الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
النهاية الحزينة
النهاية الحزينة
16 يونيو 2011 22:23

أحمد محمد (القاهرة) - اشتدت لهجة الحوار بين المهندس ممدوح وزوجته المحاسبة عبير رغم أنهما في بداية حياتهما الزوجية، ولم يكملا عامهما الأول وارتفع صوتاهما بلا مراعاة لشقيقها الضيف الذي حضر لزيارتهما منذ ساعات، وأيضاً بلا اهتمام أن يسمعهما الجيران الذين اعتادوا ذلك بعد الأسابيع الأولى من حضور العروسين للإقامة بينهم. فقدان التفاهم لم تخل الكلمات المتبادلة من الخروج عن الأدب واللياقة وحدود المودة والرحمة التي يجب أن تكون بين الزوجين، وتجاوز المهندس والمحاسبة حتى مستوى التعليم الذي وصلا إليه، ولم يكن زواجهما التقليدي مبرراً لذلك أبدا إلا أن المحصلة النهائية لحياتهما كانت فقدان التفاهم إذ أنهما لم يقضيا وقتاً كافياً للتعارف والتوافق في فترة الخطبة التي لم تستغرق سوى عدة أشهر لإعداد عش الزوجية بعد أن تم ترشيحهما لبعضهما من أقاربهما في نفس البلدة التي يقيمان فيها. ومنذ بدأت حياة الزوجين فرضت العروس سيطرتها التامة على كل الأمور، وانفردت بالقرارات حتى من دون الرجوع إلى زوجها ولم تهتم برد فعله، ولم تبال أن كان رأيه موافقا لها أم لا وما خرجت هذه المشاجرة عن ذلك وكان أحد أسبابها مبالغتها في المطالب خاصة منذ بداية الحمل، وهي لا تراعي ظروف زوجها رغم أن دخلهما معا يعد كبيرا ويكفي أسرة كبيرة والخلاف في ميلها أيضا نحو الإسراف بلا نظر إلى المستقبل ونظرتها دائما ضيقة ومنذ شهرين اشترت سيارة خاصة بعد أن حصلت على قرض من البنك الذي تعمل به وأيضا من غير أن تستشيره. وانتهت وصلة النكد ونام الزوجان في حالة من الغيظ والتوتر والاحتقان، وأن لم تختلف الليلة عن سابقاتها من الليالي والمتوقع أن يمر الموقف كما تمر المواقف المتشابهة بينهما لكن تجدد العراك بسرعة في الصباح الباكر وعندما استيقظا طلب منها السيارة لأن لديه بعض المصالح في أماكن متباعدة خاصة أنها ليست في حاجة إليها اليوم لأنها في إجازة لكنه فوجئ بالرفض التام فالسيارة من حر مالها وتخصها وحدها ولن تسمح لأحد بقيادتها. استشاط ممدوح غيظاً من هذه العبارات التي تعد غريبة ومتسلطة، ولم يكن يتوقعها بل كان يعتقد أن تبادر هي من تلقاء نفسها بعرض السيارة عليه من دون أن يطلبها وبدأ اليوم بمشاجرة لأنه أراد أن يوقفها عند حدها وكفى ما لقيه منها من تجاوزات، ويجب أن يضع النقاط فوق الحروف فهو الرجل وهي المرأة ويجب أن يعرف كل منهما حدوده وحقوقه وواجباته وما له وما عليه. صاح في وجهها بأنها وما ملكت يداها له وهو صاحب القول الفصل في كل أمور البيت ومن الآن وصاعداً يجب أن تتوقف عن ممارساتها وتصرفاتها. ضرب وعنف لم تسكت «عبير» ولم تحاول أن تمتص غضبه ولم تقبل أن يمر الموقف إلا بأن تأخذ حقها كما ترى وفي نفس اللحظة لأنها لا تستطيع السكوت، فردت عليه بوقاحة شديدة ومن دون تنازل، مؤكدة له أنها صاحبة هذا البيت ومالكة كل ما فيه وليس له إلا ملابسه وقد تلقيها في الشارع في أي لحظة وعليه هو أن يعرف حدوده وحقوقه مما جعله يفقد صوابه، ويستجمع كل سوءاتها السابقة والكثيرة رغم قصر الفترة التي جمعتهما. أمسك الزوج برأس زوجته وجرها من شعرها، وأنزلها من فوق السرير ومع ثقل وزنها خاصة بعد أن ازداد وزنها مع تقدمها في الحمل فهي في الشهر الثامن، وعلى مشارف الولادة لم تستطع المقاومة أو التخلص منه حتى خرجت عدة خصلات في يده، ولم تتوقف عن طريقتها الهجومية وكلماتها النارية التي ألهبته وزادته حنقا وغيظا، وفقد وعيه ووجد بجواره قطعة حديدية لا يعرف ما الذي جاء بها إلى هنا انهال بها ضرباً على رأسها فهشم الجمجمة، وسقطت على الأرض جثة هامدة تنزف بغزارة. سمع «حسام» شقيق الزوجة كل ما دار بين شقيقته وزوجها من البداية بعدما استيقظ على صوتهما المرتفع، لكنه في البداية آثر ألا يتدخل بينهما ليحلا مشاكلهما بطريقتهما الخاصة لكن بعدما تطور الأمر إلى هذا الحد قام من مرقده ليستكشف السبب، وما يجري وربما يؤدي ظهوره للتهدئة لكن وقعت عيناه على مشهد الدم الغزير الذي سال وتناثر في الممر والغرفة وشقيقته، قد فارقت الحياة وصرخ بأعلى صوته من هول ما رأى وحاول أن يعتدي على زوج أخته، ولم يجد «ممدوح» أمامه أي خيار إلا أن يمسك به وينهال على رأسه ضرباً وفي ثوان معدودة انتهى النزال بينهما ولقي الضيف الشاب مصرعه هو الآخر فقام الزوج بنقله إلى الغرفة التي كان ينام فيها. جلس القاتل يتدبر أمره لا يدري ماذا يفعل في هذه المصيبة التي حطت على رأسه وتحول في لحظة غضب وتهور إلى مجرم يحاول أن يجد مخرجاً ولكن أين المفر؟ فالجريمة وقعت وقضي الأمر والجثتان لا يمكن التصرف فيهما، وأداة الجريمة موجودة والسجن في انتظاره وقد تصل العقوبة إلى الإعدام فلا أحد يعرف الظروف التي حدثت وما كان يعانيه من زوجته ولو قال الحقيقة ما صدقه أحد فهل يعقل أن تصل العلاقة بينهما في هذه الأشهر القليلة إلى هذا الحد؟ توقف عقله ولم يعد قادراً على التفكير. إخفاء الجريمة اقترب موعد خروجه إلى العمل ولم يجد سبيلا لإخفاء الجريمة وهداه شيطانه إلى حيلة قد تنجح في تخلصه منها والنجاة من السجن أو الإعدام أيا كانت العقوبة واحضر بعض المواد البترولية وقام برشها في الغرفتين وعلى الجثتين وبعد أن ارتدى ملابسه اشعل النيران، وخرج مسرعاً ولم يره أحد من الجيران. تصاعد الدخان من شقة المهندس «ممدوح» وخرجت ألسنة اللهب بعد أن أمسكت النيران بكل المحتويات وساعدت الألبسة والمفروشات على انتشارها بالإضافة إلى المواد البترولية التي قام برشها وهرع السكان وابلغوا قوات الدفاع المدني التي حضرت على الفور وكافحت الحريق وتمكنت من السيطرة عليه وإطفائه، ولكن المفاجأة المفزعة كانت العثور على جثتي الزوجة وشقيقها في مأساة إنسانية كبرى وتم الاتصال بالمهندس الذي جاء خلال دقائق. لكن الغريب انه لم يكن متأثراً وكان الأمر عادياً مما أثار استغراب الجميع وفسر البعض تصرفه بأنه في ذهول من هول الموقف. قال في محضر التحقيق المبدئي الروتيني إنه خرج في الصباح وترك زوجته وشقيقها نائمين واستقل السيارة متوجهاً إلى موقع العمل إلى أن تلقى اتصالا بنشوب الحريق ولا يعرف سببه لكن ربما يكون ماساً كهربائياً أو تسرب غاز من السخان. قام رجال الأدلة الجنائية وخبراء الحرائق والمعمل الجنائي برفع عينات من مخلفات النيران وقام خبراء الطب الشرعي بفحص الجثتين وبعد أربع وعشرين ساعة جاءت نتائج الفحص والتحليل لتؤكد أن الحريق متعمد وبفعل فاعل ولم يكن قضاء وقدراً، وأن الغاز والكهرباء بريئان من الاتهام كما أن الجثتين بهما آثار ضرب بالة حادة وكسور في الجمجمتين وأن الوفاة بسبب ذلك وليس بسبب الحريق. الجيران أيضا أدلوا بأقوالهم في محضر تحريات المباحث، وأكدوا أن علاقة الزوجين لم تكن على ما يرام، وأنهما كانا دائمي الخلاف والشجار ليل نهار وبذلك أشارت كل الأدلة وأصابع الاتهام إلى الزوج الذي لم ينكر واعترف بكافة التفاصيل، ولم يكن أسفا على الخلاص من زوجته وحتى فقد مولوده الأول قبل أن يجيء إلى الدنيا، ويرى النور لكنه حزين على ضياع مستقبله فإن تم تخفيف العقوبة ونجت رقبته من المشنقة، فسيكون المؤبد مصيره وقد لا يخرج من السجن إلا بعد أن يكون ظهره قد انحنى وضعف بصره أنه الآن في الثلاثين من عمره، لكن قرار الاتهام الذي أعدته النيابة تضمن المطالبة بإعدامه لاتهامه بالقتل العمد والحريق والتمثيل بالجثث وقد كانت السيارة سبباً في هذا الإعدام.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©