الاتحاد

دنيا

مورجان فريمان وكيفن سباسي في أضعف أدوارهما

إبراهيم الملا:
فساد أجهزة الشرطة والقطاعات الأمنية التابعة لها، وتورط أفرادها في قضايا مشبوهة تنضوي تحت عمليات تبييض الأموال، واستغلال النفوذ الخاص والهيبة التي تفرضها طبيعة الوظيفة في تحقيق المنافع الشخصية والمصالح الخاصة، كل هذه المسائل تناولتها السينما الأميركية بصيغ مختلفة، وجاء أغلب هذه الصيغ من خلال سيناريوهات متقنة وأساليب إخراجية أقل ما يقال عنها أنها تتصف بالجرأة والابتكار والتجديد· نتذكر هنا أفلاما تناولت الموضوع بتحليل جيد وتنويع مخلص للفكرة مثل 'يوم التدريب' (training day) بأداء مبهر من دينزل واشنطن وإيثان هوك، وهناك أيضا الفيلم المميز 'تهريب' (traffic) للمخرج ستيفن سوديربرج الذي عرّج على موضوع تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة من خلال شبكات داخلية متورطة، وفي الذاكرة أيضا أفلام أخرى شبيهة مثل 'الحي الصيني' و'سرّي ـ لوس آنجلوس'·
في الآونة الأخيرة ظهر جورج كلوني في فيلمين يتحدثان عن اللعبة القذرة للرشى والمحسوبيات وفساد الأجهزة الحكومية من خلال فيلمين نال نصيب الإخراج في الأول وهو 'ليلة سعيدة، حظ سعيد'، والتمثيل في الثاني وهو فيلم 'سيريانا' للمخرج وكاتب السيناريو ستيفن غاغان·
أما فيلم 'أديسون' الذي نحن بصدد الحديث عنه فهو يكشف منذ المشهد التأسيسي الأول عن صيغة باتت مستهلكة في أساليب كتابة السيناريو، وهو أسلوب الشرح وفضح الأحداث القادمة من خلال اللقطات الاستهلالية المباشرة والمتجهة مثل سهم محترق نحو التفاصيل القادمة في الحبكة، ونحو حيثيات الصراع المتوقعة في القصة·
صدمتان
الصدمة الأولى التي يفاجئك بها الفيلم تتمثل في الملصق الدعائي المنتشر في صالات السينما، فهو مغر من ناحية الصور والأسماء التي نرى فيها عملاقين في مجال التمثيل هما: مورجان فريمان وكيفن سباسي الذين حازا جوائز مهمة في أفلام لا يمكن أن تغيب عن الذاكرة، مثل 'فتاة المليون دولار'، وفيلم 'سبعة' المذهل الذي جمع فريمان وسباسي معا في أحد أقوى الأعمال التي تضمنت تجليات أدائية ساهمت في دفع سباسي إلى واجهة الممثلين المرشحين للأدوار المركبة وذات الأبعاد النفسية المعقدة· نتذكر دور سباسي أيضا في فيلم 'جمال أمريكي'، لكننا في فيلم 'إديسون' نفاجأ بهذا الانحدار الشديد في الأداء وفي مساحة الدور وفي تأسيس الشخصية التي أنيطت لكلا الممثلين، وكأن كل ممثل يتحرك أمام الكاميرا بشكل ميكانيكي وخال من الانفعالات الداخلية المتجاوبة مع شروط المشهد، فكل ما رأيناه كان عبارة عن أداء باهت وتكميلي ومقحم، وبعيد جدا عن الإرث الذهبي والموهبة الاستثنائية التي يتمتع بها كلا البطلين·
الصدمة الثانية تمثلت في طريقة إدارة المخرج وكاتب السيناريو ديفيد بورك للفيلم، فهذا المخرج القادم من الأجواء التلفزيونية لم يستطع أن يمنح الفيلم تلك القوة المنتظرة التي تهبها الفكرة العامة للقصة، وكان فشله في التوزيع المتصاعد للصراعات في زمن الفيلم واضحا من خلال لجوئه المفرط للقطات الاسترجاعية (الفلاش باك)، فعندما لا يوظف هذا الأسلوب في سياقه الطبيعي، يتحول إلى عبء على العمل ككل·
حبكة المصادفات
يبدأ الفيلم بمشهد اقتحام عضوين من جهاز الشرطة التابع لمؤسسة (أديسون) الأمنية لغرفة متواضعة يسكنها اثنان من السود، فيقومان بمصادرة الأموال والمخدرات لصالحهما، ومن دون أي إجراء قانوني متعارف عليه في هذه الحالات، وعندما يسمعان أحد المعتقلين وهو يهمس لصديقه بقدرته على الوشاية بهما، يتم قتل هذا المعتقل بدم بارد، ويقوم الشرطيان بترتيب مسرح الجريمة كي يوحي بأن عملية القتل تمت على يد صديقه كنوع من الدفاع عن النفس، وفي المحكمة يقوم الشرطيان بالإدلاء بشهادتيهما المزيفة، وقبل أن يغادر أحدهما قاعة المحكمة يشكره المتهم· يثير هذا الشكر وهذا الامتنان شكوك أحد الصحفيين الموجودين في القاعة، وتقوده هذه الشكوك لكتابة مقالة حول الأحداث الغريبة والمشبوهة التي رصدها في المحاكمة، ولكن المشرف على الصحيفة التي يعمل بها هذا الصحفي الشاب يرفض نشر مواضيع تقوم على الافتراض والتخمين فقط·
الصحفي الشاب الذي يدعى بولاك (يقوم بدوره جوستين تيمبرليك) يجاهد من أجل الوصول للحقيقة، وفي كل مرة يقف رئيسه في العمل آشفورد (مورجان فريمان) أمام حماسه واندفاعه لأنه لا يملك الخبرة ولا الأدوات الكافية التي تؤهله الدخول في هذا المجال الشائك الذي يمكن أن يجرّ معه مشاكل ومخاطر هائلة· إصرار الشباب على كشف حقيقة تورط الشرطة ومؤسسة أديسون في قضايا القتل والفساد تُعرّض الشاب لضرب مبرّح وأذى جسدي كبير، وعندما تأخذ الأمور منحى خطرا يعود رئيسه للوقوف مع قضية هذا الصحافي ويشاركه في هذه المساندة شخص يدعى والاس (يقوم بدوره كيفن سباسي)، وهو الشخص الوحيد الذي يبدو نظيفا وبعيدا عن إغراءات الفساد المتفشية في مؤسسة (أديسون)·
ينتهي الفيلم بفضح الإعلام لدور الشركة السرطاني في التغلغل داخل المؤسسات المالية والتحكم في الانتخابات والتورط في عمليات ترويج المخدرات وإدارة النوادي الليلية وتبييض الأموال، حيث تقوم الرسائل التي يبعثها الصحفي لكبريات الصحف في زعزعة مكانة المؤسسة وفي تقويض أركانها من الداخل·
الفيلم عموما فشل في توفير عنصر الإقناع لأنه لجأ كثيرا للعبة المصادفة، وهي لعبة تمارسها السيناريوهات التي غالبا ما تفشل في الوصول إلى حلول سلسة وقادرة في ذات الوقت على تصعيد الحالة الدرامية تجاه الذروة التي ينتظرها المشاهد، حاول مخرج الفيلم أن ينير بعض الحالات المعتمة في العمل ولكنه كان كالحامل للمصباح في وهج النهار! لذلك لم يضف الفيلم شيئا مقارنة بالأفلام الأخرى الرصينة التي تناولت نفس المحاور ونفس المواضيع بعمق وجدية وانسجام عفوي ومتناغم بين النص وبين الصورة·

اقرأ أيضا