صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

عتمة تتنفس ضوءاً

الصور من أعمال الفنانة

الصور من أعمال الفنانة

قد تصادفك وأنت تقلب في صفحات الانستغرام صفحة صغيرة في حجمها مدهشة في محتواها، هكذا يمكن أن توقفك صفحة الشابة ?«منى الحداد»، حيث ملامح الضوء لديها تشي بكثير من الغواية، للبحث عن ما وراء الضوء من معانٍ. الحداد طالبة في قسم الفنون المرئية في جامعة زايد ?-? أبوظبي، إلا أن ما يلمحه المتصفح في تلك اللوحات تنبي عن ميلاد فنانة في مراحل متقدمة من التصوير ورسم التفاصيل الدقيقة، حيث لا تعتمد الفنانة على برامج الدمج الصوري أو التعديل الفوتوغرافي حسب قولها، بل على تعديل تقنيات التصوير في الكاميرا كزمن التقاط المشهد والحركة وتكرارها وإعدادات الحجم واللون وزاوية التصوير.

زينب عامر

مثل قصائد مترفة تفتح الحكايات الملونة وحواف الضوء نافذة على الأعماق في هذه اللوحات?.. وبمزيج مفعم بالانسجام والتجلي بين العتمة والنور، النبض والجمود، التيه والاستقرار، وربما أمزجة أخرى تخفيها ملامح الازدواجية المتناغمة لديها?..? هنا استقراء لانعكاس هذه الألوان على النفس، تحليل ضوئي قد يترجم الملامح إلى كلمات وربما إلى موسيقى، حيث دهشة الفكرة وانفراد المعنى وحداثة الطرح.

نبض مضيء
شيءٌ ما تحكيه اللوحة وتترك المشاهد في صمت للحظات تبث ملامح لفكرة لم تولد بعد، بعض النور الذي يُفقد الظلام جبروته، صوت النبض، حركة الريح التي تفتح النوافذ والشرايين المعلقة عند حواف الروح أو ربما حركة الصمت المنطفئ. ثمة شيء خفي يتركنا في مساحة لها وقع وأزيز، تماماً كتلك المشاعر التي تتوجس في نقطة خفية في الروح وأنت سارح في خضم بعيد يقتحم صفاءك ظل خاطف، فتهتز لمجرد الفجاءة، أو كأن تلج في عالم من التماهي فينغص تحليقك حفيف أو هدير من على بعد، هكذا يمكنك أن تسمع في اللوحة صوتاً مريباً كالأزيز أو نفضة في الروح أو نبض غير آبه بالحياة، فكأنما هي اختصار لمسيرة عمر مشحون بالأحداث، قد تكون غير مستقرة تجعل من هذا الأسر مِشكاة تنبض بالجنون والنورانية.. ومن جانب آخر يلوح لنا الحد الفاصل بين الحياة والعتمة.
الحركة والصوت لهما بالغ الأثر في جعله هذا العمل الفني مؤثر، دهشة الشعور به ترتكز على نبض القلب وانفراج النوافذ، وسؤال يتسلل: هل قهر الظلمة وتحرر؟ أم هو انحباس أبدي وذراعا النوافذ وهْم تبتلعه الظلمة بعد حين.

بلا أنفاس
قفص صدري، يقترب من شباك الحلم?..? تبرز ملامحه?..? تدقق النظر فتجده فارغاً إلا من العتمة والنور، جدير به أن يتنفس بيد أن «تصلّباً ما» تجسّدَهُ وفقد القدرة على الزفير.. اقتراب من نافذة الحياة، ضوء يتفجر من الأعماق، وعتمة مشحونة بالشهيق غير الممكن، على بعد قفزة يمكنه النجاة، بيد أن ضيق المخرج يزيد الاختناق، يعكس النور مسحة على حد النوافذ، ليس هناك يد يمكنها أن توسع الطريق، العتمة قابعة والنور مخترق عينيها.. هل يمكن للسطوع أن يحمل عنه الأنفاس؟ وصرير الوقت من يسكته حين تتوه الملامح.. هل فتك به المرض؟ أم حبسته الأحلام دون اعتبار للأمل؟
هنا ازدواجية واقتران بين اللوحتين وكأنهما يحكيان قصة واحدة على ج?زأين.. قلب مفصول عن قفصه، وكلامهما عند باب المنفى وشباك الحلم ومقابض التيه… يبحثان في العتمة عن رئة!!!?

أضغاث ألوان
كأنها شبح الذكريات أم كابوس تائه في غفوة عصر غير مريحة.. بين العتمة والنور اشتباك عنيف، تارة يرسم نافذة على صقيع الوجوم المترسب في الأنحا?ء?، وتارة يصبغ الجدار بأضغاث مريبة لا يُفهم لها مغزى ولا أفكار.. وجه القمر المحدق عبر هوة الحياة.. هل يسترق السمع على الأحاديث المختبئة في جناح العتمة، أم يفسر الأضغاث، أم يبحث عن نديم مخبوء يفتل الوقت معه؟
خوف وترقب وانحسار وتيه على ورقة مرهقة في صراع ليس له ألوان، كقطع الأثاث المركونة صوب العتمة ولا نرى منها إلا الظلال.

ما يشبه سيرة
لم تكن «الحداد» تنوي دراسة الفنون عند بدء مشوارها الجامعي فقد التحقت «بكلية القانون» حيث تقول: حين فكرت في الانتقال من كلية القانون إلى الفنون واجهت مشاعر متناقضة شتى بين دراسة الحقوق وجمودها وبين الفنون وانفتاحها، خاصة أنني سأنتقل من الجامعة نفسها، إلا أن شيئا ما دفعني للتجرؤ وخوض هذه التجربة على الرغم من عدم اقتناعي بمهاراتي الفنية بل تأكدي أنني لا أملك أي مهارة من هذا النوع، كانت مواجهتي لعالم الفنون صعبة ومضنية في أول عامين، تفتحت مسامات عقلي بشكل مذهل، تطورت أساليب التفكير لدي وبت أستوعب العالم بشكل مختلف عما كنت عليه، آمنت أن جمالية الفن ليس بإتقان الرسم فقط إنما هو رسالة إحساس ومشاعر عميقة يبثها الفنان في لوحته، فهناك أعمال مبهرة الألوان والتقنيات إلا أنها لا تجذب المشاهد ولا يعيرها أي اهتمام، أما أنا لم أكن أدرك أن الضوء يمكن أن يستخرج مكنون أفكاري ويحكي قصصي من دون حروف هكذا، أشعر أنني أروي حكاياتي بالضوء والألوان، وحين أبدأ بالعمل الفني فإنه يستنزف مني كل مشاعري ومعظم وقتي وجهدي، لستُ أخرج العمل بسهولة، فهناك معاناة أظل أعانيها طيلة أيام العمل، والتي ربما تمتد لأشهر، فكلما قطعت شوطاً منها تتولد أفكار جديدة تتقمص المعنى الذي أرميه، ما زلت في بداية مشواري ما زال لدي الكثير، وأؤمن جداً أن الصورة حكاية مرئية، لذا من يكتب حكاية فإنه يعيشها وكأنها قصة من حياته، وكذلك معايشتي للفن ليست جزافا ولا عشوائية، بل غموض مترسب يحتاج إلى غربلة متقنة ودافئة لا تخدش أطراف الصورة ولا ترهق ملامحها.. أما الرسم فما زلت في مرحلة المحاكاة وتغريني التفاصيل الدقيقة المتشعبة، ففي رسمة القلب مثلاً التي استغرقت مني وقتاً طويلاً في أحد مشاريعي الدراسية بالجامعة أختصر فيها حكاية خالتي المريضة الشابة وكذلك القفص الصدري، والتي حتما لم تعان من أمراض القلب إلا أنه رمز للحياة والنبض?، وإن وصولهما لأن يكونا عملين فنيين مستقلي?ْن بالنظام الثلاثي الأبعاد جاء بعد عام كامل من إنجاز اللوحات الأم، والتي كانت بنظام الطباعة الذكية البارزة، فلم تكن هناك نوافد في اللوحة الأم، وعند تنفيذ الرسومات على هيكل لمجسم حقيقي، نبتت للعمل نوافذ وإضاءات تعمق المعنى الذي أرمي إليه، وفي أيام كثيرة كنت أشعر أنني أنا ذلك القلب والقفص الصدري، وقد كنت أثناء تنفيذ المجسم أتعلم فن الازدواج، وكان اسم المشروع (الازدواجية?).
أما لوحة القمر فكانت تطبيقاً لأحد أساليب الفن المعاصر التي تمكن الفنان الناشئ من اختلاق فضائه الخاص به، وكنت متأثرة بالفنانة العالمية ?«?فييا سالمينس?» التي تهتم برسم الفلك والأمواج، وكان موضوع لوحتي هو القمر، التقطت بها صوراً واقعية لأماكن عدة تشبه تلك التي في ذاكرتي حاضرة عن منزلنا القديم الذي لم نعد فيه، فالشباك صورة مستقلة، والجدران والبقع والأثاث المهتريء جميعها قمت بالتقاطها بشكل منفرد، لتشكل صورة متكاملة لمكان سحيق في الذاكرة، وقمت بالدمج حسب التطبيق البحت للأسلوب الفني وتفاصيل الألوان والإضاءة، وليس يخضع لأسلوب الدمج التقليدي على الفوتوشوب لاختلاق منظر مكون من صور? عدة بل هو تجميع لملامح متفرقة تشكل مكاناً حقيقياً عشتُ فيه سنين طفولتي.
ثم في لوحة الفتاة المحاطة بالأرقام فقد كنت دخلت مرحلة النحت والتفريغ التقني، حيث يجب أن يكون التصميم والتصوير مطابقاً لمواصفات معينة يمكنها أن تكون منحوتة على خشب، ولها بروز ونتوء، لم تستغرق مني الكثير من الوقت، بقدر ما استغرقت مني مشاعر وتصورات في لحظة التصوير، فضلاً عن عدد مرات الإعادة والتصحيح، وصولاً إلى هذه اللقطة، ثم بعد ذلك مرحلة النحت ذاتها، والتي تتضمن الفكرة التي تنسجم مع الصورة الرقمية، لتشكل العمل المنحوت في فكرته الأخيرة?.