الاتحاد

الملحق الثقافي

أيّها الجبل.. أين حُماةُ الخيال؟

جبل جيس (أرشيفية)

جبل جيس (أرشيفية)

لولوة المنصوري
نحن هنا، محاطون بمنازل سكنة الكهوف، المنازل الحجرية الصلدة القديمة التي ضُرِبتْ في قسوة الأضلاع السبعة لشعاب الأودية فصارت جزءاً لا يتجزأ من الجبل، نحطّ الآن في مركز الجسد الجبلي، حيث منتصف السهل الذي يشبه نجمة سباعية أشبه بتعويذة سحر قديم. تتسرب إلينا رائحة دفء المواقد والأعشاب الجبلية ويصل إلى مسامعنا صدى مبتهج لنيران البنادق ونداءات (الندبة) التي أطلقتها حناجر (الشحوح) وأهازيج أعراسهم التي يباشرون طقوسها بعد سويعات الضحى.
تنتصب عند أضلاع الشعاب مزارع النخيل والمقابر القديمة التي اخضرّت بعد الأعراس الأخيرة للمطر. نفحات عشبية باردة ولطيفة تنعش الروح تطوف من بيننا قادمة من ندى النبات الممزوج بلعاب الصخور، مزيج كائن حيّ بميت، خلاصة قصة النهايات التي تباشر دورتها من جديد.
نحن هنا، بين جبل (جير) الناسك الذي يصلي في الماء منذ أزمنة مديدة في أقصى شمال إمارة رأس الخيمة، وبين جبل (جيس) المعتكف في الأفق، والذي تشمخ قمته بكبرياء وجلال أسطوري، يحتضن ظهر جير وظهور بيوتنا الساحلية بقلق غرائبي.

في حضرة الجبَلَيْن
في حضرة هذين الجبلين سيتعلم بصرك أن يظل مزروعاً في الأعالي، مسحوراً بالقمم الغامضة تحت هالة السحب المتراكمة، إنك تواصل الرؤية في الفراغ الكثيف، تشعر بأن قدميك تنغرسان أكثر في الأرض في حين أنك تتقزّم أكثر أمام هذا الوجود الغامض المنتشر في شرفات السماء. تحلم بأن تكون هدهداً حارساً للسهول ومنبئاً للكائنات بمواسم السيول، أو نسراً لا يتقن غير الغناء في زمن الجفاف والعطش.
بين جيس وجير لا يمكنك أن تحرس رأسك من شغب الأفكار وإلحاحها المتعب، فهي تأتي مباغتة باسترسال وتدفق غزير، كالأودية المنجرفة من الأعالي، مدمدمة عنيفة لا يمكن مقاومتها، الحل الوحيد هو أن تكون مسالماً معها لتدخل مع الجبلين في طقس العبادة والخلوة والتحليق. عليك أن تجرّب العزلة داخل أحدهما (جير وجيس) ولمدة أقصاها سبعة أيام، لتتعلّم الصمت والتشرّد بين نبوءة الكهوف وأسرار النباتات التي تهتف بمشقة وحزن أخضر في الصخور، تتلقفك مغارات السؤال ومكاشفة الذات بعيداً عن مدن الأبراج وبراكين الأخبار ومستنقعات البشر، لا شيء يرافقك غير صوت السماء وضباب الكائنات العالية في العزلة، حقاً إنها تجربة إنسانية آمنة لتحرير النفس البشرية من قيود المادة والشهوات والانطلاق بها نحو عوالم الغيب والنداءات الخالدة عبر الأسئلة الوجودية الصافية التي ينبع نهرها الأول من فم الجبال، أسئلة سماوية ناظرة إلى الأفق بتحرر من كل خوف وانتماء.
طفل الأسئلة الذي يولد بداخلنا فجأة في حضرة الجبل، ينبت كعشبة مشاغبة للصخرة، ينمو على ضوء القلق الصحي واستبطان المخيّلة، القلق الصافي المجرّد من التواريخ الملتبسة والقيم الخاصة التي لا تتقاطع بديهياً مع قناعة العالم الداخلي ورجاحة الفطرة الإنسانية.
جير وجيس العابدان المتوحدان في الأرض، صومعة العابد وملاذ الشاعر بعد أن صمتت عن رؤوس الجبال معاقل الانتصارات والمعارك التاريخية، عثرت الحكايات العجائبية والخرافات طريقها إلينا، فباتت الشكل الأمثل لتمرير ورطتنا الخيالية في العالم، وصار الجبل البعد اللامحدود الذي يحتضن رؤانا ورؤيتنا الفكرية والنفسية والروحية.
تتلبس الكاتب تلك الحالة الجبلية النائية ذات الأبعاد الطبيعية والحضارية، فيستحضر الإرث عبر العصور الثقافية والتاريخية ليأتي نتاجه ترجمة صادقة لظروف العزلة وتفاصيل التأمل وإشعاع العالم القديم في الصخور، ويصبح البعد الجبلي صوت حذر الكاتب وماء خياله ومداد قريحته الصافية الشفيفة كحال المطر المنساب بين فروع الشعاب، وتغدو آهاته وما يعقبها من مفردات الحنين إلى الله أصابع صوفية تشير إلى جبله المغيّب في روحه وذاكرته المليئة بالرؤى والمسافات.

كاتب الأفق المفتوح
الجبل المفتوح على الأفق، والذي يحمل بعداً مستتراً على اللغز، يتركك تتجول بحرية داخل كهوفه الخاوية إلا من صفير الرياح المسافرة عبر تجاويف الصخور وفي أعماق الأمان بلا نهاية، إن تأمل الأفق المفتوح يمنح الكاتب عمقاً أكبر في الكتابة، فيسافر في الصوت الداخل في صوت آخر، ويلج مشهداً داخل مشهد آخر، ناهينا عن الجبل المتنوع جغرافياً، النائم عند أقدام البحر والمزاوج له في توأمة حنونة طبيعية أمومية، لاسيما ذلك الجبل المتدفق بنبع الفطرة والأسرار التي لم تمسس بعد من يد البشر، فهو من شأنه أن يشكل للكاتب جغرافيا دماغية متشعبة الممرات والدهاليز والأقبية، فتجري في الذهن أيضاً شعاب وأنهار من الخيال والأفكار وحيوات ربما لها وجود في العالم الآخر، وتنشط أمواج الذاكرة، وتخصّب أرضية الدماغ وتستثار براعم تأملية جديدة.
كاتب الهواء والجبل والأفق المفتوح اعتاد أن يعقد علاقة تأملية طويلة ومتأنية مع الطبيعة وأوراقها الوارفة بالسلام، فتنبثق كتاباته التنفسية الأوكسجينية بمسار ماورائي، فيها الكثير من العمق المرموز والأفكار المجرّدة بتخطي وجهات جديدة في شعاب تجريب الكتابة، سواء كان ذلك بالفكرة المتمردة تمرداً مسالماً على الحياة الأدبية، أو اللعب بخط سير الزمن وتمويه المكان ووقائعه واستحداثها على الكواكب المتاحة في الأدب.

خارج الكهف.. داخل الإسمنت
أين هم حماة الجبل والبحر والخيال؟ إن سائر رؤوس الجبال بقلاعها وأحافيرها وطينها الغني بالآثار ترزح اليوم تحت وطأة الإهمال وعنف الكسارات والجرافات والإسمنت المبثوث بعشوائية على مساحات كبيرة من سهول الجبل، وشاطئ البحر، في (جير) على سبيل المثال إنهم يعتدون على الجبل بالتكسير المستمر، الكسارات تشوّه وجه الناسك وتزعزع معبد الأحجار وصلاة النبات الذي ينمو بمشقة بين شقوق الحجر الصلد.
إنهم يعتدون أيضاً على بحر الجبل بنهب رماله. مصانع الطابوق وشركات المقاولات اعتادت تجريف الرمال والأحافير من شواطئ الجير وأصدافه النائمة بوداعة على ذاكرة الماضي وحداثة البيوت الساحلية. ما عرّض البيئة البحرية والأثرية لأضرار بالغة وضياع إرث عظيم لرأس الخيمة.
وعلى الرغم من وجود قرار رسمي يحظر من تلك الممارسات فإن العاملين في مصانع الطابوق ينصرفون باستهتار واضح إلى نهب رمال الشاطئ بتوالي عمليات التجريف دون محاسبة أو رقابة صارمة !
يتملكك الحزن ما إن تنزل من الجبل في استراحة قصيرة نحو البحر، لتشهد بنفسك تلوثاً جبلياً بحرياً وإهمالاً تفاقمت ذروته في الآونة الأخيرة، فقد استحال قاع البحر إلى مكب نفايات ومخلفات معدنية وإطارات مركبات وأخشاب وزيوت وغيرها من جميع أنواع المخلفات، مما يهدد الثروة والأحياء البحرية والمتعة السياحية والاشتغال التأملي بشكل عام.
تتساءل أين هم حماة البيئة، حماة الماء والهواء والطين والآثار، أين هم من هذا الاعتداء الصريح والنهب الواضح في البر والبحر؟
مجرد الوقوف على حافة الأوبئة والتفكير بهذه المستنقعات البشرية يرهق سفر الروح في نهائية الأفق، ويبعثر خطط الهدأة، فتفضل الصعود مجدداً إلى رأس الناسك الذي يصلي في الماء بصمت مقدّس، تدخل في مغارتك وتغلق الباب على سبعة أيام من الهناء في الجنة.

سكنة الكهوف
تقول المراجع والبحوث المتعلقة بالآثار إن أول بقعة شملها المسح الأثري كانت هنا، في رؤوس الجبال حيث التجاويف والمغارات المنحوتة نحتاً إلهياً في الصخور وعلى ارتفاعات متباينة، تلك الكهوف التي شّيدت فيها منازل الشحوح، منازل صغيرة الحجم والمساحة، لا يتعدى سعة البيت أو بالأحرى الكهف أكثر من خمسين متراً مربعاً!
ويسرد د.منير طه يوسف عن المظهر العام لسكنة الكهوف حين شاهدهم لأول مرة مع بعثة المسح الآثاري لرؤوس الجبال:
«حين رأيتهم تذكرتُ الوصف الدقيق الذي ذكره الرحالة والجغرافيون اليونانيون الذين زاروا (شبه جزيرة عمان) مابين القرن الرابع والأول قبل الميلاد، ومن بين ماذكروا في كتاباتهم أن سكان شبه جزيرة عمان من آكلة لحوم الأسماك، وقد أطلقوا عليهم تسمية (الأفغارين) وأنهم، وحسب وصفهم، مقاتلون أشداء، ذوي بأس عظيم، كما أنهم قساة القلوب مع أعدائهم، وشديدو المراس. إن هذه الصفات تنطبق أيضاً على الصفات التي وصف المؤرخون الأوائل الآشوريين. كما أكدت الكشوفات والتنقيبات الأثرية التي أجريت في عموم (شبه جزيرة عمان)، وبالذات في دولة الإمارات، على الاتصال الحضاري والتجاري ما بين الدولة الآشورية وشبه جزيرة عمان التي كانت تسمي ما ورد في نصوص الملك الآشوري (آشورباينبال) إقليم (قاد) أي عاد).

رعدة جيس
يقول الباحث الدكتور عبد الله الطابور في كتاب «جلفار عبر التاريخ» إن «الجير» قرية جبلية تقع أقصى شمال رأس الخيمة، ويرى أن اسمه يأتي نسبة إلى (القير) أي الجبل الصلد القوي الذي صدّ نيران ومدافع الإنجليز أثناء هجومهم على المنطقة.
أما عن (جيس) فهو في أصله القديم (رعدة جيس) التسمية التي كان يطلقها الآباء على الجبل، نسبة إلى الرعد الذي كان ينبثق من بين قمم هذا الجبل ويراه سكان السهول والساحل إذ يرتفع هذا الجبل إلى أعلى قمة في الإمارات، حيث يصل من 1840 إلى 1900م عن سطح البحر وهو يطل على منطقة غليلة في القطاع الشمالي من مدينة رأس الخيمة، وقد تصل فيه درجة الحرارة إلى ما دون الصفر في الشتاء وأحياناً تغطي قمته الثلوج.

اقرأ أيضا