الاتحاد

دنيا

مفاجأة·· في غرفة العمليات

محمد صلاح الدين:
أصعب ما في تخدير حالات الطوارئ هو أنها طارئة·· ليس في الأمر لغز·· مشكلة أي حالة طارئة تحتاج إلى تدخل جراحي تحت التخدير الكلي هو أن المريض يدخل غرفة العمليات بدون تحضير من أي نوع خصوصا إذا كانت الحالة شديدة الخطورة ولا تحتمل أي انتظار·· هنا يصبح التخدير شديد الصعوبة والخطورة أيضا·· ولكن طبيب التخدير في أقسام الطوارئ يعرف ذلك ويكون دائما مستعدا لكل الاحتمالات·· ولكن ماذا لو أن مريضا حالته غير طارئة·· يستعد لإجراء جراحة من النوع الذي يطلق عليه في العرف الطبي الجراحة الباردة·· واكتشف طبيب التخدير فجأة أنه لم يلتزم بأهم إجراءات التحضير للجراحة·· وأنه كذب عليه ووضعه في موقف ربما لم يكن مستعدا له؟·· هذا السؤال له قصة شديدة الغرابة اكتملت تفاصيلها اليوم·
المريض الظريف كاد يوقعني ويوقع نفسه في مشكلة كبيرة·· عندما التقيته لأول مرة لإجراء الفحص المبدئي عليه لتحضيره لجراحة استئصال الحويصلة المرارية اجتذبتني تعليقاته الساخرة ودعاباته التي لا تتوقف·· وأسعدني ذلك لأسباب علمية·· فالحالة النفسية للمريض تنعكس على حالته الصحية·· والمريض المتفائل يشيع أجواء من الارتياح تصل إلى الفريق الطبي المشرف على علاجه· بهذه الكلمات يبدأ الأستاذ الدكتور محمود يوسف استشاري ورئيس قسم التخدير والعناية المركزة في مستشفى النور صفحة خاصة جدا من مذكراته الشخصية·
يقول الدكتور محمود يوسف: قبل موعد الجراحة بيومين قمت بزيارة للمريض خفيف الظل في غرفته بالمستشفى·· كان يتناول طعامه بشراهة وشغف شديدين·· طلب مني بلهجة باسمة أن أشاركه طعامه بشرط ألا أفرط حتى لا احرمه من متعة الشبع·· وعندما رفضت حتى ابقي على متعته استأذني في الانتظار حتى يفرغ من أهم ما يشغله في هذه اللحظة·· لم يترك فرصة للاعتذار·· استرسل في الكلام فيما فمه لا يخلو أبدا من الطعام·· قال: أتعرف يا دكتور·· الإحساس الوحيد الذي لا أستطيع مقاومته أبدا وتحت أي ظرف هو الإحساس بالجوع·· أعتقد أن أسوأ أنواع التعذيب في أي مكان في العالم هو الحرمان من الطعام· واستغرق في الضحك·
هل يستحق هذا الحديث الباسم الطريف أن يحتل مكانا في المذكرات الشخصية لأي طبيب؟·· الأحداث التي تلت هذا اللقاء تجعله حديثا شديد الأهمية· بعد أن أكمل مريضي كلامه قلت له: يبدو أنك ستضطر لتحمل هذا النوع من التعذيب لعدة ساعات·· فاعتبارا من مساء الغد ستكون مضطرا لمنح فمك إجازة إجبارية حتى موعد العملية في صباح اليوم التالي·· فأومأ بالإيجاب على مضض·
ليلة العملية كان اللقاء الثاني·· قمت بفحوص أخيرة على المريض للاطمئنان على حالته الصحية·· ضغط الدم، رسم القلب، قراءة نتائج الفحوص المختبرية·· طرحت عليه بعض الأسئلة التي كان يقابلها بدعاباته كعادته خاصة عندما سألته عما إذا كانت توجد أي تركيبات سنية مؤقتة أو دائمة في فمه· وفي نهاية المقابلة طمأنته بأن كل شيء سيكون على ما يرام بإذن الله وان حالته الصحية ممتازة ما يبشر بجراحة ناجحة ونقاهة سريعة·
في الصباح بدأت إجراءات التحضير للجراحة·· دخل المريض إلى غرفة التحضير·· تم حقنه بعقار مهدئ لتخفيف إحساسه بالخوف·· دخل غرفة العمليات·· بدأت أشرح له ما سيحدث·· استلقى على طاولة العمليات واخذ يتلو آيات من القرآن·· تركته حتى أكمل·· وفي اللحظة التي سأبدأ فيها تخديره·· قال لي فجأة: دكتور أريد أن أخبرك بسر ولكن أخشى أن تغضب فهل تعدني بألا تغضب؟·· وأطلق مريضنا الظريف مفاجأة مدوية غيرت كل شيء وأصابت كل من في غرفة العمليات بالوجوم· وللحديث بقية بإذن الله·

اقرأ أيضا