المثقف العراقي مع المثقف العربي الذي يواجه تحدياً على المستوى الفني، لأن المتلقي الآن أصبح متنوراً ويعرف الأساليب واطلع على روايات وكتب وأشكال إبداعية حداثية كثيرة دخلت إلى العراق.
يضاف إلى ذلك كله، أن المثقف يعاني إحباطاً كبيراً إزاء الوضع العام، وإزاء الخراب السياسي الذي بدأ ينسحب على رؤية المثقف، ولا ننسى الأزمات وغياب الهوية والانقسام الاجتماعي، هذا الانقسام والعزلة بين مكونات الشعب العراقي أدت إلى إحباط المثقف الذي كان ينتظر أن يكون هناك مستقبل كبير للشعب العراقي، وأن يكون هذا الشعب موحداً في ظل التجربة الديمقراطية، لكن فوجئ المثقفون بما يجري وهم أكثر الشرائح تضرراً من هذا الإحباط السياسي الذي انعكس على الكتابات والمسرح والسينما. وبدأ يظهر نوع من السوداوية السلبية في نقل قبح الواقع الذي يسود في العراق، لذلك أتمنى أن يتجاوز المثقفون هذه النظرة عندما يتجاوز الوطن محنته. نحن في محنة أتمنى أن تكون مرحلية يتجاوزها العراق بشعبه ومثقفيه وبكافة شرائحه وأن تعود الثقافة إلى صولاتها وبهائها القديم.

اقرأ أيضا