الاتحاد

ثقافة

"موسيقى رواد الفضاء".. نحو الصدى الهادئ

كاترين كولمان أثناء عزفها على آلة الفلوت في الفضاء (من المصدر)

كاترين كولمان أثناء عزفها على آلة الفلوت في الفضاء (من المصدر)

نوف الموسى (دبي)

في اللحظة التي طفت فيها آلة الفلوت، تتبعها رائدة الفضاء كاترين كولمان، أمام ميكروفون مثبت بمواجهة كاميرا في مركبة فضائية، يستشعر المشاهد انسيابية طاقة المكان. والمثير أن عزف كاترين كولمان في الفضاء رافقه بالتوازي عزف الفنان إيان أندرسون من على الأرض، مشكلاً الثنائي حواراً نغمياً عبر هارموني النفخ، في ظل موجة من فقدان الجاذبية، والتي تتيح مشاهدات نوعية حول الموسيقى في حياة رواد الفضاء. المرور إلى حضرة الموسيقى في الفضاء، يوسع مدرك الاحتمالات للمدى الوجودي وأثره على رؤية الإنسان للكون، ومهمة «الثقافة» هنا؛ تكمن في تجسيد العبور للأفق غير المتناهي، فعلى سبيل المثال، بالنظر إلى طبيعة «مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ»، إلى جانب الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء، عبر «وكالة الإمارات للفضاء»، جميعها منصات نوعية لإثراء بيئة الفضاء المعرفية، بالمقابل فإنها فرصة متفردة لتأسيس لقاءات نوعية تناقش الأثر الثقافي والاجتماعي والإنساني في الحياة اليومية لرواد الفضاء، وتخلق فضاءات متجددة لمتذوقي علوم الفضاء في المجتمعات، خاصة أن «الوجود»، يحتمل «الغموض»
و«المجهول» و«الدهشة»، كإحدى الوسائل الأساسية في التجريب، ومن بين أكثر المنظومات المعرفية في المجال، مناقشةً وتناولاً وجدلاً، هي «الثقوب السوداء»، حيث اعتبرت في الفترة الأخيرة وسيلة لاكتشاف «صوت الكون» بحسب الفيزيائية جانا ليفين، من تسعى مع فريقها لإضفاء تركيبة صوتية لتركيبة الفضاء البصرية.
متعة قراءة مقال الكاتب تيري دون بعنوان: «لماذا تعتبر الموسيقى مهمة بالنسبة لرواد الفضاء في الفضاء؟»، تتكشف عند بحثه حول التفاصيل الدقيقة لكيفية صناعة أو تهيئة آلة موسيقية، يستطيع العازفون الموسيقيون من رواد الفضاء حملها معهم واستخدامها هناك أثناء ساعات عملهم الطويلة في المركبة الفضائية، موضحاً أن أول من استخدم آلة موسيقية في الفضاء، هو الدكتور رونالد ماكنير في عام 1984، وكانت آلة الساكسفون من نوع «السوبرانو»، سعى ماكنير إلى مواجهة تحديات بيئة الفضاء وتحسين الأداء الموسيقي، وربما لم يتسن له مقاربة التحديات بشكل أكثر، فقد رحل ماكنير وطاقمه عندما انفجر مكوكهم الفضائي خلال إطلاقه في عام 1986. وواجهت معلومات متضاربة حول ما إذا كانت آلة الساكسفون موجودة بتلك الرحلة. في سياق آخر، سجل رائد الفضاء الأميركي كريس هادفيلد، ألبوماً موسيقياً على محطة الفضاء الدولية. ويصف رائد الفضاء كريس هادفيلد عن العلاقة بين العزف على آلة موسيقية في الفضاء، أن الأمر يتجاوز الاهتمام فقط بالتقنيات والتكنولوجيا على متن المركبة الفضائية، إلى رعاية الآخرين، والاهتمام بالجانب النفسي.
«الجيتار»؛ هي الآلة الموسيقية التي يستخدمها رائد الفضاء كريس هادفيلد، موضحاً أنه عادة ما يبحث عن حجم مناسب يمكن إدخاله في المكوك الفضائي، معبراً عن تأثير فقدان الجاذبية، التي لا تحتاج فيها إلى حزام يثبت الجيتار، إلا أن التدريب على العزف في الفضاء يحتاج إلى مجهود مختلف، عنه في الأرض. استمرارية الحديث عن البيئة الموسيقية التي أنشأها رواد الفضاء في عالمهم القائمة على العزلة، يوجه المتابع نحو الثراء المعرفي في هذا الجانب، وإمكانية رصد الصوت الكوني، باعتباره المكون الموسيقي الوجودي الساحر، ما أسمته الفيزيائية جانا ليفين الصدى الهادئ لصوت الخلق، والذي بطبيعته يحول العزلة المفترضة، إلى أنشودة متواصلة دونما توقف، تهدينا فرضية قدرتنا على تشكيل الصوت في الكون أو إيجاد طريقة لاستدراجه إلينا.
عندما قالت الفيزيائية جانا ليفين، إن «الثقب الأسود»، هو أجسام مظلمة في سماء مظلمة، لا يمكن أن نشاهدها، وأنهم يمثلون حالة موت لنجوم ضخمة، تنهار بصفة كارثية خلال نهاية حياتها، يتساءل المتابع عن حالة ارتباط الضوء بالصوت، خاصة أن الثقب الأسود يبدو مظلماً من الخارج لكنه ليس كذلك في الداخل، بحسب تعبير جانا ليفين، فحتى الضوء القادم من المجرة يسقط فيه، والتفكير بمسألة الارتطام الذي ينشأ في الثقب الأسود، أو بين ثقبين أسوديين هي النظرية التي تحدثت فيها الفيزيائية جانا ليفي، للوصول ربما إلى أولى أغنيات الوجود، باكتشاف مثلاً صوت «الانفجار العظيم»، وبناء على تبني النظرية أعلاه يمكن العمل على صناعة أجهزة رصد تتطور مع الوقت، وتتوصل لمستوى يكشف تلك الظلال القائمة من حالة التصادم، أمام ابتلاع الثقب الأسود للضوء.
الإبحار بين بيئة رواد الفضاء وعلاقتهم مع الموسيقى، تحتمل البعد الكوني وتجلياته الذبذبية، ذات الصبغة الموجية في تفاعلها اللحظي، الذي قد يستمر لمليارات من السنين، وإمكانية ربط المخيل الإنساني، بما يمكن اكتشافه، من لحظة ارتباطه بالموسيقى، فهي ليست مستوى من الترفيه الاعتيادي، بقدر ما أنها تعبر عن نقطة التماس وجودية، لا بد من التكامل معها، فالإطلاع على صوت الكون، أو الوصول إلى تلك الإشارات الأولية لوجوده، ربما تؤكد لنا جانباً في التكوين البشري، كونه مزيجاً من جوقة موسيقية، نابعة من بعد الفضاء والزمن.

اقرأ أيضا

"الشارقة للتراث" يشارك في فعاليات معرض الدار البيضاء للكتاب