الاتحاد

دنيا

لوحات أحمد نوار تغوص في التراث وتبرز القيم الإنسانية

عمل فني يركز على تناسق الألوان

عمل فني يركز على تناسق الألوان

مجدي عثمان (القاهرة)



ظل الفنان التشكيلي الكبير أحمد نوار وفيا لتراث أجداده، خاصة الإسلامي، وهو أحد الذين أخذوا على عاتقهم استكمال مسيرة التراث الحضاري بمفهوم العصر الحديث، حيث يتضمن إنتاجه الجدية والحداثة في آن، فنجد في أعماله المنطق الرياضي الزخرفي الكامن في التعريفات الإسلامية والتوريقات، وحين عاد في فترة التسعينيات إلى معالجة الفكرة الرياضية لشكل المثلث، كانت في مخيلته النجمة العربية الثمانية الأضلاع، إذ أن ضلع النجمة العربية هو خط، ووحدة العنصر لها هي «المثلث»، وقطر محيطها هو المربع المتساوي الأضلاع، كما أنجز في تلك الفترة شبكة تشبه رقعة الشطرنج من قضبان خشبية رفيعة مستلهمة من نوافذ المشربيات المملوكية، فهو يلوذ بتراث منطقته العربية ليمنحه ما يعتقد أنه قوة للتميز والتمايز.
كابوس حقيقي
وبدأ نوار علاقته فنيا بالطقس الديني حينما أبدع ثلاثية «يوم الحساب» لمشروعه للتخرج في كلية الفنون الجميلة قسم الحفر، وقال: إن الأشباح والشياطين ظلت تطارده ليل نهار، ولم يكن قد كون لنفسه أسرة تستعيده إلى الواقع وتدفع عنه المرارة، وإن كان الواقع نفسه في تلك الأيام مشحونا بالتوتر انتظاراً للحرب، وأدرك أنه إما أن يتخلص من هذا الكابوس الحقيقي بتجسيده كابوساً فنياً، جميلاً على الورق أو يُجن.
وأضاف أنه يعتبر أن تلك اللوحة كانت نقلة حقيقية لأعماله كطالب وكفنان بعد التخرج في الكلية، وكانت مساحتها «عشرة أمتار في ارتفاع 275 سم» فجهز مسطحاً على جدار أتيليه الرسم وقسمه إلى ثمانية أقسام بحسب طبيعة الورق، وقرأ عن موضوع اللوحة لمدة ثلاث سنوات قبل بداية تنفيذها، حيث قرأ تفسير القرآن والإنجيل وقابل شخصيات قبطية كالأنبا شنودة، وكان حينها مديراً لمعهد الدراسات الخطية في العباسية، ووجد تصوراً لمسار اللوحة ثلاثية المشهد نصفها الأوسط لمشهد الحساب، وربعها يمينا عن الجنة ويساراً عن الجحيم.
وأكد الناقد محمود بقشيش أن نوار استفاد من ثلاثية «يوم الحساب» بالميل إلى الطابع الهندسي، فيما بعد باستلهامه بعض تصميمات الفن الإسلامي في مجال الزخرفة، وقد صاحبته طوال حياته الفنية مفردة «المربع»، وهو شكل معشوق لدى المبدعين المسلمين، فمنه خرج الشكل الثُماني.
الشكل الكامل
ويوضح الناقد أسعد عرابي أن الفنان المجري فازاريللي ونوار يمتلكان نفس الهاجس التحولي، فقد تخصص الأول بتدوير المربع وتربيع الدائرة، وشغل الثاني تثليث المربع وتربيع المثلث، وهي الطريقة التي تكونت منها النجمات الإسلامية، معتمدة على لقاح الشكل الساكن «المربع» والشكل المتحرك «الدائرة والمثلث»، وذلك من أجل إنجاب الشكل الكامل من مثال المثمن والمسدس وبقية المضلعات الهندسية.
ومن جهته يقول نوار: فكرة المربعات تحمل عدة دلالات تتغير طبقاً للفكرة، فأساس انشغالي بالمربعات هو التماسك والترابط بين السداة واللحمة الموجود في النسيج، وهو ما يعود بنا إلى المكونات الرئيسية للطبيعة وعلاقة الخطوط الأفقية بالرأسية وإن يكن ضمنياً، فكل مظاهر الحياة على الأرض بما فيها البناء والعمارة الحديثة تتخذ من الخط الرأسي مصاحباً لها، لما يحمله منطقياً من رمز للنماء، كما لا يمكننا أن نتجاهل ارتباط المحتويات الأساسية في الطبيعة من وحدة للعناصر النباتية بداية من الخلية وصولاً للألياف الطولية والعرضية، والشأن نفسه في الجسم البشري مما يؤدي إلى الحفاظ على الكيان العضوي والبيولوجي، حتى إننا نقسم الكرة الأرضية إلى خطوط طول وعرض ترتبط بحركة الأرض كجزء من مكون عام مرتبط بكواكب أخرى في الفضاء، وتلك المربعات هي أيضاً الشبكة المربعة، لكنني استخدمت الشبكية في أعمالي كعلاقة أو رمز للسجن حيث بدأ ذلك مع منتصف الثمانينيات كإشارة إلى القضبان الحديدية التي نجدها في سجون القلاع القديمة، وأيضاً في المشربيات الإسلامية، والتي كانت توظف بغرض المشاهدة السلبية بحيث تستطيع المرأة رؤية الشارع دون أن يراها المارة، وهذا يعطي نوعاً من القيد أو الاختباء، وقد استخدمت الشبكية بشكل مكثف حينما تطورت الفكرة الرافضة للحرب والداعية للسلام في أعمالي، فكنت أستخدمها كما لو كانت شباك صيد تصطاد «طائر السلام»، وكذلك تمنعه من الانطلاق حينما يدخلها فتتحول إلى شباك حديدية، ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلة من التجويد في علاقة متغيرة ما بين الشبكية أو الخلاص منها، وهو ما لا يتم إلا من خلال شحنة من التعبير عن موضوع فكرة الحرب والسلام.

الأشكال الهندسية ومفردات الأرابيسك العربي
يثبت نوار القاعدة التأسيسية في الزخرفة الهندسية الإسلامية، وهي تآلف المجموع انطلاقاً من الوحدة، والواضحة من المفردات التي نجدها في الأرابيسك العربي، حيث إن كل الأشكال الهندسية به تنتج من التفاف المثلث أو المربع حول مركزه، فالمثمن يولد بدوران المربع حول مركزه بزاوية قدرها 45 درجة، ويمكن توليد مضلعات أخرى بتحديد زاوية الانتقال بطريقة تمكن من توليد أشكال هندسية جديدة انطلاقاً من تضاعف الأضلاع 12، 16، 20، 24 إلى غير ذلك، ويكون القاسم المشترك بين الأشكال المكونة لهذه السلسلة هو العدد 4 إذا اعتمدنا لغة علم الأعداد، وكذلك الشيء نفسه يمكن أن يتأتى إذا انطلقنا من المثلث المتساوي الأضلاع إذ هو يمكننا من سلسلة المضلعات المتضاعفة انطلاقاً من المثلث أو العدد 3، وتزخر المعالم والآثار العربية الإسلامية كبر أو صغر حجمها بعديد من الأمثلة المتولدة من هذه الأشكال البسيطة، ويبدو المربع وما يتولد عنه من مضلعات أكثر رواجاً حتى أن المثمن أصبح رمزاً من الرموز الإسلامية، ويمكن أن يكون من أسباب ذلك القيمة المتميزة للمربع على المستوى الرمزي والفلسفي، حيث إن المربع في الحضارة الإسلامية دال على الثبات والكمال في الشيء، ويعني أيضاً الكعبة المشرفة وهي ترمز لتجمع المسلمين، والمركزية للإسلام والمسلمين بمعنى واسع وشامل، وهناك المكعب ويعني مركز الجهات الأربع وتوحي بحركة الطواف في البيت حركه دائرية ودلالتها الاحتواء والتوجيه، والشكل النجمي ومثله الكروي تعبر عن الكون والوجود والسماء وما يليها من عالم غيبي.

اقرأ أيضا