صحيفة الاتحاد

الإمارات

الخلطة السحرية للإثارة الصحفية!

أحمد مصطفى العملة

«أنا منقبة! أنا ملحدة! لماذا لا يتقبلنا المجتمع؟» .. «هل يصلح شهر رمضان لكل زمان ومكان» .. «المسلمون الإرهابيون».. «المتحولون جنسياً.. بين اضطراب الهوية واضطهاد المجتمع».. «الإلحاد والملحدون العرب بعين الدين والمجتمع» ....
عناوين من هذا النوع لم يكن ممكناً قراءتها بالعربية سابقاً. لكنك الآن تطالعها كثيراً في الإعلام الغربي الجديد الناطق بلغة الضاد.
فالخلطة السحرية المؤلفة من بعض الجنس (الشذوذ خصوصاً) وشيء من السياسة (الطائفية بالتحديد)، مع كثير من الدين (الإلحاد بالأخص)، هي الآن قاسم مشترك في هذا الإعلام الذي كسر احتكار الرواية العربية لكل أخبار وقضايا المنطقة من المحيط إلى الخليج.
كانت البداية رصينة، مع انطلاق بث بي بي سي العربي عام 1938. لكن بعد هجمات سبتمبر 2001 وغزو العراق 2003، تعرضت المنطقة لما يشبه هجمة موسعة من مؤسسات إعلامية غربية كبيرة، قررت أن تتوجه إلى العرب بلغتهم. وشملت هذه الموجة قنوات فضائية ومحطات راديو ومواقع إنترنت، بل ومجلات. والقائمة طويلة، لكن يبرز منها أسماء مثل، مجلة نيوزويك، فرانس 24، دويتش فيلا الألمانية، ار تي الروسية، مونت كارلو ، سي إن إن العربية، صوت أميركا.
وسواء كان الغرض الأساسي ترسيخ الفهم المتبادل أم ممارسة تأثير أكبر في الجمهور العربي خاصة الشباب، فقد غير الوافد الجديد كثيراً في مشهدنا الإعلامي، بما يمتلكه من إمكانات مهنية وتقنية كبيرة، وهامش حرية كبير. غير أنه ذهب بعيداً جداً في استغلال هذا الهامش، على نحو يمس مصداقيته.
حدث ذلك عندما قررت المؤسسات الجديدة أن ترصد المجتمعات العربية أحياناً بعيون عرب ناقمين (في الأغلب نساء) لجؤوا إلى الغرب. هؤلاء تحديداً، يقدمون نظرة صادمة جداً، ليست دقيقة أبداً، عن مجتمعات هربوا منها، بسبب تجارب شخصية جداً أو بحثاً عن الشهرة أو رغبة في تقديم ما يضمن لهم سهولة العيش في مجتمعاتهم الجديدة.
والمشكلة ليست فيهم، بقدر ما تتعلق بتوجه الإعلام الغربي، الذي يقدم هذه النماذج باعتبارها صورة طبق الأصل للمجتمعات العربية، ليبدو هو، بتبني قضاياهم، كما لو كان صاحب رسالة مقدسة لتنوير هذه المجتمعات «المتخلفة التي لا تزال ترزح تحت نير تقاليد وعادات قديمة»!!!!
يعني ذلك ببساطة، أن هذه المؤسسات تتعامل مع المنطقة بنظرة استشراقية يفترض أنها باتت خارج التاريخ لارتباطها بسياسات استعمارية انقرضت في صورتها البدائية، على الأقل، قبل عقود.
لكنه في الوقت نفسه يطرح تساؤلاً مهماً، والآن بالتحديد، حول مدى أهلية الإعلام الغربي العربي لأن يطرح نفسه باعتباره يعرف عن مجتمعاتنا أكثر مما نعرف نحن، بينما هو ذاته عجز عن رصد تحولات الرأي العام داخل أسواره، بفشله في تقدير شعبية المرشح دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية، أو قوة أنصار الانفصال الأوروبي في بريطانيا، على سبيل المثال، لا الحصر.
في المقابل لا يعني ذلك أن الإعلام العربي التقليدي، خالٍ من العيوب، منزه عن النقص. بل يتعين عليه أن يستفيد من عناصر القوة في أداء المؤسسات الإعلامية الغربية بالمنطقة، لتطوير إمكاناته وأدائه، ليتمكن حقاً من رصد قضايا مجتمعاتنا بموضوعية من دون تهويل أو تهوين.
ويستلزم ذلك التوصل إلى صيغ رصينة مقبولة مجتمعياً، لطرح ومعالجة القضايا الحساسة للحوار العام لكشف مكامن الخلل وليس لإثارة الرأي العام.