الاتحاد

الملحق الثقافي

الكتاب التشكيلي.. لا قارئ ولا ناقد

على أهبة الانطلاق (عمل للفنانة الإماراتية عائشة جمعة)

على أهبة الانطلاق (عمل للفنانة الإماراتية عائشة جمعة)

شهدت الحركة التشكيلية الإماراتية نهضة ملحوظة في العقد الأخير، وزادت على نحو ملحوظ متاحف ومراكز وبرامج الفن في أبوظبي ودبي والشارقة، بدعم من الدولة، وانعكس ذلك بأكثر من وجه على ملامح المشهد التشكيلي المحلي، فلقد زادت نسبة المعاهد والكليات والمراكز التدريبية الخاصة بهذا الضرب الإبداعي، كما تضاعفت نسبة المشتغلين به وسط المواطنين، خاصة من الشباب، وقد وجدت بعض تجارب الفنانين المحليين الرواد ترحيباً منظوراً في غاليريهات ومنابر الفنون الدولية.

ما تعرفه الساحة التشكيلية الإماراتية من ازدهار لا يحتاج إلى المزيد من الشواهد، وعلى نحو خاص في ما يتصل بحجم ونوعية المعارض، الفردية والجماعية، المحلية والدولية، التي تقام بصفة شهرية أو سنوية، سواء في المتاحف أو القاعات أم الأستوديوهات.
لكن، مما يلاحظ، أن هذه الحيوية التي يعرفها المشهد التشكيلي على مستوى معارضه ومناسباته الاحتفالية لا تقابلها حركة نشر في حجمها، فليس ثمة مصنفات وكتب ومجلات، كما يقول العديد من التشكيليين المحليين، تواكب هذا الزخم، ومعظم ما ينشر هو عبارة عن «مطويات» و«بروشورات» و«كاتولوجات»، وهي عبارة عن كتيبات إرشادية تتم طباعتها بمناسبة إقامة معرض ما، وتضم نبذة عنه وملخصات سيرية للمشاركين به إضافة إلى مقدمات نقدية، ذات طابع وصفي تاريخي، كما تضم نماذج من أعمال الفنانين المشاركين وصورهم وبعض المواد الأرشيفية الخاصة بهم.
وهذه الـ «كاتولوجات» عدا عن كونها محدودة التوزيع، إذ لا تتجاوز مسافتها صالة العرض أو استقبال المتحف ولا تتاح عبر نوافذ البيع، هي أيضاً تقدم مقاربات ذات طابع احتفالي ودعائي، تساير عبرها تجربة الفنان (أو الفنانين) المعروضة، بشكل ينسجم مع المناسبة الخاصة بإصدار الكاتولوج ويستكملها أو يكون جزءاً منها، لكنها لا تتضمن وجهة نظر مختلفة أو مغايرة، كما لا تتطرق إلى قضايا وأسئلة وموضوعات فكرية وثقافية وفلسفية عديدة تطرحها الممارسة الفنية الحية، فهي ليست معنية بأكثر مما يتعلق بمناسبتها إلا بشكل محدود.
إذن، من النادر العثور على كتب وأبحاث أكاديمية تقرأ، باستغراق أكثر، شواغل ومسائل المجال، ولقد بدا واضحاً، من خلال استطلاع أجراه «الاتحاد الثقافي»، أن عدد الكتب المنشورة بصفة مستقلة، أي المنجزة من طرف باحثين مستقلين، من المحليين والعرب المقيمين، والصادرة في غير مواقيت المناسبات والمهرجانات التشكيلية، لا تكاد تساوي أصابع الكف الواحدة، كما أنها نشرت في مواقيت متباعدة، وغالباً ما اعتمدت المصادر ذاتها لتطرح الموضوع ذاته بطريقة مختلفة.
أما المجلات والدوريات فهي متعثرة الصدور، باستثناء مجلة «حروف عربية» التي تصدرها ندوة الثقافة والعلوم في دبي، فهي تعرف استقراراً نسبياً، مقارنة بالمجلة الأشمل والأعرق «تشكيل» التي صدر عددها الأول 1984 من جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، التي كانت عاودت الصدور سنة 2015 بعد توقف استمر ست سنوات، ويبدو أنها اليوم تواجه المشكلة عينها؛ إذ لم تصدر إدارتها أي عدد جديد خلال السنة الجارية، وقبل أكثر من 15 سنة كانت إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة أصدرت مجلة سنوية تحت عنوان «الصورة» لتكون متخصصة في الفن العربي، بيد أنها لم تسلم هي الأخرى من تحديات «الاستمرارية»، فأين المشكلة؟

مهن جانبية
يجيب الفنان ناصر عبد الله، على الاستفسار، مؤكداً أن الساحة التشكيلية المحلية تتميز بدينامية عالية في مختلف جوانبها، ولكن هذه الحيوية تمضي في اتجاه رأسي وليس أفقياً، فهنا كل التركيز ينصب على «الفنان»، باعتباره مساراً ومحوراً لا على ما يشكل نطاق حركة وحركية هذا الفنان. ويوضح عبد الله قائلاً: «هناك ضآلة في الاهتمام بأمور مهمة جداً، لا غنى عنها لتطوير وتعزيز المجال، كالنقد والإعلام والأشغال اللوجستية، فتركيزنا الدائم، للأسف، على الفنان.. هذا ما يحصل في كليات الفنون، فجميع المنتسبين لها لديهم رغبة واحدة هي أن يكونوا فنانين كأن لا شيء يمكن عمله في الساحة التشكيلية غير أن تكون فناناً».
وينادي عبد الله بـ «تخصيص مساقات لمهن تشكيلية أخرى في الجامعات والكليات، مثل النقد والتأريخ والصناعات الفنية والتقييم الفني وتنظيم المعارض». وضرب الرئيس السابق لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية مثلاً بتجربة لهم في نقل بعض الأعمال الفنية من الشارقة إلى أبوظبي، مشيراً إلى أنهم وجدوا صعوبة في الحصول على مؤسسة أو شركة متخصصة في نقل الأعمال الفنية، وقال: «في النهاية عثرنا على شركة أجنبية واحدة ودفعنا ثمناً باهظاً». وتابع عبد الله موضحاً: «تنقصنا الرغبة في أن نكون مختلفين.. ليس لدينا مختصون في الجوانب الإدارية، سواء على مستوى الجمعيات أو الغاليريهات».
وحول مجلة «تشكيل» التي تصدر عن جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، بصفة متقطعة، قال: «وضع المجلة يعكس جانباً مما قلته، ومع شكر كل الذين اجتهدوا في إصدارها على مدار السنوات الماضية لا بد من الإشارة إلى أنهم واجهوا تحديات عدة ليس أقلها أنهم لم يكونوا متفرغين، فالعمل في إدارة الجمعية تطوعي، صحيح أن المجلة مجدية ومهمة وضرورية ولكنها تحتاج لتفرغ وكلفتها التشغيلية عالية، وآمل أن يتيسر لمجلس الجمعية الجديد حل هذا الإشكال».
وحول الأهمية التي تمثلها الكتب والمجلات بالنسبة للساحة التشكيلية، ذكر ناصر: «هذه منابر مهمة، للترويج والتوثيق والتفكير والنقد ونشر الوعي ليس فقط بين الجمهور، لكن حتى وسط مجتمع الفنانين، والكتب والمجلات هي جزء من البنية الفكرية والجمالية التي ينهض عليها المجال ككل، لو قسنا الأمر بأشكالها أو بما تضمه صفحاتها».

هوية النشر وجودته
من جانبه، قال الفنان تاج السر حسن، الذي اشتغل في الهيئة التحريرية لمجلة «حروف عربية» المعنية بالخط العربي، إن من أبرز المشكلات التي يعانيها مجال التشكيل نقص الكوادر البحثية والنقدية والإعلامية المتخصصة، وقال: «حركة النشر التشكيلي مرتبطة بوجود أشخاص قادرين على الكتابة عن هذا الفن وعن فنانيه وتجاربهم ومساراتهم بشكل معمق وفيه مسؤولية وفيه شغف وحب، وهو ما ينقص الساحة التشكيلية العربية بشكل عام ولا يقتصر الأمر على الإمارات. هناك بعض الأقلام الصحفية التي تواكب بعض الفعاليات ولكن ما يكتب في الصحف السيارة يبقى خبرياً ومستعجلاً ومحدوداً، كما أن الدوريات والشهريات الثقافية تركز على شؤون السرد والسينما والمسرح. وعلى الأرجح هي تعمد إلى ذلك لأنها لم تجد من يكتب لها حول التشكيل، وحتى لو توافر هذا الكاتب المختص فما يتحمله تبويب المجلة الثقافية المنوعة وسياستها التحريرية محدود ومحدد، وهو لا يغني عن المادة النقدية المختصة التي تدرس وتفحص التجارب الفنية بشكل يحدث الأثر الثقافي، ويمدده، ويديمه، ويرتقي بذائقة الجمهور، ويجسر المسافة بينه والعمل الفني لفهم الأعمال التشكيلية، ويحبب إليه الذهاب إلى المعارض والمتاحف واقتناء اللوحات والتعرف على الفنانين».
وذكر حسن، استناداً إلى تجربته وخبرته في «حروف عربية»، أنهم كانوا يجدون صعوبة في العثور على متخصصين قادرين على مقاربة الممارسة الخطية، رغم أن المجلة مفتوحة لمساهمة جميع الباحثين العرب وليست مغلقة على الجغرافيا المحلية، مشيراً إلى أن الزخم الذي تعرفه الساحة التشكيلية يستحق أن توازيه حركة نشر فاعلة تزيد معرفتنا به وتعرف الآخر به وتصونه من النسيان. لكن، كما يقول حسن، «لا تقتصر التحديات على الحصول على من يكتب حول هذا الفن عند إصدار مجلة مختصة في التشكيل، فهناك مشكلات أخرى تتعلق بهوية إصدارة كهذه وجودتها الطباعية والورقية وجوانبها البصرية والتصميمية، فكل هذه أمور مكلفة ومعقدة تحتاج إلى عزيمة وصبر.. ومال».

ما حاجتنا للنشر؟
أما الناقد والفنان التشكيلي على العبدان فينفي ضعف حركة النشر التشكيلي، بمنطق أن «ما لا ضرورة له لا داعي له»، ويزيد موضحاً: «الفن في أيامنا هذه ما عاد بحاجة للكتابة حوله، ففي المعارض الموازية في اللوفر أبوظبي أو في فن أبوظبي تقدم تجارب فنية معاصرة مكتفية بذاتها، ويعرض العمل الفني من دون حاجة إلى ناقد، فالفنان مسيطر على عمله». ويتابع قائلاً: «في فترة ماضية كانت الكتب تصدر، فهناك كتب لطلال معلا وإحسان الخطيب ودكتور محمد يوسف وعادل خزام ودكتور يوسف عيدابي، وثمة كتاب تحليلي كنتُ أصدرته في وقت سابق أيضاً». ويقر العبدان أن هذه العناوين ليست كافية، برغم أهميتها، مشيراً إلى أن أمر النشر تطور في جانب آخر، «فهناك وسائط التواصل الحديثة التي مكنت الفنانين من الجيل الجديد، مثل مريم الهاشمي، من عرض أعمالهم وسيرهم في مواقع على الإنترنت لتتاح للمهتمين في مختلف أنحاء العالم.. وأعتقد أن الإنترنت أكثر فعالية وانتشاراً في هذا الجانب من النشر الورقي». لقد تغيرت العادات مع التطورات التي عرفتها الحياة المعاصرة، في رأي العبدان، لكن بعض المتابعين للفن التشكيلي ما زالوا متمسكين بالتقاليد القديمة، ويزيد قائلا:
«لا بد من الإشارة إلى أن هذا الفن ليس أصيلاً، بل وفد إلى المجتمع العربي من الغرب، ولغة النقد الخاصة بالتشكيل والمصادر والمراجع هي لغة غربية، ولا بد من أخذ هذا المعطى في الاعتبار عند النظر إلى حركة النشر المواكبة للحراك التشكيلي العربي بشكل عام».
ويضيف العبدان: «الأمر الآخر.. أعطني قراء لأوفر لك إصدارات. في غياب القارئ، كيف لنا أن نسأل عن المنشورات التشكيلية؟». ويتابع قائلاً: «ومع ذلك، حين نبحث سنجد أن تجربة تشكيلي إماراتي واحد مثل حسن شريف كتب عنها وحولها أكثر من خمسة كتب.. كما أن هناك العديد من المؤلفات المكتوبة باللغة الانجليزية حول التشكيل الإماراتي. إذن هناك ما ينشر على الرغم من كل شيء لكنه قد لا يحقق الكفاية. لا بد أيضاً أن نأخذ في الحسبان أن للإصدارات التشكيلية كلفتها الطباعية، فهي تحتاج لإمكانيات تقنية ومادية أكثر مما تحتاجه المجلة الثقافية التقليدية».
وحول تجربته الشخصية في نشر كتاب نقدي تحت عنوان «القرن الجديد.. اتجاهات الفن التشكيلي في الإمارات بعد العام 2000»، الذي حاز عليه جائزة أفضل كتاب إماراتي في معرض الشارقة للكتاب، قال العبدان: «أصدرت كتابي في بيروت. ولقد أوردت في مقدمته أن ما دعاني لكتابته غياب الكتابات النقدية، فصحيح هناك مجموعة من الكتب صدرت قبل كتابي ولكنها في معظمها لم تكن نقدية، فلقد قصدت الجوانب التاريخية للتجربة الفنية ولم تركز على فحص الأعمال والمشاريع التشكيلية».

شواغل أكاديمية
ويبدو وضع النشر التشكيلي في كليات الفنون أكثر تعقيداً، إذ تشير الدكتورة كريمة الشوملي إلى أن أساتذة كليات الفنون يضطرون إلى نشر دراساتهم وأبحاثهم في مجلات ودوريات «محكمة» في الخارج لعدم وجود منابر مماثلة داخل الدولة، وهي تتابع قائلة:«أظن أن المشكلة تتعلق بالتمويل، نقص الدعم هو السبب، لا أستطيع أن أحدد جهة محددة يمكن لها أن تتولى هذا الجانب ولكننا كأساتذة بالكلية لا نجد إصدارات محكمة للنشر، وكما هو معلوم يطلب من الأساتذة نشر أبحاثهم في مجلات ودوريات ثقافية محكمة ومعيارية للحصول على الدرجات الأكاديمية التي ترتقي بمساره في الجامعة». وتضيف موضحة:
«في الإمارات هناك مجلات ثقافية شهرية ولكنها غير محكمة في معظمها، كما أن هناك إشكاليات أخرى لطالما صادفتني، فحين أرغب في نشر كتاب أو بحث تشكيلي غالباً ما أحتاج إلى صور لفنانين وأعمال، عربية وغربية، ولكن لكي يحق لي استخدامها لا بد من أن أُمنح الحق من طرف أصحابها، وهذا الحق قد يكون نظير مقابل مادي أو من دون، ولكن سواء تعلق الأمر بالتواصل مع أصحاب الحقوق أو تعويضهم.. كل هذا تتجنبه الجهات الناشرة هنا وتطلب منك ككاتب أو باحث، أن تتدبر الأمر وأن تأتي لها بحق النشر.. وهذا إما أعجزك أو أخذ وقتك».
وفي إجابتها على سؤال حول السبب وراء عدم جود مجلة أو دورية محكمة في كلية الفنون، قالت:«إصدار مجلة من هذا نوع يحتاج إلى أناس متخصصين، لهم خبرة في التحرير والتصميم وهيئة علمية استشارية، وغير ذلك من الاحتياجات الفنية الخاصة بالنشر الثقافي، وإقامة شيء كهذا يحتاج إلى موازنة وفريق عمل وهنا تكمن الصعوبة». وفي ما يتصل بمجلة تشكيل قالت:«إنها تحتاج إلى المال أيضاً».

بين الخاص والعام
قدم قسم النشر في دائرة الثقافة في الشارقة خلال الفترة من 1993 إلى الوقت الحاضر، العشرات من العناوين التشكيلية، وشملت هذه العناوين مجالات النحت والخط والزخرفة والنقد والتذوق والفلسفة وسواها، وثمة أكثر من مئة كتاب تتوافر في طبعات متاحة لقنوات التوزيع الخاصة بالدائرة، نقرأ من عناوينها: «شكل الذاكرة.. التسلط والحرية في التجربة التشكيلية»، و«الشعرية البصرية»، و«تعريف الفن»، «غاية الرّسام العصري»، «التربية الفنية في مجتمع متغير.. الإمارات نموذجاً»، «أوهام الصورة»، «العمارة، الهوية، والمستقبل»، «العتبة والأفق.. تجربة الانفتاح في الفن العربي المعاصر»... إلخ.
إلى جانب العناوين المترجمة من لغات أخرى إلى العربية، هناك عناوين أصدرتها الدائرة لنقاد وصحفيين عرب، وتطرقت لقضايا وأسئلة فنية وفكرية مختلفة ذات صلة بالمجال، ولكنها قليلة مقارنة بالكتب التي تضم أوراق المؤتمرات والملتقيات التي نظمت بالشارقة في السنوات القليلة الماضية، فهذه النوعية الأخيرة من الكتب تبدو أكثر حضوراً في قوائم النشر لدى الدائرة، وهي بلا شك تبدو أكثر إغراءً بالنسبة للقارئ، لما تتميز به من طابع شمولي متنوع، إذ إنها تضم أبحاثاً ورؤى عدة ومن مشارب مختلفة، فيما يقدم الكتاب المؤلف بصفة فردية، رؤية واحدة لما يناقشه.
وفي هذا السياق، ثمة الكتب التي تصدرها الدائرة بمناسبة «مسابقة الشارقة للبحث التشكيلي» فهي حققت تراكماً لافتاً في فترة وجيزة، فابتداء من إطلاق الجائزة سنة 2008 إلى الآن وصلت نسبة الكتب التي تحمل شعار الجائزة أكثر من 30 كتاباً. وفي إفادة قدمها لـ«الاتحاد» الباحث والناقد التشكيلي الدكتور عمر عبد العزيز، أشار إلى أن حركة النشر التشكيلي في الإمارات بشكل عام وفي الشارقة تحديداً، تطورت بشكل موازٍ للنهضة الشاملة في الدولة وخاصة في المؤسسات الثقافية الحاضنة للنشاط الفني، كما هو الحال، وعلى سبيل المثال لا الحصر، في دائرة الثقافة بحكومة الشارقة التي قدمت العديد من المؤلفات الباحثة في الفنون التشكيلية في ما يخص النقد والتأريخ والسيرة.
لكن، ليس رائجاً أن تهتم دور النشر «التجارية» بنشر الكتب الخاصة بالفنون الأدائية عموماً والفن التشكيلي على وجه الخصوص، فهذه النوعية من الكتب، بحسب العديد من التقارير ذات الصلة، غير مبرمجة في قوائم الاقتناء لدى القراء العرب على وجه التحديد. ومن هنا، نجد أن أغلب المؤسسات المعنية بنشر المعرفة التشكيلية، في مستوياتها المختلفة، هي دور نشر حكومية، بيد أن اهتمام هذه الدور يتفاوت، فهو يزيد أو يقل تبعاً لحساسيتها تجاه الفنون التشكيلية، فثمة دور حكومية عديدة لا تولي هذا المجال العناية الكفاية، ولعل ضعف عنايتها مرجعه ضآلة النشاط التشكيلي في المشهد الثقافي العام!.
بالنسبة للشارقة، يقول عبد العزيز، فإن وجود الحاضن المؤسسي غير الربحي لعب دوراً حاسماً في ازدهار كتاب التشكيل، النابع أساساً وجوهراً من معارض التشكيل، ومهرجانات الفنون، والتعليم البيداغوجي الفني الأفقي الذي تميزت به دولة الإمارات العربية المتحدة في العقدين الأخيرين.
ويرى عبد العزيز أن الصحافة الثقافية في الإمارات تقوم بدور مهم في لفت الانتباه إلى ما يصدر من عناوين تشكيلية، حيث تقوم بعرضها ومحاورة كتّابها وكل ذلك من شأنه أن يؤثر إيجاباً على المدى البعيد، ويضيف: «على ذات المنوال يمكننا التوقف أمام تجربة الإصدارات الفنية التشكيلية المترافقة مع جاليريهات الفنون المنتشرة بالدولة، في دبي وأبوظبي خصوصاً، وكذا المؤسسات الثقافية المحلية في مختلف الإمارات.. يمكن لها أن تحفز على تطوير هذا الجانب قريباً، فهي تشكل مصادر لا غنى عنها».

أكاديمية.. الأمل
تأسيس أكاديمية الشارقة للفنون، يعني بالنسبة للفنان محمد يوسف أن هناك «فرصة لسد النقص في هذا الجانب وجوانب أخرى تعوزها الساحة التشكيلية»، ويضيف يوسف: «هناك فرصة لتكوين نقاد وباحثين مختصين في الفنون من خلال هذه الأكاديمية». ويرى الفنان الذي يعتبر من رواد الحركة التشكيلية الإماراتية أن المادة الإعلامية المنشورة حول أنشطة الساحة عديدة ومتنوعة ولكنها غير كافية، ويتابع قائلاً: «منذ البداية، جرى الاهتمام بالجانب التطبيقي في الممارسة التشكيلية وأغفلت الأنشطة النظرية والبحثية، ولذلك نفتقر اليوم إلى العناوين والكتب التي يمكن أن يُشار إليها باعتبارها مراجع مهمة وضرورية، وكل ما صدر من كتب - وهو قليل - جاء نتيجة مبادرات شخصية ومن مداخل أدبية وثقافية في الغالب».
وفي تفسيره للظاهرة يقول يوسف: «سوق العمل هو السبب وراء توجه معظم المشتغلين في الساحة إلى إنتاج الأعمال الفنية، فهي يمكن أن تباع لحظة إنتاجها، أو في المستقبل حيث ستكتسي أهمية أكثر. حين أسأل طلابي: لماذا لا تدرسون النقد؟، فالإجابة جاهزة وهي: أين نعمل وما الذي سنجنيه؟». وفي إجابته على سؤال الطلاب يقول يوسف: «حين أنظر للمؤسسات القائمة أجد أن عليها أن تضم اختصاصات فنية كالناقد والإعلامي والمقيّم بدءاً من جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وصولاً إلى المتاحف والمراكز الثقافية والمهرجانات وحتى الصحف.. في تقديري أن كل هذه المؤسسات يمكن لها أن تسهم في هذا الجانب، ويمكن لمبادراتها أن تسهم في تلبية هذه المتطلبات الضرورية لتطوير الممارسة الفنية وضمان مستقبلها».

اقرأ أيضا