الجمعة 20 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
أب مع وقف التنفيذ
أب مع وقف التنفيذ
16 يونيو 2011 22:23
نورا محمد (القاهرة) - لا أعرف لماذا تم الطلاق بين أبي وأمي في ذلك الوقت، إلا أن أبي بالطبع هو صاحب القرار من جانب واحد لأن أمي لم تكن تعلم بتلك المفاجأة المدوية في زمن كان الطلاق فيه فضيحة، وقد حزنت أمي حزنا كبيرا لازمها طوال حياتها لأنها ظلمت ظلما بينا لم تستطع التخلص من توابعه لأنها لن تتزوج مرة ثانية وأنها تركتني أنا وأختي صغيرين فنشأنا كأننا يتيمان رغم أن والدينا على قيد الحياة ودفعنا ثمنا غاليا كان أقله الحرمان من كل شيء. طفولة تعيسة لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل عشنا أنا وأختي وحدنا معزولين في بيت قديم مثل المصابين بالجرب أو بمرض معد يخاف الجميع الاقتراب منا، وقد تخلى عنا أبي تماماً، وأسقطنا من كل حساباته، ولم يعد لنا أي وجود في حياته، ولم ينفق علينا ولم يتذكرنا لحظة واحدة. حينها كنت تلميذا في المرحلة الابتدائية، أما أختي فلم تعرف حتى طريق المدرسة، ولم تكن لنا أي احتياجات غير الملبس والمأكل وعشنا متسولين ننتظر العطف من بعض أقاربنا رغم ثراء أبي الذي كان يعيش حياة البذخ ويحيا لنفسه فقط. والمؤكد أن أمي لم تخطئ في حقه ولم يكن مسموحاً بحكم العرف أن تزورنا، وهو في الأصل الذي اختارها بنفسه عندما تزوجها، وكانت من أسرة لا غبار عليها لكنها فقدت أباها وأمها ولم يكن لها نصيب في الميراث أيضا حسب العرف الظالم لذلك لم تكن تملك أي شيء، وعادت لتقيم في بيت أبيها القديم المهدم الذي لا يقي من حر ولا برد فلم تكن أحسن حالا منا وتنتظر ما يشبه الإحسان عليها من إخوتها الذين تجاهلوها فكانت مثلنا في نفس الظروف نعيشها في نفس الوقت في مكانين مختلفين متباعدين. لم نجد أحدا يجيب عن التساؤلات التي كانت تدور داخلنا أنا وأختي ولم نبدها، ولم نجرؤ على طرحها ونحن في سن لا تتيح لنا تحليل الأمور ولا الاستنباط، فكان الغيظ يأكلنا والهم يقتلنا وننام كل ليلة بالدموع، ويحاول كل منا أن يخفي ذلك عن الآخر حتى لا يزيد من أحزانه وآلامه. عند بداية كل عام دراسي لا أجد ملابس جديدة مثل بقية التلاميذ، وما يؤلمني أكثر أن أبناء عمومتي معي في المدرسة نفسها، والفارق بيني وبينهم شاسع ولا يمكن أن يحكم من يرانا بأننا أقارب على الإطلاق لأن الاختلافات كبيرة فهم بجانب ملابسهم الغالية الجديدة يحصلون على شيء اسمه المصروف لم تكن بيني وبينه أي علاقة فمن أين لي به؟ والأطفال هم أكثر من يدرك الحرمان والعوز والحاجة وحتى لا أضع نفسي في مواقف مؤسفة ومحرجة كنت أبتعد عنهم ولا أختلط بهم وهم من جانبهم لا يختلطون بي ولا يقتربون مني ومن هنا نشأت بيننا قطيعة. زوجة قاسية الغريب أن أبي تزوج بأخرى بعد أسابيع قليلة وكانت العروس ابنة خاله، ولم أدرك سبب هذه الزيجة التي ارتبطت في الوقت نفسه بطلاق أمي إلا بعدما كبرت والسر أن أمي تعرضت لمؤامرة كبرى من زوجة خال أبي فهي التي كانت سبباً في طلاق أمي لتزوجه ابنتها التي تقدم بها العمر وانضمت إلي طابور العوانس، وأغرت أبي ببعض المال والأراضي الزراعية ومنزل كبير جديد فضحى بنا جميعا مقابل هذه الإغراءات. ولأن زوجة أبي كانت تمن عليه بهذه العطايا وتهدده باستردادها فقد كانت صاحبة العصمة والأمر والنهي، وأول فرماناتها ألا ندخل بيتها، وأن يقطع علاقته بنا وكان هذا هو السبب الحقيقي وراء العزلة والقطيعة التي كنا فيها والجميع لم يكونوا أرحم من أبينا الذي لم يعرف قلبه يوما الرحمة بنا، وقد كان واضحا أنه يحسب لزوجته ألف حساب. عندما انتهيت من دراستي الإعدادية حصلت على درجات عالية، رغم كل هذه الظروف التي أقل ما توصف به أنها قاسية، تؤهلني للالتحاق بالثانوية العامة، وهذا يعني أنني سألتحق بالجامعة بعدها، ولكن من أين لي بالمصروفات التي لا طاقة لي بها، ولم يكن أمامي أي اختيار إلا الالتحاق بالتعليم المتوسط لأنه أقل تكلفة ولا يحتاج للكثير من الأموال، وأيضا سأختصر الطريق لانتهي من الدراسة بأسرع ما يمكن حتى أستطيع أن أجد عملا وأعول نفسي. زواج شقيقتي جاء أحد أقارب أمي ليخطب شقيقتي ولم يكن موقف أبي أحسن حالا، ولم يغير مواقفه السابقة تحت ضغوط زوجته التي رفضت أن يسهم بأي شيء في تجهيزها، ولم يكن ذلك غريبا، بل كان متوقعا ولم نجد من يمد لها العون إلا عمي الأصغر الذي تصرف بشكل مفاجئ، وأبدى استعداده للمشاركة بقدر المستطاع في تكاليف زواجها، وحينها شعرت بعد انتقال أختي إلى بيت زوجها بأن حملا ثقيلا قد أزيح من على كاهلي رغم أنها لم تكن في حياتها كلها تحملني أي أعباء، ولكنني كنت أشعر بالمسؤولية نحوها وأنا مكسور الجناح. عمي هذا نفسه هو الذي تكفل بمصروفات تعليمي وقد سببه الله سبحانه وتعالى لينقذني من الضياع والفشل، ومع هذا كنت لا أطلب منه أي شيء، وأكتفي بما يقدمه لي وأدبر أحوالي به فهو أيضا يعول أسرة كبيرة، ويمنعني الحياء من أي مطلب كما أنني أرى وهذه الحقيقة أنه غير ملزم بما يفعل، وأحمل له جميلا، وأكن له كل الاحترام والتقدير، ويكفي أنه الوحيد الذي استطاع أن يكسر الحصار المفروض علينا ولم يعبأ بردود الفعل المستنكرة. مرت السنوات وانتهيت من دراستي والتحقت بوظيفة عادية ولكن للمرة الأولى في حياتي أجد في يدي أموالا ولو قليلة من كسب يدي، بالكاد كانت تكفي حاجاتي الضرورية وما زلت أقيم في المنزل القديم نفسه بمفردي، كما لو كنت في حبس انفرادي، ومع ذلك فأنا الآن أحسن حالا، وأشعر بتقدم كبير ومع هذه الوظيفة أشعر بأن لي قيمة في الحياة، وإن لم تكن تغيرت أو تحسنت وأنني ما زلت أعيش على الهامش وبالضروريات فقط. موت الأم ماتت أمي التي كانت بعيدة عني بالإبعاد الإجباري لكنها قريبة دائما مني، ولم أنقطع أبداً عن زيارتها ولم أعذر نفسي مع ضعفي وقلة حيلتي في أنني لم أتمكن من تعويضها عن الحرمان الذي قاسته وعانته في عمرها كله وتحملت رحمها الله فوق ما تنوء بحمله الجبال، ولا أملك لها إلا الدعاء بالرحمة والمغفرة، وأحاول قدر المستطاع أن أعوض ذلك في صلة الرحم بأختي التي لم يعد لها أحد غيري مع زوجها وأبنائها فأساعدها ببعض المال الذي لم يكن فائضا عن حاجتي غير أنني أكون سعيدا بذلك. لا أنسى أن أقول إن أبي قد أنجب سبعة أبناء وبنات، ولم يكن بيني وبينهم أي عامل مشترك غير الاسم بالنسب إلى أب واحد فمع كل ما كنت أعانيه كانوا يعيشون في رغد يصل إلى الترف، وجعلتهم أمهم ينهجون نهج أبي نفسه في القطيعة لي ولأختي ولا أعرف كيف أقنعتهم هم أيضا بذلك لكن هذا الذي حدث بلا عجب أو استغراب فذلك هو المتوقع. كاد قطار الزواج يفوتني وأنا غير قادر على تكاليفه ونفقاته، لكن عمي واصل مواقفه معي وساعدني بأكثر مما يستطيع فقد زوجني ابنته الكبرى بعدما تكفل بكل المصروفات التي كانت محدودة وأجرى بعض التحسينات والترميمات في المنزل الذي أقيم به بحيث يظلنا من الشمس ويحمينا من المطر، وقد كنت سعيدا للغاية كما لم أسعد في حياتي من قبل حتى وأنا ما زلت أشعر بالانكسار وقد كانت زوجتي على غير المتوقع صبورة على ظروفي ولم تكن لها أي مطالب إلا ما آتيها به وفي حدود إمكاناتي، وهذا هو منبع السعادة وكنت وفيا مخلصا لها وأتفانى لإسعادها على الأقل من قبيل رد الجميل لابيها واعترافا وتقديرا لها. نهاية منصفة شاء القدر أن تتوفى زوجة أبي بعد مرض عضال، ولكن كانت قد مالت حالة أبي إلى الفقر نتيجة إسرافهما في حياتهما وعلى إخوتي الذين قضوا على الأخضر واليابس، صحيح أنني لم أكن شامتا لرحيلها ولم يغير ذلك من الأمر والموقف، ولكن توقعت أن يغير أبي مواقفه السابقة بعد أن تخلص من القيد الذي كان يغل يديه، واعتقدت خطأ أنه سيعود لرشده وينصفني ويمد لي يد المساعدة من بعض ما تبقى بين يديه من أموال وأراض، لكن فوجئت بأن إخوتي قد ورثوا موقف أمهم ومارسوا ضغوطها نفسها عليه، ورفضوا تماما أن يكون لي أي نصيب من أموال أبي بحجة أن المتبقي منها لا يخصه، وإنما هو من ممتلكات أمهم الراحلة. سارت حياتي بحلوها ومرها وقد أنجبت أطفالا كانوا جميعا متفوقين رغم أن حياتهم لم تكن أفضل من حياتي إلا قليلا وكان عزائي الوحيد هو نظرتي إليهم وهم يشبون أمام عيني ويحصلون على المؤهلات العالية ثم يلتحقون بأعلى الوظائف وأراهم وهم يتسابقون على البر بي وبأمهم وأرى فيهم العوض عن كل الأيام الخوالي. وتقدم العمر بابي وقد شارف على الثمانين وأنا ما زلت غير قادر على نسيان الماضي المر وان حاولت أن أكون بارا به، ولكن لست قادرا على مسامحته لأنني حتى الآن أعيش في الانكسار السابق.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©