الاتحاد

الملحق الثقافي

الدُّووَانْدِي.. هاوية من رعبٍ وانتشاء

صرخة الروح المستوحشة في لحظة الوجد

صرخة الروح المستوحشة في لحظة الوجد

كتابة: باكو دي لا روزا
ترجمة: أحمد حميدة

نحن نعلم أنّه عبر الأصوات تصل الكلمات إلى أذهاننا، وأنّ دندنتها الموسيقيّة تلامسنا قبل معانيها ودلالاتها، كما الشّعر تماماً، الذي يكون أشدّ ارتباطاً بالموسيقى من ارتباطه بالخطاب. لذا.. قد تكون أنسب وسيلة للقبض على فكرة «الدّوواندي»، هي تمثّلنا لمقولة للقدّيس أغوسطينوس الذي حدّد فيها إحساسه بالزّمن: «ما لم يطلب منّي تعريفه، أكون قد عرفته حقيقة، وإنْ طلب منّي ذلك، لذهلت تماماً عن معرفته».
قبل أن توجد الأرض، وجدت المادّة التي تشكّلت منها، والكلمة سيّان، لأنّها وجدت قبل أن يتمّ التلفّظ بها. وهنا تكمن صعوبة أن نخمّن منشأها ونرصد المعرفة الكامنة وراءها. ذلك أنّ الكلمات تتناسل من ذاتها قبل أن نتوارثها نحن وننقلها إلى الأجيال الموالية، مع المعاني والدلالات غير المدركة التي تحملها، والتوظيفات التي تكون قد خضعت لها من قبل الأجيال المتتالية. وهنا.. تكمن أيضاً السّطوة الغامضة لتلك الكلمات التي تجعلنا عاجزين عن تملّك أسرارها. فالكلمات هي التي تتملّكنا، وتجعلنا نترجم عن دلالاتها والمعاني الكامنة في رسالاتها.
والدّوواندي.. هو من تلك الكلمات المطلسمة.. المحفوفة بالأسرار، كلمة مشتقّة من الكلمة الكلتيّة «دونيت» ومعناها «أليف» أو «مألوفو». وقد تكون الأصوات حسب خبراء اللّغة ناقلة لألوان محّددة ومجموعات من الكلمات، ففي الإسبانيّة مثلاً، يَبرز الحرف الصّائت «اُو» في كلمات عديدة تحيل على الضّياء (لوزو)، ولكن أيضاً في كلمات تحيل على ألوان داكنة: لوتو (حزن)، فيما تعني كلمة قمر باللّغة الباسكيّة «الضّوء الأسود». لذا.. يكون بإمكاننا تشبيه الدّوواندي بشيء ما ليليٍّ ونورانيّ في آن.. إلى كائن له علاقة بالقمر.. الذي يجسّد بامتياز المظهرين معاً: (الظّلمة والنّور).
كما تحيلنا فكرة الدّوواندي التي يحتفظ بها التّراث الإسبانيّ إلى غاية اليوم، والتي يقترن استعمالها خاصّة بموسيقى الفلامينكو، وتحديداً بالنّشيد العميق للغجر، على روح مخادعة خبيثة تقيم في بعض البيوت لإزعاج ساكنيها، محدثة أثناء اللّيل ضجيجاً مثيراً للانزعاج والخوف، وكان يُعتقد أنّ ذلك الضّجيج مردّه إلى كائنات نصف إنسانيّة - نصف روحانيّة، تمتلك قدرات خارقة كتلك التي تمتلكها السّاحرات اللاّتي يتجلّيْنَ في الخرائب والأماكن المقفرة. كما ساد الاعتقاد في أنّ تلك الأرواح تؤثر وجود المعادن، ولكن أيضاً الموسيقى والغناء والرّقص أثناء اللّيل، وأنّها كانت أحياناً ما تتوفّق في مخاتلة الأحياء، فتجتذبهم وتجعلهم يشاركونهم رقصهنّ اللّيليّ، ويتّخذنهم كمطايا يقطعون بهم مسافات طويلة قبل أن يتركوهم وهم منهكين ويختفين عن الأنظار مع إطلالة الفجر.
وثمّة أوجه شبه كثيرة بين الخرافات والأساطير التي حيكت حول الدّوواندي، وعبادة الموتى، وقصص السّاحرات والجنيّات، وعلم التّنجيم الميثولوجي. على أنّ الوصف الذي كان يطلق على ذلك الكائن العجائبي الضّئيل والماكر، يتّفق أكثر مع ما يعرف في الفرنسيّة بالعفريت (لوتان)، أو ما يترجم بصيغة التّصغير في اللّغة الإسبانيّة بـ «الدوواندي تشيلّو». نحن حينئذ أمام ثلاثة كلمات متطابقة، ولكنّها ذات دلالات مختلفة: الدوّواندي (الفلامنكو)، الدّوواندي تشيلّو (العفريت) والدّوواندي الذي يرمز إلى شخصيّة مخيفة في قصص الأطفال.
النشيد العميق للغجر
أول مفهوم من المفاهيم الثّلاثة السابقة هو ذاك الذي ينطبق على الفلامينكو والنّشيد العميق للغجر الذي انتشر بداية من القرن الثّامن عشر، أي في الفترة التي ظهر فيها ذلك النّشيد كما نعرفه اليوم. وحتّى نتعرّف على المفهوم الثّالث للدّوواندي، وعلاقته بعالم الفلامنكو، يكون من المهمّ أن نستذكر الخرافات التي كانت ترويها لنا جدّاتنا الأندلسيّات على ضوء القمر، حين كنّ يرافقننا أثناء النّوم، خرافات كانت تبرز فيها دوماً شخصيّة غامضة تجوب الشّوارع المظلمة ليلاً.. وتنعت بتلك التّسمية: الدّوواندي. وإنّي لأتذكّر جيّداً إحدى تلك الخرافات التّي حوّلتها جدّتي، وهي تسردها على مسامعنا، إلى سلسلة من المشاهد المخيفة، وخلاصة تلك الرّواية أنّه ذات يوم، في أحد أحياء مدينة جيريز بالأندلس، وبعد عاصفة هوجاء هبّت مع إطلالة الصّبح، استمع النّاس في البعيد إلى ما يشبه ضجيج سلاسل تتجرجر على سطح الأرض، يومها كان اللّيل مدلهمّاً والسّماء متجهّمة، مّا أضفى على المدينة أجواء كابوسيّة تنذر بكارثة وشيكة. ثمّ.. شيئاً فشيئاً، غمر صمت رهيب كلّ زاوية من زوايا الطّريق، صمت ما انفكّ يتكثّف حتّى أنّ تماثيل الكنيسة غشيتها حالة من الارتجاف. وكم كان ذلك السرد مخيفاً، حدّ أنّنا لم نتمالك أنفسنا، وبادرنا بمقاطعتها:
- ومن تراه كان يجرّ تلك السّلاسل؟
= فأجابت بصوت مهيب: إنّه الدّوواندي، الذي كان يجوب الشّوارع ويرسل تنهّدات شبيهة بأنين روح متوجّعة.
وأمعنّا في السّؤال ونحن مذعورون: هل لك أن تصفيه لنا، ذلك الدّوواندي؟
فتابعت حديثها.. ممعنة في المراوغة لجعل السّرد أكثر غموضاً وإثارة. وحين أدركت أنّها كتمت على أنفاسنا، وأنّه لم يعد من بدّ لترك المقدّمات، شرعت في وصفها لذلك الكائن الغريب، فزعمت أنّه غالباً ما يتجلّى على هيئة شيخ عجوز.. ضخم.. بملامح مهزولة، وأيادٍ ذات بياض ناصع حدّ الشّفافيّة، وأعين نصف مغلقة ترصد كلّ ما يدور من حولها.
كما أذكر أنّني سألتها ذات ليلة إنْ كان لتلك الأرواح المعروفة بالدّوواندي من وجود حقيقيّ، فجاءت إجابتها قاطعة: نعم.. لا شكّ في ذلك.. (...)
وفي المطلق.. لا يبرّر ذلك معنى هذه الكلمة في الفلامينكو، وإنّما هي حكاية تبيّن إلى أيّ مدى تعمّر القصص الشّعبيّة في اللاّوعي الجماعي وتفلح في التّأثير فيها بأكثر من شكل، خاصّة ونحن نتحدّث عن شعب أندلسيّ متشبّث بالتقاليد وميّال إلى كلّ ما هو عجائبي وغريب.
لقد كان صديقي بوليرا يقطن في إحدى تلك البيوت الشّعبيّة المكدّسة بأحياء جيريز الفقيرة. كان ذلك البيت يضمّ فناء طويلاً، به يعيش عيشة بؤس وإملاق عدد غفير من الأسر الفقيرة التي كانت تتقاسم مطبخاً وحيداً ومغسلاً أوحد. وذات يوم، وفيما كان جميع متساكني ذلك البيت البئيس يتهيّأون للنّوم، فاجأهم طرق شديد للباب. هبّ الجميع مذعورين، وكان أوّل ما تبادر إلى أذهانهم أنّ الأمر يتعلّق بإحدى تلك الكائنات الغريبة المعروفة بالدّوواندي. أمّا جدّتي، فقد نهضت من مرقدها لتحثّ الخطى نحو الباب وتستطلع الأمر. فتبيّن أنه ابنها العائد من حفل فلامينكو مع إطلالة الفجر، يرافقه جمع من الغجر، حضروا لإنهاء ذلك الحفل بالبيت، وكان من بين هؤلاء بعض المغنّين المشاهير للنّشيد العميق. وقفز الجميع من مراقدهم تغمرهم فرحة عارمة، وشرعت النساء في إعداد القهوة والأرز المسقيّ باللّبن. وسرعان ما انضمّ إلى ذلك الحشد من الناس المجاورين، ليتواصل الرّقص والغناء في فناء البيت إلى منتصف اليوم الموالي. وسرت في أرجاء البيت فرحة غامرة، فكان الصّبية يختبرون قدراتهم في أداء النّشيد العميق، فيما كانت العجائز بملامح بريئة ومستبشرة، تشاركن هذا الجمع الصّاخب والمتصايح.. الرّقص والغناء.
السِّحر الخالص
على امتداد قرون، كان النّشيد العميق يؤدّى في لقاءات من هذا النّوع، وليس في استعراضات فنيّة ترفيهيّة، وذلك رغم ظهور المقاهي الغنائيّة في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر. وينبغي ألاّ ننسى أنّ الفلامينكو لم يكن أبداً فولكلوراً، وإنّما كان فنّاً أصيلاً ينتقل بالوراثة، وبصورة شفاهيّة، عبر أسرٍ خبرت أسرار ذلك الفنّ: عائلات منشدي الفلامينكو أو «لاس فميلياس دي كنتهورس». وكانت تتخلّل تلك اللّقاءات التي كانت تنتظم دائماً في وقت متأخّر من اللّيل، لحظات من الوجد أشبه ما تكون بالسّحر الخالص. وبقدر ما كانت تزداد عذوبة أداء المغنّين.. بقدر ما كانت تزداد سطوة ذلك الوجد.. ويزداد المنشدون والرّاقصون دنوّا إلى حالة الجذب، أي إلى تلك الحالة المعروفة بالدّوواندي. حينها كانت تخترق الحضور رجفة غامضة، فترتعد الأجساد ومن فرط اهتياجها تتفصّد عرقاً، ويغدو النّشيد المرسل شيئاً فشيئاً أشبه بنشيج مرير، يجهش له الجميع بالبكاء، ومن فرط الانفعال.. يقدم بعضهم على تمزيق قمصانهم.
لم يكن ثمّة من إعداد مسبق لمثل تلك اللقاءات التي كانت تلتئم دائماً بصورة فجائيّة، ففي عالم الفلامنكو، لا مكان لعروض مبرمجة، لأن اللقاءات متى كانت مبرمجة، زال غموضها، والحال أنّ الغموض يحكم.. لا فحسب حركات الأفراد في مثل تلك اللّقاءات، وإنّما.. لأنّه هو الذي يجتذب الدّوواندي. غير أنّه بمرور الزمن أصبحت تلك الكلمة السّحريّة تحيل على مفهوم نظريّ للفلامنكو، أكثر من إحالتها على ظاهرة معيشة، إذ أسيء على امتداد جغرافيا وتاريخ الفلامنكو، استعمال ذلك المصطلح. فشتّان بين أن يحضر المرء استعراضاً فنيّاً، فيتفاجأ فيه ويستمتع ويتأثّر، وبين أن يتنفّس الموسيقى بملء كيانه دونما افتعال، فيغدو على حافّة البكاء، ويتملّكه الخوف والارتجاف، ثمّ ينتابه ذلك الدّوار الرّهيب الذي يدفع به نحو هاوية من رعب وانتشاء، بفعلهما تتحلّل بشكل مُلبس، الحيرة والأحزان والأوجاع. فالنّشيد العميق الحقيقي، ينشد تحديداً تلك اللّحظة الإكسيريّة التي يتقدّم فيها المرء على شفرة سكّين حادة، فيغدو متأرجحاً بين حالي التوازن والجنون.. بين التمرّد والخضوع. ولا يكون الأمر كذلك إلاّ متى تحوّل هذا النّشيد إلى نشيج من جمر منبعث من الأحشاء ومحتشد بالصّراخ والصّمت.. وهما حالتان متنافرتان في الظّاهر ولكنّهما متآلفتان. النّشيد العميق الحقيقي هو ذلك الذي يولّد حالة إرباك في جوف العتمة، ويدعونا إلى الاعتصام بالصّمت وإصاخة السّمع إلى سكون الفضاء، وتأمّل وجه الموت. فلا يولّد هذا النّشيد حينئذ إحساساً بالمتعة بقدر ما يخلّف لدى المرء.. إحساساً بالألم، لأنّه ليس مجرّد إيقاعات متتابعة ومتناغمة أو نغمات رخيمة تستعذبها الآذان، بل صرخة قدّت من أصوات مسلوخة وممزّقة، حيثما سرَتْ.. خلّفت الآلام والجراح.

مرهم من شظايا الزجاج

كان لوركا.. الذي أفاض في الحديث عن الفلامنكو، يرى أن «الدوواندي» ظاهرة كونية تلامس جميع الفنون، وأنه لا يبلغ مداه إلا في الموسيقى والرقص وتلاوة الشعر، لأن هذه الفنون الإبداعية بحاجة إلى ترجمان، ولأن «الدوواندي» هو أبلغ ترجمان لتلك الروح الخبيئة في الإنسان، التي تحضر بقوة في حفلات الفلامنكو، متسربلة في حركات الراقصين وأصوات المغنين، وتأتي لتفصح عما يستكن في باطنهم من حيرة وتيه وألم وضلال.
ويقول لوركا إن «الدّوواندي» يأتي «ليلهب الدم كمرهم قد من شظايا الزجاج»، وذلك لأنه ينبعث من رحم الوجيعة ولا يخلف في المرء غير الأنين والجراح، وفي التعافي من تلك الجراح، التي تبقى مفتوحة على الدوام، تكمن غرابة وفرادة ما يبدعه الفنان، وخاصة ما يثيره السر الكامن فيه، من تفجر حارق تنجلي في لهيبه الكروب والأحزان.

اقرأ أيضا