الاتحاد

دنيا

الأسنان تستسلم لأمراض العصر


صلاح الحفناوي:
آلات الحفر المزعجة·· الأصوات العالية المخيفة·· الآلام الصعبة التي لا تحتمل·· هذه هي صورة عيادة الأسنان في أذهان كل الناس تقريبا·· وهنا تكمن المشكلة· أسناننا مظلومة معنا·· الخوف من فحصها وعلاجها يجعلنا نهملها حتى تصل إلى نقطة اللا عودة·· عندما يصبح 'الخلع' هو الحل·· أو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه عن طريق قتل العصب وترميم ما تبقى من السن أو الضرس باستخدام التيجان أو الحشوات التجميلية·· ولأنها مكلفة جدا فالخلع هو البديل 'الأوفر' والأسهل مهما كانت العواقب الصحية وهي كثيرة وخطيرة·
هل ما زالت آلات الحفر تعمل في عيادات الأسنان·· هل ما يزال صوتها مزعجا مخيفا·· هل لا تزال الآلام مستمرة·· وإذا كان الأمر كذلك·· كيف نحمي أسناننا من طبيب الأسنان أو من التوجه إليه·· لماذا لم نعد قادرون على المحافظة على أسناننا سليمة قوية·· لماذا أصبحت تتكسر وتتآكل ويتغير لونها ويصيبها الضعف والوهن في مراحل مبكرة من العمر؟·· تساؤلات عديدة طرحناها على الأستاذ الدكتور تييري نيمان أخصائي طب وجراحة الفم والأسنان علاج آلام الفم والوجه في المستشفى الإماراتي الفرنسي بأبوظبي·· والذي أكد في بداية حديثه أن الصورة في عيادة الأسنان اختلفت تماما والمعالجات المؤلمة المخيفة أصبحت جزءا من الماضي·
ونبدأ بمتاعب الأسنان·· يقول الدكتور نيمان: الأسنان مثل أي عضو في الجسم·· تتأثر بالتقدم في العمر·· وبكل عوامل اعتلال الصحة·· الأسنان تتأثر بصحة الجسم وتؤثر فيها·· الكثير من أمراض الأسنان تسبب مشاكل صحية عضوية أخرى·· العكس صحيح·· وبرغم ذلك نستطيع أن نحمي أسناننا وان نحتفظ بها قوية سليمة حتى مراحل متقدمة جدا من العمر·· والطريق إلى ذلك هو الوقاية·· والحقيقة المهمة هي أن معظم متاعب الأسنان يمكن الوقاية منها بإتباع نمط حياة صحي·
لقد تمكنا حديثا من التعرف على الأمراض والعوامل الرئيسية التي تضر بالأسنان وفي مقدمتها البكتريا الضارة باللثة والالتهابات المتكررة·· والعامل الأخر المهم هو العامل الوراثي·· فقد تمكن العلم حديثا عن طريق فحوصات الحمض النووي 'دي إن إيه' من تحديد عوامل وراثية تؤثر على صحة الأسنان وسلامتها وهو ما يعني إمكانية اكتشاف بعض الأمراض السنية عند بعض العائلات قبل ظهور أعراضها ما يسمح باتخاذ التدابير العلاجية والوقائية المناسبة مبكرا·
بداية المتاعب
الحقيقة المؤكدة هي أن الغذاء عامل شديد الأهمية في حماية الأسنان والمحافظة علي صحتها·· وللأسف فإن السلوك الغذائي السائد في العديد من دول العالم يسئ إلى الأسنان ويهدد سلامتها·· ويأتي على قمة أخطاء السلوك الغذائي الاعتماد على ما يعرف بالوجبات السريعة أو الفاست فود·· في رأي العلم ـ والكلام لا يزال للدكتور نيمان ـ أنه حتى لو استعمل الإنسان فرشاة الأسنان ثلاثة مرات يوميا كما يجب·· فإن تأثير هذا السلوك الصحي يتلاشي عند تناول وجبات سريعة سواء على شكل حلوى أو الوجبات السريعة التقليدية بين الوجبات التي نغسل بعدها أسناننا·· لان هذه النوعية من الأطعمة تساعد على جعل البيئة المحيطة بالأسنان حمضية·· وهذه البيئة الحمضية من ألد أعداء الأسنان وسبب معظم متاعبها·· الغريب أن صحة الأسنان لم تستفد كثيرا من التطور الهائل الذي حدث في الحياة المعاصرة·· زمان كانت الناس لا تأكل كثيرا وفي نفس الوقت لا تعتني بالأسنان·· اليوم الناس تعتني بالأسنان ولكن تأكل كثيرا·· والنتيجة واحدة في الحالتين· نحن الآن لا نكاد نتوقف عن تناول الطعام·· الحلوى والمكسرات والتسالي والوجبات السريعة إلى جانب الوجبات الأساسية تجعل الفم بيئة مناسبة لتآكل الأسنان ونمو البكتريا والكثير من المتاعب الأخرى·
صورة مختلفة
* نعود إلى المشهد المخيف في عيادات الأسنان·· آلات الحفر والأزيز والآلام التي لا تحتمل سواء أثناء المعالجة أو بعدها·· هل ما تزال هذه الصورة موجودة حتى الآن؟·
* * الصورة تغيرت تماما في عيادات الأسنان·· زمان كان الطبيب يعد مريضه بمعالجة غير مؤلمة ولكنه لا يستطيع في الغالب أن يفي بوعده·· الآن يستطيع ذلك بكل ثقة بسبب الكثير من التطورات المهمة في المعالجة السنية·· والتطور الأول والأكثر أهمية هو التخدير·· تطورت عقاقير وأساليب التخدير بحيث تضمن معالجة غير مؤلمة نهائيا·· وحتى حقنة المخدر التي كان ينزعج الكثيرون منها رغم أنها تعطي بإبرة رفيعة جدا ولا تكاد تسبب ألما ملحوظا·· تم التغلب على هذه المخاوف عن طريق تدليك اللثة باستخدام هلام أو جل مخدر بحيث لا يشعر المريض بشكة الإبرة·
ولأن كل محاولات الطمأنة لا تجدي عند بعض المرضى خصوصا هؤلاء الذين يعانون مما يمكن أن نطلق عليه 'فوبيا' أو رهاب عيادة الأسنان أو الخوف المرضي من زيارة طبيب الأسنان يلجأ الطبيب إلى إعطاء قرص مهدئ يجعل المريض يشعر بالهدوء والراحة الكاملة أثناء المعالجة·· وفي بعض الحالات نعطي الدواء المهدئ قبل المعالجة بيوم وقبل ساعة من التوجه إلى العيادة·· وهذا أحدث تحولا جذريا في العلاقة بين المرضى وطبيب الأسنان·
* ولكن المشكلة ليست فقط في وجع حقنة البنج ولا الوجع الناتج عن المعالجة·· بل أيضا في آلات الحفر التقليدية المخيفة·· وقد ظهرت بدائل عديدة كالحفر بالليزر والهواء المضغوط·· فهل انهت هذه البدائل المشكلة؟·
* * في رأيي الشخصي التقنيات الحديثة مثل الحفر بالليزر والتي جرى تسويقها منذ قرابة العشر سنوات وصولا إلى الأوزون وغيرهما·· لم تثبت فعاليتها·· وكما أشارت فهذا رأي شخصي·· مازلت أرى أن الحفر التقليدي هو الأكثر فاعلية ودقة علاجية·· وبالنسبة لي فإن التطور المهم هو ذلك الذي حدث في أساليب وآلات الحفر التقليدية نفسها·· قبل سنوات كان علاج تسوس بسيط في السن يتطلب حفر منطقة التسوس وما حولها·· يعني عمل حفرة سنية كبيرة حتى نتمكن من الحشو بطريقة صحيحة وحتى يثبت الحشو·· الآن الحفر أصبح دقيق جدا وفي مكان التسوس نفسه دون أي زيادة وهو ما يعني في المقام الأول المحافظة على مادة السن الثمينة جدا والحفاظ على اكبر قدر ممكن من قوة السن·· باختصار الحفر الآن أصبح شديد الدقة وموضعي تماما·· زمان كنا نهدم لكي نعالج المشكلة·· والآن أصبحنا نعالج المشكلة بدون هدم وبأدوات دقيقة والتالي نخفف المشاكل الناتجة عن المعالجة ونحافظ على السن وهو ما يمكن أن نطلق عليه مجازا تعبير 'الاقتصاد النسيجي' وهذا تطور مهم جدا·
التطور المهم الثاني في مجال المعالجة السنية هو تطور الحشوات·· في السابق كانت مادة الحشو الوحيدة المعروفة هي مادة الأميلجم·· وهي مادة يتصدر الزئبق مكوناتها·· ولكي نثبت هذه الحشوة الزئبقية كنا نتوسع في الحفر حول التسوس ونملأ الفجوة بالحشوة التي تتميز بالقابلية للتمدد فتثبت دخل التجويف· ولكن لان مادة الزئبق شديدة السمية ونظرا لاحتمال تآكل جزء من الحشوة ووصوله إلى داخل الجسم عبر الجهاز الهضمي مما يمكن أن يترتب عليه مشاكل عديدة·· ورغم ندرة ذلك إلا أن مجرد الاحتمال النظري دفع جهود البحث عن بدائل أخرى لحشوات أكثر آمانا وأيضا أكثر جمالا·· فظهرت حشوات الكمبوزيت التي يتم تثبيتها باللصق·· وهو عبارة عن مادة على شكل مسحوق يتحول إلى سائل وباستخدام أشعة خاصة يتم لصقه في السن·
الآن هناك تطور أكثر أهمية وهو السيراميك السائل الذي يمكن وضعه في فجوة السن في حالات التسوس كبير وهذا يغني عن استعمال التيجان·· فحشوة السيراميك السائل يمكن أن تحافظ على السن بمعدل عشر سنوات تقريبا أو أكثر من ذلك·· أما بالنسبة لكسوة الأسنان بالتيجان فإن معدل بقاء التاج محافظا على السن حوالي 15 سنة·· وأهم ما يميز الحشوات السنية الآن أنها تأخذ شكل السن الطبيعي تماما ولا تترك أي تشوه أو تغير في اللون كما كان يحدث في السابق·

اقرأ أيضا