الاتحاد

الملحق الثقافي

ليوا.. مخابئ الحكمة

رضاب نهار
هي واحة الحياة وأصل التاريخ، من حاراتها وشعابها بدأت الحكاية، وفي بيوتها ما زال الماضي يصرّ على الحضور. ولن ينسى إماراتي اليوم والغد، كيف انبثقت الدولة من هذه الأرض وصار الحلم واقعاً. فتحقق المستحيل وشهقت الأرواح شهقتها الأولى وكأنها تُبعث من جديد.
هي «ليوا» إذن، روح الزمان والمكان عند الإماراتيين، واحتهم الأصل، ولعلها كانت موعدهم مع القدر. ومتى كان بمقدور الإنسان أن ينسى قدره الأزلي؟

طقوس الطبيعة
لـ «ليوا» سحر الاسم والمعنى. تلفظها وكأنك تقرأ عنواناً لقصيدة، حيث هي القصيدة نفسها.
فلا يمكن لحروف اللغة العربية أن تشكّل مفردة أكثر انسيابية وبساطة منها في الوقت الذي تراها تشير إلى مكامن العظمة ومخابئ الحكمة.
ويندرج تحت هذا التضاد البديع، تضادات أخرى لا تقل دهشة وروعةً، تفرضها طبيعة الحياة فيها، وبإمكانها أن تستدعيك مطولاً إلى التأمل والتفكّر في منطق الكون وصيرورة التاريخ، حقبة بعد ثانية.
على أراضيها، تدرك ما بين علو وانخفاض أن للجغرافيا طقوسها الخاصة والحميمية، وأن السماء أقرب من أي مكان آخر. وما عليك إلا أن تستجيب، أن تشعر بالسحر، وتتماهى في تيه الأرض إلى ما لا نهاية. أن تنسى تاريخك وميلادك، لتمزج هويتك الجديدة مع رمال مستعدة لاحتضانك إلى الأبد، ويبقى القرار بيدك.
حين تسير في «ليوا»، تفهم كيف يمكن للصحراء أن تكون ملاذك الأخير، تماماً مثلما قال الكاتب الليبي إبراهيم الكوني: «الصحراء كنز. مكافأة لمن أراد النجاة من استعباد العبد وأذى العباد. فيها الهناء، فيها الفناء، فيها المراد».

لقاء الفصول
الشكل والمضمون في «ليوا» متصالحان بعض الشيء. تسكنهما الوحشة والغرابة. وتملؤهما التناقضات الماثلة بين الطيبة والقسوة، بين الحب والكره، وغيرها الكثير والكثير. فما بين حرائق الصحراء ورطوبة الواحة الضاربة بعمق في رمالها، تمكث الفصول الأربعة..
تمر واحداً تلو الآخر، وقد يحدث وتستقر جميعاً في دقائق قليلة. هنا يصبح التناقض في ذروة جماليته، ويستفزّ مشاعر مختلفة في داخلك وكما لو أنه يستدعيها لتشهد على القوة الفائقة للطبيعة.
في «ليوا» تشبه العلاقة بين النخل المنبثق من أرضها كما الساريات، وبين حبات الرطب المتدلية من الأغصان، العلاقة بين الكتابة والكلمة وتوازيها في المشهد. فكأن حبات الرطب «المتعمشقة» بأشجار انبثقت من أرض ليوا، كلمات «تتعربش» على أغصان العبارة لتكوّن المعنى والدلالة في سطور ترسم الجغرافيا وتكتب الأدب.

طائر بثمانية أجنحة
ربما لا يوجد من هو أكثر من ابن الإمارات قدرة على فكّ رموز المنطقة، وتمكناً من فهم تفصيلاتها وتأويلاتها. وها هو الكاتب علي أبو الريش في كتابه «الغربية طائر بثمانية أجنحة»، يرتّب أفكاره عن «ليوا» ويصوغها في عبارات ومفردات ترتسم صوراً، وتحكي ما لا يقال: «مدينة ليوا، مثل قول المسيح عليه السلام إذا أخذ أحد منها قميصها تعطيه معطفها، كرماً وإيثاراً وامتثالاً لحكمة الطبيعة.
مدينة ليوا، تنضح بود العشب وتخزن الحب عشباً، والنوافل أغصان تدلي ذوقاً وعروقاً ومعروفاً، وتفشي أسرار المحبة لمن شق جداول الحلم إيماناً واحتساباً بأن الأرض أم، والسماء لحاف، والنخلة حسناء لا يغلها المهر».
تفرض الصحراء عليك نمطاً مغايراً من التعايش الحياتي يختلف كلياً عن ذاك الذي اعتدته يومياً.

تملك منطقة ليوا شواهدها التاريخية التي ما زالت متشبثة بالأرض، لتشهد على جذور الأصل الإماراتي منذ قرون خلت.
وهو ما تمت الإشارة إليه في كتاب (قصر الحصن: تاريخ حكام أبوظبي 1793 – 1966) من تأليف الدكتورة جوينيتي مايترا وعفراء الحجي، ضمن ما قيل عن المرحلة الأولى من تشكيل مشيخة أبوظبي، حيث كانت البداية مع استيطان قبيلة بني ياس أرض ليوا لما تحويه من أرض خصبة ومياه عذبة.
فقد جاء في الفصل الثاني من الكتاب: «بمرور الزمن، أصبحت الظفرة، خاصة واحة ليوا الواقعة في وسط الظفرة، مسكن قبيلة بني ياس التاريخي. وقد كانت واحة ليوا الجزء الوحيد في منطقة الظفرة الصحراوية الذي ضمّ مستوطنات دائمة لبني ياس والمناصير، حيث شكّل مساراً ممتداً من بلاد خصبة ذات آبار عذبة المياه ومزارع نخيل، وأصبحت ليوا نتيجة لذلك عاصمة الظفرة الاقتصادية والإدارية. وشيّد بنو ياس في بعض هذه المستوطنات حصوناً عدة، إضافة إلى البيوت المبنية من سعف النخيل. وما زالت أطلال هذه الحصون التي أقيمت في ليوا منذ أكثر من ثلاثة قرون، قائمة حتى اليوم. وقد استمرّ حكام أبوظبي من آل بوفلاح في ممارسة تقليد بناء الحصون، والمحافظة عليها منذ ذلك الحين».

ليوا والماء

بين «ليوا» والمياه قصة تعود إلى أقاصي التاريخ، حيث تشير المادة التي أعدّتها هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة أثناء معرض (الماء) الذي أقيم في أبوظبي في الفترة من 19 سبتمبر 2011 إلى 5 يناير 2012، إلى أن الدراسات الجيولوجية والهيدرولوجية تؤكد وقوع التكوينات الأساسية للمياه الجوفية في الإمارات ضمن ثلاث طبقات تعود إلى الزمن الرابع الجيولوجي والزمن الثالث الجيولوجي، ومن بينها واحات ليوا والظفرة التي تتميز بمياهها العذبة الناجمة عن التغذية المباشرة بمياه الأمطار، وبسمك الطبقات الحاوية على الماء، حيث تتراوح ما بين (100 – 200) متر.
الرحلة بمفهومها الفلسفي، تليق بالصحراء وتليق بليوا وتلالها. الرحلة مدرسة للإنسان، تجعله يدرك الحياة على حقيقتها، يختبرها عن كثب كما لو أنه يصارع المستحيل.
وها هي دولة الإمارات العربية المتحدة، تحضر بعظمتها القائمة لتحكي حكاية البناء والتطوير التي انطلقت عبر الترحال، فمنذ البداية استرعت ليوا الأنظار، معلنةً بدء التوقيت حين قرّر آل نهيان خوض الرحلة، انطلاقاً من أرضها في قلب المنطقة الغربية، وصولاً إلى قلب أبوظبي، حيث لا يزال قصر الحصن شامخاً بعظمته ليشهد على الحكاية ويوثّقها.

ملاذ الروح وعقابها
من الطبيعي أن «ليوا» وجِدت قبل الإنسان. لقد تكوّنت على مزاجها بانتظاره، وكأنها لوحة رُسمت بعناية، حيث الخطوط الدقيقة تحدّد كامل التفاصيل. وما أن جاءها قاصداً، باحثاً ومتعباً، حتى احتضنته وآوته. فصارت له الوطن والأم. لكنها لم تغفر له أخطاءه وشروده.
تماماً مثلما تفعل الصحراء في كامل هذه الأرض. هي لعبتها الأزلية التي تسمح لها بإبراز عضلاتها وقدرتها على التفوق، على السيطرة. وتظلّ مهمتها الأخيرة «الفرجة» فقط لا غير، وكأنها تستمتع برؤية هذا الكائن الصغير مقارنة بامتداداتها الضخمة، يضيع في انثناءاتها..
والقرار لها في النهاية، تسامح أو تغفر..
هذه العلاقة بين الصحراء والإنسان تحتاج الكثير من التماهي لنستطيع فهمها وتفكيك أدوارها.
ويستطيع البعض ممن عايشوها أو اختبروها شبك حلقاتها بعضها ببعض، والالتفات إلى الفكرة المجسّدة للمحتوى.
وربما يكون باولو كويلو في أعماله الروائية قد وضع يده على مكمن العلاقة وأصلها.
ففي روايته «ساحر الصحراء» يقول: «يجب على الإنسان ألا يتقاعس حتى ولو كان قد قطع مسافة طويلة جداً، عليه أن يحبّ الصحراء، ولكن دون أن يعطيها كل ثقته أبداً، فالصحراء محك اختبار لكل الرجال: هي تمتحن كل خطوة من خطاهم، وتقتل من يترك نفسه للشرود».
واليوم تعتبر «ليوا» ملاذاً للاختلاء بالنفس والتصالح مع الذات. يمكنك أن تقصدها بحثاً عن روحانيات لا تنتهي بين تلال رملية تكوّن صحراء واسعة أو بين غابات من أشجار كثيفة عند الواحات. وقد أوجدت الدولة في المنطقة العديد من المنشآت الخدمية التي من شأنها جذب الزوار سنوياً في جميع فصول السنة. وبالتالي نستطيع النظر إلى «ليوا» بوصفها وجهة ثقافية، يقصدها الفنانون والأدباء الذين ينتظرون الإلهام، فضلاً عن كونها مكاناً ثقافياً بحد ذاتها، وقد شغلت مواضيع العديد من الأعمال الإبداعية، خاصة التشكيلية منها.
في هذا الشأن، يطالعنا السيد أحمد اليافعي صاحب مجمع «آرت هب» في أبوظبي، ليقول: «ليوا مكان ساحر بأكثر ملامحها دقة وأشدها غرابة. لقد اخترناها أثناء بحثنا عن مكان يمنح الفن أدواته الروحانية، لتحتضن مشاريعنا الفنية والفنانين الذين نعمل معهم من جميع أنحاء العالم». ويضيف: «في ليوا توجّهنا تحديداً نحو المنطقة الجنوبية المليئة بالكثبان الرملية، وهي جزء من صحراء الربع الخالي. المناظر هناك خيالية بكل معنى الكلمة، ساحرة، تمنح الفنان الصفاء والهدوء المطلوب للابتكار، وصرنا نطلق عليها اسم (واحة الإلهام والإبداع)».
وكان التفاعل معها من قبل الفنانين المحليين والعرب والأجانب، فوق العادة، حتى أن أحدهم قال: «حياتي اليوم هي ما قبل ليوا، وما بعدها».
وربما تفيد الإشارة إلى أن فنانين كثراً، من غير الإماراتيين، جعلوا ليوا موضوعاً لأعمالهم التشكيلية.
من جهة أخرى، توجّهت الأنظار نحو «ليوا» لإقامة العديد من الأنشطة والفعاليات السنوية التي تلقى اهتماماً رسمياً وشعبياً، وتعنى بالمفردات التراثية الخاصة بالمنطقة، حيث اعتمدت الدولة استراتيجية الالتفات إلى هذا الموروث باعتباره إرثاً حضارياً وثقافياً للأجيال القادمة، ومن الواجب حفظه والعمل على استمراريته، حتى أن بعض الفعاليات، ومنها على سبيل المثال مهرجان ليوا للرطب، يعكس احتفالاً بالطبيعة الأم، وتحديداً بشجرة النخيل التي لطالما حمَت الإنسان الإماراتي من لفح الشمس، وأظلّته بظلها.

أصغِ لقلبك
ربما.. لو أنك كنت في مختبر لكانت الآن هي اللحظة المواتية لتدرس أفضل الطرق لفهم جدول الزمرد. غير أنك الآن في الصحراء، فالأحرى إذن أن تستغرق في قلب الصحراء. هي تساعد على فهم العالم مثلها مثل أي شيء آخر على سطح الأرض بل إنك لست بحاجة إلى أن تفهم الصحراء، يكفي أن تتأمل ذرة واحدة من الرمل وستكتشف فيها كل عجائب الخلق.
وما الذي ينبغي أن أفعله كي أستغرق في قلب الصحراء؟
اصغ إلى قلبك، فهو يعرف كل شيء لأنه آت من روح العالم وسيرتد إليها ذات يوم.

(السيميائي ساحر الصحراء) باولو كويلهو، ترجمة: بهاء طاهر

اقرأ أيضا