الاتحاد

دنيا

الكتاب العربي·· واقع محبط ومستقبل مجهول

تحقيق - عدنان عضيمة:
من يحاول البحث في حال الكتاب العربي قديماً وحديثاً فقد يغيب عن باله تماماً أننا نحن العرب من أحفاد الجاحظ وابن المقفع وأبي الفرج الأصفهاني وغيرهم ممن ملأت مؤلفاتهم الدنى وشغلت الناس في مشارق الأرض ومغاربها، ولن يصدق أننا من سلالة الحكام الحكماء الأوائل الذين كانوا يكيلون لمؤلفي الكتب والمخطوطات بمقدار أوزانها ذهباً· وربما يكون الأدهى والأمرّ من كل ذلك هو أن الكتاب العربي وفق الظروف والمعطيات المرّة التي يعيشها الآن، لا يبدو أنه في طريقه للخروج من القمقم والانتقال إلى واقع أرصن ووضع أفضل· ويبدو أيضاً أن الكتاب العربي صادّ بحزم عن الدخول في عملية التطوّر الثوري المنتظرة والتي طالما تشدّق بها دعاة الإصلاح الثقافي والفكري في العالم العربي· ولهذا، فإن من العبث كل العبث التفكير في إمكان عودة الكتاب العربي إلى سابق عهده من الازدهار والانفتاح والرصانة إذا ما بقيت المشاكل العويصة التي يتخبط فيها دون حل· فلماذا افتقدنا التواصل مع الكتاب؟، وكيف يمكن أن يستعيد مكانته كوعاء أمين لتفاعل الثقافات وتطارح الأفكار المحلية والعالمية؟، وهل افتقدنا تماماً عمالقة التأليف والإبداع؟، وهل أصبحت القراءة والتثقف شأناً من شؤون الماضي وعادة ممجوجة لا تتفق مع معطيات العصر وتتناقض مع سنن التطور؟، وهل ارتضى الكتاب العربي بحق بالهزيمة أمام ثقافة الصوت والصورة، ورضي بالتقوقع والانكفاء على نفسه فوق رفوف العارضين والناشرين والورّاقين؟· وإذا كان صحيحاً ما يشاع من أن اليونيسكو قدرت متوسط إقبال الإنسان العربي على القراءة بنصف ساعة في السنة، فما الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه القطيعة بين العرب والكتاب، وهل هناك ثمة من يحاول تدارك الأمر والتصدي لهذا الواقع الغريب بالتحليل والدراسة والبحث عن طريقة لإخراج الكتاب العربي من قفصه الضيّق؟·
يرى بعض المطلعين على قضايا النشر والتوزيع الذين قابلناهم على هامش فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب أن أسباب العلّة ودواعي المشكلة كثيرة ومتشعبة، ومنها ضعف الحوافز التي تقدم للمؤلفين الرصينين للدرجة التي جعلت مغنّية خليعة تتقاضى في وصلة غنائية تافهة ما يعجز عن كسبه أكبر المفكرين والمؤلفين في سنين· ويتحدث البعض الآخر من الناشرين عن مشكلة الثقة المفقودة بالمؤلفات العربية الحديثة بعد أن أصبح التأليف في الكثير من الحالات صنعة من لا صنعة له، وغدت الأفكار المطروحة أو الترجمات الموضوعة، مجتزأة أو محرّفة أو يشوبها التسرّع والخطأ·
ناشرون بالآلاف وقراء بالعشرات!
وطبقاً للقاعدة التي تقول إنك إذا أردت أن تحكم في شيء فاسأل أهله، تحاورنا في هذه القضية مع عدد من الناشرين العرب الذين أمّوا الدورة الحالية لمعرض أبوظبي للكتاب وخلصنا منهم إلى النتيجة التي تفيد بأن الكتاب العربي مريض دون أن يكون هناك من يهتم بمعالجته وإعادة العافية إليه· وكان من بين من التقيناهم الأستاذ سعيد البرغوثي، وهو رجل واسع الثقافة، ضالع في تأليف كتب التاريخ إلى جانب امتهانه لصنعة النشر والتوزيع منذ مدة طويلة، وهو مدير وصاحب دار كنعان للدراسات والنشر التي يوجد مقرها في سوريا· ويتحدث البرغوثي عن انقسام الناشرين العرب بين الذين اختاروا السير مع التيار، والذين فضلوا ركوب الموجة المعاكسة· والفئة الأولى، وهي الغالبة في أسواق صناعة الكتاب، تبنّت الكتاب الرائج ذا المردود التجاري السريع والمضمون وإن كان ذلك على حساب الصحة الثقافية العامة للأمة· وراح هؤلاء يتسابقون على نشر الكتب التراثية التي لا تقدم للقارىء معارف جديدة ولا تؤسس لثقافة متكاملة· وأما الناشر الذي فضّل معاكسة التيار فهو الذي يسعى إلى تقديم كتاب من شأنه أن يضيف لبنة جديدة في الصرح المعرفي المتداعي بغض النظر عما إذا كان سيلقى الرواج أم لا· فهو صاحب الرهان الخاسر لأن الكتب الرصينة الجادة أصبحت تهم شريحة محدودة من الناس من حيث حجمها وإمكاناتها في هذا العصر العربي الذي تطغى فيه الثقافات الرديئة على غيرها·
ويوحي هذا الطرح الذي قدمه البرغوثي ببعض عناصر المشكلة التي يعاني منها الكتاب العربي الرصين، ومنها عوزه للدعم المادي من قبل الدولة أو الجهات غير الحكومية، وأن لا يعامل كسلعة تجارية تغرق في لجج ومعادلات نظريات العرض والطلب· وهذا واحد من الشروط الأساسية لإخراج الكتاب العربي من قفصه·
ثم يتناول البرغوثي دور الجانب الآخر في مشكلة الكتاب العربي، وهو القارىء· ويقول إن عزوف العرب عن القراءة يعدّ من أكبر هموم الناشرين· فماذا يمكننا أن نتوقع من أمة لا يزيد معدل الوقت الذي يقضيه الفرد فيها في القراءة عن نصف ساعة في العام؟، وأن ما يقرأه خلال نصف الساعة هذا، ينحصر في شؤون وقضايا الطبخ أو الأبراج والتنجيم· ولقد تتضح نتائج هذا القصور الثقافي الكبير أكثر وأكثر من خلال الأرقام حيث لا يزيد عدد ما يطبع من نسخ الكتاب الرصين عن 500 نسخة فحسب، ومع ذلك فإن الناشر يعاني أشد المعاناة في توزيعها· ولا شك أن هذه التجارة كاسدة وفقاً لكل المقاييس·
وتمتدّ مشاكل صناعة الكتاب العربي وتتشعب لتطول المصاعب التقليدية التي تتفاقم مع مرور الأيام وتتعلق بارتفاع تكاليف إخراج الكتاب إلى حيز الوجود من حيث التزايد المتواصل في أسعار الورق والأيدي العاملة والطباعة والنقل والتوزيع· وهناك أيضاً مشكلة الرقابة وأجور صالات العرض في المعارض· ولقد فضّل البرغوثي أن يتوقف عند هذه النقطة ليثني على منظمي معرض أبوظبي لأنه المعرض الوحيد في العالم الذي لا يتقاضى أجوراً من الناشرين على صالات العرض التي يشغلونها· وأشار إلى أن هذا يصبّ في النهاية في مصلحة القارىء طالما أنه يمثل حافزاً للناشرين لتخفيض أسعار الكتب التي يبيعونها·
وننتهي في نقاشنا مع البرغوثي إلى التوقف عند أسباب ظاهرة عزوف الأجيال الجديدة من العرب عن القراءة فيردّها إلى الجانب التربوي عموماً والأسري على نحو خاص· ذلك أن القراءة لا تشكل هاجساً أو محور اهتمام بالنسبة للآباء في هذا العصر المقلوب الذي نعيشه، فمن أين ستأتيهم الحماسة لدفع أبنائهم إلى التثقف والتأدّب من خلال مطالعة الكتب الرصينة؟· وإذا أردنا لأبنائنا أن يكونوا من دعاة التثقف، فإن من واجب الآباء تعويدهم منذ الطفولة على القراءة الواعية المفيدة· ثم إن هذه الظاهرة تمتدّ لتطول البيئة والمحيط· فالمدرسة معنية بتوجيه التلاميذ وحثّهم على المطالعة المنتظمة وتعليمهم طرق اختيار الكتاب الجيّد الذي ينطوي على الفوائد التثقيفية والتعليمية· وكل هذا مفقود في مجتمعاتنا· ولا شك أن جزءا مهماً من مسؤولية التربية الثقافية الصحيحة للأجيال الجديدة يقع على كاهل الدولة التي يتعين عليها أن تضع سياسة طموحة ومدروسة لنشر الكتب الرصينة وترويجها بين الناس حتى لو تحملت أعباءها وخسائرها المادية·
هموم الناشرين
وهناك العديد من المشاكل الأخرى التي يتخبط فيها الناشرون· ومن يحاول متابعتها معهم يكاد يشعر بالعجز عن تنظيمها وتصنيفها واحاطة بها· ويتحدث الأستاذ عيسى طنوس صاحب ومدير الدار الوطنية الجديدة للنشر والتوزيع في سوريا، عن هذه المشاكل ليضع في رأس القائمة الطويلة مشكلة حقوق المؤلف التي يدور بشأنها جدل كبير، حيث أصبحت عدة دور نشر في بلدان عربية مختلفة أو حتى ضمن البلد الواحد، تتبنى نشر ترجمات مختلفة لكتاب واحد· وكل واحدة من هذه الدور تدعي لنفسها الانفراد بحق نشره· ومن شأن هذا السلوك الغريب أن يؤثر على تسويق الكتاب ومصداقيته أمام القراء كما يسبب خسائر فادحة لدور النشر والمترجمين على حد سواء· وهناك أيضاً مشكلة التطفل على صنعة الكتابة والترجمة· وكثيراً ما نلاحظ ضعف الطرح عند المترجمين الذين لا يتقنون على نحو كافٍ اللغة التي يترجمون منها أو حتى اللغة العربية التي يترجمون إليها· وهناك أيضاً مشكلة الاختصاص، إذ كثيراً ما ينبري مترجم غير متخصص لترجمة كتاب يدور فحواه حول علم لا يفقه فيه شيئاً، فتخرج ترجمته مجتزأة وركيكة وغير ذات معنى·
وبالرغم من الانفتاح السياسي والاقتصادي الذي يسود العالم أجمع الآن، إلا أن كل واحدة من الدول العربية ما زالت تصرّ على إغلاق حدودها أمام دخول الكتاب العربي من البلدان الأخرى· وهذا يؤدي في النهاية إلى التقاطع الفكري إلى جانب ما يسببه من ارتفاع تكاليف النشر وانخفاض مكافآت التأليف والإبداع· ويتحدث طنوس عن مشكلة التكاليف المرتفعة التي يتطلبها إصدار الموسوعات المعرفية مما يخلق الحاجة الماسة لدعم مشاريع إعدادها ونشرها من قبل الحكومات بسبب ما تنطوي عليه من فوائد تثقيفية وتوثيقية مهمة· ومما يعقد من هذه المشكلة أن البلدان العربية تضم الآلاف من دور النشر المتواضعة التي لا تستطيع تحمل نفقات وأعباء إصدار هذه الموسوعات فتبقى على مستواها المتدني من ناحية عدد العناوين التي تنزل بها إلى الأسواق· ويشير طنوس أيضاً إلى مشكلة الرقابة الصارمة التي تسبب في بعض الأحيان خسائر فادحة للنشر عندما تمنع نشر كتاب كامل بسبب عبارة واحدة وردت وسط صفحاته· وأشار أيضاً إلى أنه سجلت في إحدى الدول العربية (رفض تسميتها) مؤخراً فضيحة تآمرت فيها بعض دور النشر المحلية مع الرقابة السياسية لمنع دخول كتب معينة إلى معرضها الدولي حتى لا تزاحمها على بيع كتبها التي تدور في الاختصاص نفسه· ولقد وصلت الرقابة على العناوين في بعض البلدان إلى حدّ الحكم على الكتاب بالإعدام من مجرّد قراءة عنوانه دون الحاجة لقراءته على الإطلاق· ويرى طنوس أن نجاح النشر يقتضي أيضاً تقديم تسهيلات حكومية كبيرة للناشرين بما في ذلك منحهم قروضاً مالية بفوائد قليلة أو معدومة تماماً·
مشكلة الكتاب العلمي
وطالما أننا نعيش عصر العلم وثورة التكنولوجيا، فهل واكب هذه الثورة تطوّر مقابل في نشر الكتاب العلمي العربي وعلى النحو الذي يجعله مرآة حقيقية تعكس هذه التطورات وتعالجها بكل تفصيل؟·
يرى معظم الناشرين المتخصصين بالكتاب العلمي والذين التقيناهم في المعرض أن الكتاب العلمي العربي ما زال هزيلاً وغير قادر على مواكبة هذه الثورة على الإطلاق· ويقول الأستاذ محمد حامد راضي صاحب المكتب المصري للمطبوعات المتخصص بنشر الكتب العلمية، أن العناوين العلمية العربية محدودة جداً ويدور معظمها في إطار الكتاب الأكاديمي والمدرسي كالفيزياء والكيمياء والرياضيات وغيرها· وأما الكتب التي تتناول قضايا فلسفة العلوم والثقافة العلمية، فهي شديدة الندرة، وما هو موجود منها أغلبه مترجم ويعاني من ضعف مستوى المترجمين· ويشير راضي إلى قضايا مهمة تتعلق بالنشر العلمي المترجم من أهمها أن يكون المترجِم متابعاً لحركة التأليف والنشر وتطور الاكتشافات في العلم الذي يهتم به وبلغته الأصلية حتى يتمكن من تفهم التسلسل المنطقي لتواريخ الاكتشافات وتطورها·

اقرأ أيضا