الاتحاد

دنيا

أحمد زكي: انقلاب أسمر في تاريخ السينما العربية


دبي ـ محمد الصدفي:
وكأنه كان يعلم قدره المبكر·· وعمره القصير، فكان في صراع مع نفسه·· ومع الزمن، هكذا كان الفنان العبقري احمد زكي، الذي لم تكن صدفة ألا يتجاوز عمره 56 عاماً، قدم خلالها 56 فيلماً سينمائياً ـ بخلاف المسرحيات والمسلسلات الدرامية ـ بمعدل فيلم كل عام!
وعلى افتراض انه بدأ مشواره الفني في العشرينات من عمره، فإنه يكون قد أبدع فيلمين كل عام، وهو إنتاج كبير، لاسيما في ظل أداء استثنائي وعبقري يشهد به الجميع·
في أسرة متواضعة تعيش في مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، يولد الفتى الأسمر في الثامن عشر من يناير ،1949 وكغيره من أبناء القرية الفقراء يصاب بالبلهارسيا، احد اكثر الأمراض انتشاراً في الريف المصري، التي أصابت جيلاً بأكمله، قبل دخول المرافق والخدمات لتلك القرى·
يأتي الفتى الريفي إلى القاهرة حاملاً بين جنباته شلالاً هادراً وكتلة من المشاعر المتدفقة، وقدرات خاصة على اختزان التجارب والمواقف ووجوه البشر وأحلامهم·
العاشق الحالم
ولكونه حالما بالفن وعاشقا له، يتقدم إلى معهد الفنون المسرحية·· وفي الامتحان الشفهي يسأله استاذ المعهد سؤالاً تقليدياً عن سبب التمثيل، فيصاب الفتى احمد زكي عبدالرحمن بالخرس، ويجيب بقوله: مش عارف! أما المفاجأة فهي حصوله على المركز الأول بين كل المتقدمين·
يلتقي الطالب بعد ذلك بأستاذه ويسأله عن سر هذا التفوق رغم إجابته الخائبة، فيرد الاستاذ بقوله: لو أجبت غير ذلك لرسبت!
وكالدرة المكفوفة المتطلعة ليد غواص ينتشلها ويبرز بريقها، يتلقى الفتى أول دروسه على يد سعد أردش وعبدالمنعم مدبولي وغيرهم من اساتذة الفن، ليضع قدمه على أول الطريق·
وبطموح جارف وعزيمة لا تلين، يقتحم الفنان الأسمر عالم الفن، ليقلب بملامحه السمراء وشعره المجعد وجسده النحيل موازين النجومية، مرسخاً معايير جديدة (للنجم) تعتمد الاحساس والصدق جواز مرور إلى قلوب ونفوس الجماهير·
يتزامن بزوغ النجم الأسمر مع ظهور جيل محترم من مخرجي سينما الواقعية، عاطف الطيب وخيري بشارة ومحمد خان وداود عبدالسيد، لتنطلق إلى آفاق أرحب موهبة فناننا العبقري، ولأنه فنان مثقف مؤدلج، يحوي كتلة من المشاعر المتدفقة، لم يكن في حاجة إلى مخرج عبقري ليخرج أفضل ما عنده من المشاهد والتعبيرات، كانت موهبة العبقري احمد زكي تشع على كل من تعامل معه من الممثلين والممثلات·
ولانه فنان متمكن، لم يبخل على الجميع بالنصح والتوجيه، فنجاح العمل الفني ـ في رأيه ـ نجاح جماعي·
أما انسانيته فحدث ولا حرج، عنها يروي الفنان هاني رمزي، انه خشى ألا يعرفه العبقري احمد زكي أثناء تصوير فيلم (ناصر 56) كونه فناناً مبتدئاً·
يقول هاني رمزي: بعد الانتهاء من تصوير المشهد، صافحني الفنان احمد زكي، وأخبرني انه يتابع أعمالي، وعزمني على شاي، ليكسر حاجز الرهبة لدي·
ولانه احد رواد المدرسة التعبيرية في التمثيل، التي تعتمد تعبيرات الوجه والأعضاء في الأداء كأستاذه محمد توفيق، يذكر الفنان محمد هنيدي انه كان يمثل مشهداً في فيلم (البطل)، يصور خروجه من السجن عبر كاميرا خلفية، وبعد الانتهاء من تصوير المشهد، طلب الفنان احمد زكي من هنيدي إعادة تمثيل المشهد، وعند مناقشته في كون الكاميرا تصور من الخلف، قال أحمد زكي: مثل بظهرك!
وفي مسألة تعليمه لنجوم السينما الجدد، تذكر الفنانة منى زكي انه كثيراً ما كان يوجهها في فيلم (اضحك·· الصورة تطلع حلوة)·
هموم وقضايا
وبخلاف (مدرسة المشاغبين) و(الأيام) ومسرحيات وأعمال درامية اخرى عديدة تنوعت أفلام المبدع احمد زكي ما بين السياسي والاجتماعي، والطبقي والفردي وعالي الثراء والفقر، لتعبر عن جيل وحقبة بأكملها·
في فيلم (العوامة 70) مثلاً ـ إنتاج 1982 إخراج خيري بشارة، نقد شديد لموقف المثقفين المصريين في مجتمع السبعينات وفشلهم في إتخاذ موقف إيجابي ازاء أحداث مصيرية تهم الأمة·
وفي فيلم (التخشيبة) إنتاج 1984 للمخرج عاطف الطيب يتعرض لأخطاء الشرطة وأساليبها البالية في كشف المجرمين وينتقد أخطاء تشابة الأسماء·
وفي (الراقصة والطبال) انتاج 1984 إخراج اشرف فهمي، يفضح عالم الرقص الشرقي ومحترفاته ويكشف نكرانهن للجميل·
وفي (النمر الأسود) انتاج 1984 إخراج عاطف سالم يناقش قضايا وهموم المهاجرين العرب في الخارج·
وفي (شادر السمك) انتاج 1986 إخراج علي عبدالخالق، يستعرض عالم الحيتان والهوامير وطرائق صعودهم في أداء عال وايقاع جميل·
وفي (الحب فوق هضبة الهرم) انتاج 1986 إخراج عاطف الطيب، يناقش قضايا الشباب وعدم قدرتهم على تدبير شقة الزوجية وتشدد بعض أولياء الأمور ووقوفهم ضد رغبات واحتياجات الأبناء البيولوجية·
وفي (البيه البواب) انتاج 1987 إخراج حسن ابراهيم، يناقش هموم ريفيي الصعيد القادمين إلى المدينة الكبيرة أو العاصمة·
وفي (أربعة في مهمة رسمية) انتاج 1987 إخراج علي عبدالخالق، يوجه نقداً شديد اللهجة للروتين والعقلية البيروقراطية السائدة·
وفي (أحلام هند وكاميليا) انتاج 1988 إخراج محمد خان، يتعرض لهموم النسوة العاملات ومتاعبهن مع الفهلوية والنصابين·
وفي (الدرجة الثالثة) انتاج 1988 إخراج شريف عرفة، يلعب على تيمة اللعبة الشعبية (كرة القدم)، موجهاً نقداً لرموز الطبقات الاجتماعية وأنظمة الحكم، وعلاقة العالم الأول بالعالم الثالث·
وفي (زوجة رجل مهم) انتاج 1988 إخراج محمد خان، صرخة ضد كذب النظام وفضح للأجهزة، وربما يكون الفيلم الوحيد الذي تعرض لتلفيقات مباحث أمن الدولة وعن مدينة (المنيا) القابعة وسط صعيد مصر، والوحيد الدرامي عن زمن عبدالحليم حافظ·
وفي (كابوريا) انتاج 1990 إخراج خيري بشارة، يتعرض لأحلام آلاف البسطاء من العاطلين عن العمل والحالمين بتغيير واقعهم المرير·· والرافضين في ذات الوقت للعب دور (البهلوان)·
وفي (الامبراطور) انتاج 1990 إخراج طارق العريان، يتعرض لأباطرة الهيروين في مصر، ملمحاً لاسرائيل كمصدر لتهريب المخدرات والممنوعات، كأحد نتائج السلام·
وفي (الهروب) انتاج 1991 إخراج عاطف الطيب، يبرز غطرسة ضباط الشرطة وتركهم الجرائم الكبرى وإشغال الناس بجرائم تافهة·
وفي (مستر كاراتيه) انتاج 1993 إخراج محمد خان، يقدم أقوى مشاهده التمثيلية للريفي العاطل، مازجاً بين متناقضات الخجل والصراحة والطيبة والتصميم والحلم البسيط، والتفكير الواقعي·وفي (ناصر 56) انتاج 1996 إخراج محمد فاضل، يستعرض حياة الزعيم جمال عبدالناصر خلال فترة العدوان الثلاثي، مركزاً على زهده واخلاصه لقضايا الأمة وعلاقاته الانسانية والأسرية·
تلك كانت بعض أعمال الفنان احمد زكي الخالدة، والذي لم يكن يهتم بشيء في حياته بقدر اهتمامه بفنه، وليس أدل على عشقه للفن من تلك الأزمة المالية الحادة التي تعرض لها بعد انتاجه فيلم (السادات) ولولا تدخل النظام بعلاجه على نفقة الدولة ـ كأحد حقوق المواطن الأساسية ـ لما وجد احمد زكي ثمن العلاج كغيره ممن وهبوا أنفسهم لخدمة الفن·
وربما يكون قرار علاجه هذا قد أمد قليلاً في عمره، على حد قوله ـ بعد ان تماثل مؤقتاً للشفاء ـ بأن ربنا يسبب الأسباب·
رحم الله نجمنا الكبير احمد زكي الذي تميز بحضور طاغ وموهبة نادرة، وترك تراثاً جميلاً من الفن البديع، ويكفيه تلك الرغبة التي أبداها محبوه وعاشقو فنه وخطوها في سجل الزيارات بالتبرع بأي شيء لإنقاذ حياته وتخفيف آلام وجعه الأخير·

اقرأ أيضا