الاتحاد

الملحق الثقافي

موسيقا الذَّبح

عبد العزيز جاسم
يروي حكيم الصين، صاحب نظرية «الحرية المطلقة»، تشوانغ تسي (369 – 286 ق. م)، في واحدة من إلماعاته المهمة، حكاية طاهٍ للملك أخذ يذبح بقرة أمام مولاه، في يوم من الأيام. فما كان من الملك الصيني «هوي»، من مملكة «وي»، إلا أن أخذ يراقب بإعجابٍ كبيرٍ حركات الطاهي أثناء ذبحه للبقرة. فكان الطاهي «عندما يأخذها باليد (يقصد البقرة)، ويحملها على كتفه، ويدوسها بالقدم، ويضغط عليها بالركبة، [فإنه يقوم] بحركات إيقاعية مرتبة، وأنه يقطع البقرة بسكّينه بحركات مثل رقصة «سانغلين»، وبصوت مثل ألحان موسيقى «جينغشو»(1). قد تبدو هذه الحكاية الصينية، القادمة من فضاءات ما قبل الميلاد، عادية من فرط بساطتها، وكأنها لا تقول شيئاً، بل حتّى إنها لا تحتاج منّي للتوقف عندها. ولكن، هل هي بهذه البساطة فعلاً؟ أم أن هناك معنى خافياً وعميقاً فيها، ولم نتبين كنهه بعد؟ لنستمر في المتابعة إذاً!


1
شخصياً، وقبل أن أطلع على هذه الحكاية، لم يَدرْ بذهني مطلقاً ولا في يوم من الأيام، وحتّى لو تماديتُ في تخيّلي، أن أجد رابطاً محتملاً ولو ضئيلاً، قد يجمع بين عملية ذبحٍ مستفظعة مثل تلك، وبين فنٍ تعبيري مرهفٍ كالرقص والموسيقا. إذْ ما الذي يجمع مثلاً، بين تمساحٍ يفترس طريدته وعندليب يغرِّد فوق شجرة، أو بين إرهابي كالبغدادي وموسيقار كبيتهوفن؟ هذا مع العلم بأننا لا نتحدث هنا عن حكاية أسطوريّة أو شعريّة، وإنما هي مُسْتلَّة من صلب الواقع العادي، لطاهٍ يذبح بقرة بطريقة استعراضية، أمام مولاه ولمولاه، ويجعله ينسى حقّ البهيمة ومقامه، ويستمتع ويعجب بما يراه.
غير أن هذا المشهد نفسه، ظلَّ يومض بسؤالٍ جوهري أخذ يعذّبني: إذْ ما معنى الرقص والغناء على دم كائن مذبوح؟ وكيف يمكن لمن يقطّع بسكّينه أوصال كائن حي، حتّى ولو كان بهيمة، أن يحتفل وينتشي إلى هذا الحد؟ ثم كيف يمكن لمَلِكٍ يفترض أنه يحكم رعية، أن يكشف ظهره ورغباته الدفينة بهذه السهولة، ويوافق في حضوره على إجراء استعراض سادي مثل ذلك؟
في البدء، ليس عليَّ التوكيد، بأن هذا المشهد، مشهد ذبح الحيوانات والأضاحي، يتكرر آلاف أو ملايين المرات يومياً، وفي بقاع الأرض كلها، وبمفاهيم وأشكال مختلفة أيضاً. ولكن قبل كل هذا، علينا أن نفهم وندرك جيداً، أن التعامل مع الضحيّة الذَّبيحة ليس أمراً سائباً ومتروكاً على عواهنه، وإنما هناك شرائع وقوانين دينية ووضعية ملزمة، تؤكد حقّ الحيوان عموماً، والحيوان الذي يعدُّ للذّبح خصوصاً، بألا يهان، ولا يعذَّب، ولا يُحْتَقَر، ولا يتمّ التشفي والانتقام منه، وألا تتحوّل لحظة نَحْرِه إلى مادة للَّعِب والتسلية والاستعراض. هذا مع العلم، بأن جميع الحضارات الوثنية القديمة قد قدَّست الحيوانات، واتخذتها آلهة ورموزاً لها، كالفرعونية والهندية والصينية والإغريقية وبلاد الرافدين وغيرها. فكيف إذاً يتمّ التعامل معها بهذه الطريقة الشائنة واللاأخلاقية، وهي التي عاشت في كنف الناس واستقرت في بطون الناس، في نهاية المطاف؟
إن القيمة العظمى للحيوانات الذَّبيحة، فلسفياً وأخلاقياً وحتّى دينيّاً، تتبدَّى في الدور الافتدائي والتضحوي الكبير الذي قامت وتقوم به، هذه الحيوانات الضعيفة والمسالمة من أجلنا. فهذه الحيوانات، والنباتات كذلك، قد وجدت من أجل تأمين بقائنا وعدم فنائنا كموجوداتٍ بشرية. فهي التي تمدنا بقوى البقاء، وهي التي عبر التضحية بها تمدنا بطاقة الأكل والغذاء، وتجعلنا لا ننمَّحي ونموت وننقرض. فلو لا ظهور الكبش دينياً كأضحيةٍ بديلةٍ مثلاً، لقطع سيدنا إبراهيم رأس ابنه إسماعيل، في امتحان الطاعة الإلهية. ولو لم يدجَّن الإنسان الأول، هذه الحيوانات ويستأنسها ويُربيها ويأكلها ويستفيد من كل قطعة فيها ويرسمها على جدران الكهوف، لما ظهرت المجتمعات الزراعية، ولما انتقل الجنس البشري من طور الوحشية والبدائية إلى طور الاستقرار والتطور والمثاقفة. وكذلك، لو لا وجود هذه الحيوانات في حياتنا، ووجود النباتات معها، لما عَمَّرْنَا طيلة تلك القرون، ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن.
إن دَيْنَنا لعالم الحيوانات كبير، وكبير جداً. فهي تستحق منّا الرحمة والرأفة والحنان والاحترام، لا القسوة والتعذيب والإذلال والاحتقار، كما فعل الطاهي الصيني ومولاه. فهل هناك عمل، كما تساءل جان دوفينيو يوماً، لا يكون عاطفياً، وحتَّى غرامياً، في عملية الالتهام الضرورية؟

2
غير أن الجديد والغريب في مشهد الذّبح الصيني، هو حضور موسيقا «جينغشو» في المكان غير المتوقع، المكان الذي ليس مكانها مطلقاً: المسلخ! إن الحضور الثقيل والمخيف، لمظهر السكاكين والسواطير والمناشير والذَّبح والقَطْع والسَلْخِ والدّم، كما يفترض بمسلخ، لهي بمثابة ملوثات قذرة وقاسية جداً، لروح الموسيقا وطهرانيتها وإنسانيتها.
فالموسيقا، بما هي فن إنسانيٍّ مرهف وروحاني، إلاّ أنها في الجوهر تعبّر عن «الزّمن المحرّر من الزمنيَّة»، كما يقول جورج ستينر. أي أننا بالإصغاء إليها ودخولنا في ملكوت زمنها الخاص بها، الذي هو خارج كل زمن، تجعلنا نفقد مفهوم الزّمن العادي المحيط بنا ونتحرّر من ثقله الضاغط علينا كالكابوس. وهي إذْ تفعل ذلك، فإنها في الحقيقة تحملنا على فقدان مفهوم التعب، وما يتصل بالتعب من مصفوفات الأحزان والعذابات والآلام والانكسارات والإحباطات واليأس وغيرها، وتضخ فينا طاقة إيجابية عالية وتغير مزاجنا. لأن مصدر هذا التعب كله، كما لاحظ فيلسوفنا الفارابي بدقةٍ عميقةٍ من قبل، هو الذي «تولده الحركة المرتبطة بالزَّمن»، الزّمن الخارجي المنعكس في دواخلنا، والذي يطوقنا من كل حدب وصوب، ويأسرنا بقيوده وسجونه المريعة والفظيعة. لذا فإن عدو الحياة والكائنات الأول، ليس الموت وحده كما نظن، وإنما الزّمن أيضاً، الذي لا يلتفت إلى الوراء مطلقاً ويقود كل شيء نحو النضوب والانحلال والنهايات. إنه قطار الجثث الأسود، الأبدي، الذي يقوده سائق خرافي، لا ينام، ولا يتعب، ولا يموت، ولا يتوقف في أي محطة كانت مطلقاً!
من هنا نفهم جيداً، لماذا يستعير الموسيقيون والفلاسفة والشّعراء، وأصحاب الفنون عموماً، وعلى مر العصور، دور الحفَّارين المغامرين الشجعان الذين يقومون بإحداث ثقوب كثيرة وغزيرة، في جدران قلاع الزّمن الصلدة والفولاذيَّة تلك. وكيف من أجل بناء حياة أخرى، جديدة ومختلفة ومشمسة وسعيدة ومستساغة ومشتهاة ويمكن احتمالها وتدوم، يُهرِّبُون هذه الحياة السجينة عبر تلك الثقوب، ويدفعون بها خارج تلك المقابر الشاسعة والمفتوحة على الأبد.
إن العظمة المرافقة للموسيقا، ولكل الفنون الأخرى، هي في أنها تعلّمنا وتمنحنا الحرّية والتحرّر والحياة والحبّ والسَّكِيْنة والرحمة والصلاة والتسامح، وليس القتل والذّبح والسلخ والكراهية والإجرام والمذابح. إنها تطلق طاقاتنا المكبوتة، وتطهرنا من البلادة والكآبات، وتحيي مشاعرنا وعواطفنا، ولا تقمعنا وتقتلنا وتصب أكياساً من الإسمنت في رؤوسنا، وتهين وجودنا وآدميتنا. إنها الشَّمس التي تدخل الكهوف وتنيرها.

3
سيظل إذاً مشهد رأس الذبيحة المقطوع في الطّست، وتلك الأضلاع المعلَّقة في الكلابَّات، والطاهي/‏‏ الجزَّار الذي يرقص ويغنّي ويعمل سكّينه فيما تبقى من الذبيحة. كمشهد استعراضي/‏‏ مسرحي، يدخل في طقوس الاحتفال الساديّ بالقتل. فالطاهي هنا، لا يذبح فقط كأي جزَّار آخر، وإنما ينتشي ويرقص ويغنّي، أثناء تمزيق الذبيحة إلى إرب، وكما لو أنه في عيد.
إنه مشهد شاذ وعجيب حقاً، ومن النادر أن يتكرر في مجمل تجليات الإيقونوغرافيا الصينية، حيث يتجاوز مفهوم الذّبح الحيواني العادي، ليصل إلى مستوى الحماس والتلذّذ بعملية الذَّبح ذاتها. فالمذبوح بهذا المنطق، ليس مهماً ولا يستحق الشفقة أو الذّبح الرحيم حتّى، وإنما الذَّبح الصافي والقاسي كحدّ السَّيف والمجرد من كل شيء، هو الهدف الأهم. فعندما تهم بالذّبح، فلا تنظر إلى من هو أمامك، سواء كان إنساناً أو بهيمة، وحتّى لو كان بريئاً ولم يرتكب خطيئة ما، إلاَّ كعدو أو كمجرم أو كشيء يلزم التخلص منه وتصفيته وإعدامه. إنه باختصار، لا شيء، ولا يساوي أي شيء!
هذا المنطق الوحشي الرجيم والحقير جداً، والمطبق على بهيمة كالبقرة أو على الإنسان، كما يفعل كارتيل داعش الإرهابي وغيره اليوم. هو في الحقيقة، من تعاليم القتلة والجلادين والإرهابيين، وليس من تعاليم الطهاة مطلقاً. من هنا، وبهذا المنطق ذاته، يتساوى الملك «هوي» مع طبَّاخه تماماً، في احتقار الذبيحة واعتبارها لا شيء، والتمثيل بها، وتحويلها إلى مجرد مادة للتسلية واللَّعب والعرض، واطلاق المكبوت السادي الدفين لكليهما. سواء من خلال تمزيقها والرقص حولها كما فعل الطبَّاخ، أو من خلال المشاهدة والإعجاب والموافقة على التعامل معها بهذه الطريقة البهيمية وغير الرحيمة، كما فعل الملك. هذا مع العلم بأن الحكمة الصينية القديمة تقول: «ينبغي للملك ألا يكشف ما يفضله على العلن... وأيضاً على الحاكم ألا يظهر رغباته» (الفيلسوف هان فيزي).

4
وعموماً، فإن بذور موسيقا الذّبح تلك، التي سمعها وشاهدها وأعجب بها الملك الصيني «هوي»، ونفذها طبَّاخه بإتقان وحرفية عالية، وعلى الرغم من قِدَمها الطاعن في التاريخ، إلاَّ أن لها ما يعادلها ويتفوق عليها بل يمحوها من المشهد تماماً، في هذه اللحظة الراهنة التي نمر بها الآن. فهي لا تعد شيئاً يذكر، كما أن الملك وطبَّاخه يظهران كمساكين لا يستحقان حتّى التوبيخ. فأمام عظمة وقسوة، إيقاعات المجازر الشرق أوسطية الآن، وبشاعة أدوات مسوخها وقتلتها، ودراما صور ضحاياها وقتلاها، وأصوات ألحان انفجاراتها ورصاصها وقذائفها وبراميلها الحارقة، ودمار أساليبها ونوتاتها المرعبة والمبتكرة، في القتل والذّبح والمحو والهدم والتمزيق. فإن الحكاية الصينية، تعود للوراء وتتوارى ولا تعود ترى من جديد.
إن الفارق مثلاً، ما بين المشهدين، الصيني القديم والعربي الجديد: هو أن الذبيحة هذه المرة، ليست بقرة صينية يتم التسلّي بذبحها وتقطيعها من أجل متعة الملك وحده، وإنما هي شعوب بكاملها وبلدان بكاملها، تذبَّح من الوريد إلى الوريد، وتقدّم قرباناً طازجاً ومجانياً لأمراء الموت وآكلة لحوم البشر، وبمباركة طغاة تلك البلدان أنفسهم وطغمتهم الفاسدة ومعاونيهم المسوخ. إنها من أبشع المعزوفات الموسيقية وأكثرها لعنة واحتقاراً، التي عرفتها وسمعتها البشرية طوال تاريخها. فالطغاة هنا، لا يتسلون بذبح الحيوانات كما فعل الملك الصيني المسكين، وإنَّما تسليتهم العظمى تمزيق أوصال مواطنيهم وأوطانهم، واهداء مفاتيح بلدانهم لقطعان الذئاب الإيرانية والروسية، ومن يدور في فلكهما الطائفي والقيصري. إنهم حكام عرب بالاسم، ولكنهم بالفعل والهوى والعقيدة لا يمتون للعروبة بصلة.
هكذا أصبح طغاة الشرق اليوم، الطغاة العرب، يحكمون الهواء الفاسد والدّخان القاتل، بعدما تحوّلت أمجادهم إلى رماد منثور، وصورهم باتت لا تصلح إلاَّ للدعس والحرق والشتم والبصق فقط. وهكذا أيضاً، ما زال أولئك الطغاة يتوهمون بأنهم يحكمون، ولكنهم في الحقيقة لا يحكمون سوى شعوب من الجماجم والأموات والأطياف والمشوهين والمرضى والثكالى والحزانى والمشردين، من سحقتهم مجنزرات الطغاة ودمرتهم قذائف وصواريخ وسكاكين الوحوش الغريبة والآثمة، التي ــ يا للغرابة ــ باتت تحكم الطغاة أنفسهم، وتحركهم كالدُّمى على رقع الشَّطرنج. وأي مصير يا ترى كانوا يتوقعون غير هذا، لمن باعوا وخانوا وأجرموا في حقّ شعوبهم؟
فهؤلاء الطغاة، لم يتعلموا من تجارب التاريخ، ولا من سقوط الإمبراطوريات ودول الديكتاتوريات في العالم. إذْ لا شرّ، ولا مجد، ولا استبداد، ولا شيء يدوم. لقد تسابقوا في تسجيل الأرقام القياسية في إسقاط ضحاياهم، بعدما ظنوا بأن الأوطان، ليست سوى كرسي وثير يجلسون عليه وحدهم مع أعوانهم، وأن الشعوب ليست سوى سجاد رخيص يدوسونه في رواحهم ومجيئهم، وأن الخديعة الكبرى هذه ستستمر إلى يوم الدّين. ولكن هيهات، هيهات! لأن الشعوب مثل الأرض، تمرض أو تتمارض، تستريح قليلاً أو تغفو، ولكنها أبداً، أبداً، لا تموت بل تعود من جديد، حتّى ولو بعد حين من تحت الأنقاض.
فليهنأوا إذاً في سانحتهم الأخيرة هذه، وقبل أن تصل إليهم السكّين الكبيرة، بمجدٍ لم يعد يساوي في قيمته روث الحمير. بعدما دفنوا شعوبهم، وحطَّموهم، وأذلوهم، وقهروهم، وشردوهم، وتخلوا عنهم، وتركوهم يتامى حزانى في مهب الموت والاحتضار والعوز والعذاب الكبير.

5
موسيقا الذّبح إذاً، هي موسيقا الطغاة والمسوخ والقتلة، من تَحَيْونوا وصاروا أقل بكثير من مرتبة الحيوان. إنها موسيقا القسوة والبشاعة والنشاز، وترف الساديات القاتلة والثاوية والمنتقمة، التي تعشق وتستمتع برؤية تعذيب الضحايا وإذلالهم. فهي تُسمع، حين تطفو ألحانها فوق موت كل ما هو إنساني وأخلاقي وجميل. وهي تُسمع ثانية، حين يعلو الخوف والقبح والتكفير والمنع والتخلف والتعصب والتطرف من كل نوع، بحيث تعاد الحياة معصوبة العينين إلى المقابر. إنها موسيقا لا إنسانية ولا أخلاقية ولا فنية بالتأكيد، ولا يعزفها ولا يسمعها ويطرب إليها عادة، إلاّ مَنْ مضوا على طريق القتلة والجلادين والمجرمين والجزَّارين والإرهابيين. إنها موسيقا الحروب، والمجازر، والإبادات، والتهجير، والتفجيرات، وأزيز الرصاص، والقتل المعلن دون مواربة. إنها موسيقا قطع الرؤوس، والتمثيل بالجثث وحرقها أو إغراقها، ودفن الضحايا تحت الأنقاض. إنها موسيقا الأسلحة البيضاء، والبراميل الحارقة، والأحزمة الناسفة، والقذائف والصواريخ، وأدوات التعذيب المبتكرة، وعواء الطائفيات المسلحة، وكورال الكراهيات المتشنجة. إنها الموسيقا التي جعلت كل هذه الأشياء المخيفة، تطلع من نهر جهنَّم وتغزو العالم كالوباء الخطير.
هذه السيمفونية الفتاكة، التي لم يستطع حتّى الشّيطان سماعها، فغادر بسببها هذه المسكونة منذ زمن بعيد، وطلب اللجوء السياسي وشَطْب اسمه من سِجِل التاريخ البشري. لقد رحل إلى كوكب آخر، معلنا بهذا ولادة جنس دموي، أكثر دهاء ومكراً وشيطانية وفتكاً منه هو شخصياً. وها هو الآن «في قصره العتيق، على ضفّة البحيرة، بين الجبال، بعيداً عن الحياة، غريباً عن العالم» (فرناندو بيسوا).

6
لم يعد هناك من فرق إذاً، عند أساتذة تَخْت الموت الشرقي أولئك، بين قَطْع رؤوس البشر أو البهائم، أو بين قطع رؤوس الأوطان، أو الأديان، أو الحياة في سلامها وأمنها وشغفها وتفتحها. لأن كل هذه الأشياء، لا قيمة تذكر لها في أعرافهم ومخططاتهم الجهنميّة. إنها مجرد أقنعة، أكاذيب، شعارات وهمية، يتم ترويجها والتلاعب بها، والاستفادة القصوى منها. لقد انكشفت تلك الأقنعة القبيحة، ولم تعد تنطلي على أحد. فهؤلاء هم أشبه بسجناء كهف أفلاطون، فلا يطلبون شمس الحياة الحقيقية ولا الحقيقة نفسها، بل هم يخافونها ويهابونها ويرتعدون منها، ويخشون أن تكشفهم وتعريهم وتظهرهم على حقيقتهم. لهذا يكفّرونها ويحتقرونها ويعشقون الظّلال والظلام، ويعيشون كأشباحٍ أو كشياطين يمارسون شذوذهم وتخلّفهم وجهلهم، ويشحنون حقدهم وكراهيتهم، ويفرِّغون مكبوتاتهم الغائرة، في ذلك الكهف ذاته الذي يسعهم جميعاً. إنه كهف مَنْ يبجّلون الموت والقتل والدمار، ويمقتون الحياة مقتاً عظيماً ومروّعاً. لهذا تختلط أصواتهم وصورهم دائماً، مع أشكال البدائيين والهمجيين والكائنات المستذئبة، التي لا تخرج من كهوفها إلاّ للقنص والصيد والقتل فقط.
لقد صرح، وقبل أكثر من قرنين من الآن، الفيلسوف الروسي الكبير نيقولاي فيدوروف (1903 – 1829) قائلاً: «إن لدى البشرية هدفاً عظيماً مشتركاً: الانتصار على الموت». ولكن مَنْ يراقب عالَم اليوم، ويتابع أحداثه وحروبه وتهديداته ومآسيه الفائضة، أولاً بأول، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، سيدرك أن إمبراطوريات الكهوف والشَّر هذه، قد تضخّمت إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت سيمفونية الفتك والقوى المحركة لها مزعجة ومرعبة جداً، وتدفع على إيقاع الجنازات والمآتم، الحياة ومن عليها نحو العدم والهلاك.
فإلى متى ستستمر غيمة المعدن السوداء تلك، من تكوّم في باطنها صراخ وأنين ودموع وآلام البشر وعذاباتهم، وتخيم بموسيقاها الفاجرة والكافرة والمفزعة، على ليل العالم؟
لستُ منجِّماً، ولا صاحب حلول جاهزة، وليس بيدي عصا موسى ولا مصباح علاء الدين، كي أقترح على العالم ما يجب فعله. فهناك من هم أقدر مني على ذلك. ولكن ما أعلمه وأفهمه وأؤمن به بتواضع، هو أن البشرية برمتها اليوم، تمر باختبار حقيقي ومفزع للبقاء، فإما نكون أو لا نكون. لقد أصبح الهلاك، عنوان عصر هو عصرنا، ولابد من مواجهة إعصاره الحالي والقادم. إذْ لا أحد سيضمن لنا ما سيحدث غداً. فلكي نواجه ونتجنب الغرق في أمواج الدَّم والخراب، فإنه يتوجب علينا أن نسبح ضدَّ تيار الموت والهلاك بقوة وحزم، وضدَّ كل ما يبذره ويروج له ويفعله وينادي ويطالب به. علينا أن نعيد عربياً وإسلامياً، وفي سياق المواجهة ذاتها، صياغة حياتنا وقيمنا وثقافتنا وتعليمنا وأفعالنا وأهدافنا وتوجهنا، ونتعلم جديّاً من أخطائنا السابقة، من جديد. وألا نترك للصُدفة والسير على مشيئة البركة والخرافات، مجالاً يحركنا ويتحكم في مصير شعوبنا. وإنما علينا أن نجعل من العقل والتفكير مرشداً وميزاناً لنا، ومن الإبداع والابتكار والمعرفة والانفتاح والتنوير والحرية، أنواراً ومشاعل تضيء دروب حاضرنا وغدنا. لقد شبعنا من كل السلفيات والأصوليات والإخوانيات، الظاهرة والمقنَّعة والخافية منها، التي قادتنا إلى الهلاك والهاوية. ولعله قد حان الوقت، لأن نتجاوزها ونرفع من منسوب الصمود ضدّها، وعلى كل المستويات والمجالات كافة، وخاصة على المستويين الثقافي والتعليمي منها.

7
لا شكّ لدي، ومهما طال الوقت أو قصر، ومهما بدا المشهد كابوسياً ومؤلماً ومدمِّراً الآن، بأن غيمة المعدن السوداء تلك، ستسقط سقوطاً مدوّياً مع مسوخها وسيمفونية فتكها، في يوم من الأيام، وأن ذلك اليوم، سيكون ميلاد عالم جديد. عالم يجب أن تستعد له جيداً من الآن، ونصر أن نكون فيه أقوى وأجمل مما كان، وأن نحضّر له موسيقانا الجديدة. موسيقا الحلم، والمحبّة، والتسامح، والسلام، والحياة المضيئة التي تدفعنا للأمام وتقوي شكيمة البقاء فينا.
فلنحلم إذاً، ونجابه الواقع المؤلم، ونحيا، ولا نيأس، ونعمل، ونتعلّم، ونتطور، ونستيقظ، ونعشق بكل ما أوتينا من طاقة وقوّة. فنحن جميعاً في مهمة وطنية وإنسانية كونية، من أجل إنقاذ أوطاننا وحياتنا، وإنقاذ هذا الكوكب من السقوط والفناء. ولعل هذا الدرب، هو درب مَن حفروا ثقوباً عظيمة في جدار الزّمن، ومهدوا الطريق لمن سيأتون بعدهم.

.....................................
(1) تساي شي تشين، سلسلة الحكماء يتكلمون: تشوانغ تسي، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008،
ص: 99

اقرأ أيضا