الاتحاد

الملحق الثقافي

هجرة الهجرات

صورة تعبيرية عن الهجرة والمهاجرين الذين يشرعون في الهجرة تحدوهم الوعود والآمال بحياة أفضل

صورة تعبيرية عن الهجرة والمهاجرين الذين يشرعون في الهجرة تحدوهم الوعود والآمال بحياة أفضل

هل يمكن الحديث عن الهجرة، عن الفرار والحركة، عن انتقال الشعوب والأشخاص من دون هجرة النبي إبراهيم (عليه السلام) التي يتفق اليوم الجميع عليها، على الانتماء إليها. من غير المهم ما اختلفوا عليه من أمور أخرى، من غير المهم ما واجهوه من مصائر وأقدار، بل من غير المهم ما تبقى في عروقهم من دم يجري وما ادَّعوه من أصول وأنساب؟. فالمؤمنون من كل الأديان والمذاهب يبتهلون أن يهديهم الله إلى طريقه، طريق «الصراط المستقيم».
النبي إبراهيم «عليه السلام»، أكثر الشخصيات شهرة، وأعظمها مكانة دينية، في أدبيات الأديان العالمية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، فهو بعد آدم، يُعدّ الوالد الشرعي للبشرية، ولكل أولئك الذين يؤمنون بالتوحيد، أب كل أولئك الأنبياء الذين ظهروا في غرب آسيا خاصة، وفي تاريخ العالم عامة، وبالذات الرسل الثلاثة: موسى وعيسى (عليهما السلام) ومحمد (صلى الله عليه وسلم). العديد من أتباع الديانات التوحيدية، حتى تلك التي هي خارج الديانات الرسمية الثلاثة، الصابئة مثلاً، يحملون اسمه وإن بصيغ مختلفة، هو أبرام أو إبرام عند اليهود، آبراهام أو براهام عند المسيحيين، وإبراهيم عند المسلمين والصابئة.
الأمر الثابت في شخصية النبي إبراهيم، والذي تناقلته الحكايات والقصص الدينية، ولا يختلف عليه اثنان، هو أمر هجرته المعروفة، التي هي خلاصة فعلية لما حصل لشعوب العالم على وجه الكرة الأرضية على مر العصور والأزمان: فرار وحركة. بكل ما يحمله الفرار من معانٍ مرادفة، لها علاقة بإنقاذ النفس من تهديد طبيعي أم اجتماعي، من مجاعة أو حرب أو تهديد حاكم مستبد، بكل ما له علاقة بإنقاذ الحياة، بل بكل ما تحمله كلمة حركة من معانٍ تشير إليها، من ذهاب وإياب، هجرة وعودة وانتقال.
شخصية مختلف عليها
بالنسبة للأديان، يظل النبي إبراهيم شخصية واقعية كانت موجودة، لا يهم اختلافها وتناقضها بما تحكيه عنه الروايات وهي تروي التفاصيل في أغلب الأحيان. إنه لأمر مثير للفضول بالفعل، فليست الأديان السماوية الثلاثة وحدها هي التي روت عنه، بل جميع المدونات ما قبل التاريخية التي لها صلة بالأقوام التي عاشت في غرب آسيا، من (أور) السومرية مروراً بحاران وأورفة، ثم بدمشق وفلسطين ومصر. جميع هذه المدونات التي هي بمثابة وثائق «تاريخية» التي وصلت إلينا تتحدث عنه أيضاً، وإن لم تذكره بالاسم، لأن من يتابع الطريق الذي سار عليه إبراهيم، من يتابع ما لحق به من وفرار وحركة، سيجد أن هذه النصوص لا بد وأن تكون عنه هو وليس أحداً غيره، وإن لم تذكره بالاسم، كما في ذلك النص السومري القديم، الذي جاء على لسان شاعر سومري يتحدث فيه عن نهاية أور السومرية هذه، وما حدث فيها في أواخر سنوات حكم الملك أورثمو (النمرود) في أواسط القرن العشرين قبل الميلاد، أي في الوقت الذي يُفترض فيه شروع إبراهيم في هجرته ومعه أبوه الطاعن بالسن تارح (آزر في القرآن، سورة الأنعام /‏‏‏‏74) ولوط ابن أخيه هاران، وزوجته سارة، بعد تعرض عاصمة السومريين أور إلى هزيمتين عنيفتين على يد العيلاميين والأموريين. النص لا يذكر اسم إبراهيم بالاسم، إلا أنه لا يبخل برواية التفاصيل الأخرى، بكل ما له علاقة بالقصة، وكأن الشخصية التي يتحدث عنها، ليست غيرها، شخصية إبراهيم، يقول الشاعر السومري: «فارق الفحل مقرّه وتفرق قطيعه مع الرياح»، ثم يعدد بعدها أسماء المدن السومرية الكبرى وهو ينعى مصيرها، لينتقل بعدها إلى وصف قرار السماء (لعنتها) بدمارها وسفك دماء أهلها، وكيف أن نحيب الناس استمر وامتلأت الطرق بجثث القتلى الذين حطمتهم الرماح والمقامع وظلوا حتى أذابت الشمس شحومهم، أما من نجوا فقد ذلوا، حتى تخلت الأم عن ابنتها وهجر الأب ولده وفارقت الزوجة زوجها. وما يجعلنا نعتقد بأن الفحل المعني (هو من الجائز أن يكون إبراهيم) ، هو قرابة الفترة الزمنية التي عاش فيها إبراهيم، مثلما يمنحنا الخلفية المقنعة لقصة هجرة إبراهيم، فأن يهاجر أحد من مكان ما، أن يهرب، لا بد وأن تكون عنده أسبابه، خاصة أن إبراهيم هنا يغادر أرض وادي الرافدين، جنوبه المعروف بخصوبته وثرائه، والذي كان حاضنة بالأصل لهجرة شعوب إليه وليس العكس. ومثلما ارتبطت الهجرة الثانية لإبراهيم من أرض كنعان إلى مصر بعلاقتها بالمجاعة «السنين العجاف» التي ضربت الشام آنذاك، فإن الحرب التي تعرضت لها أور السومرية واجتياح الجيوش لها كانت هي السبب وراء هجرته الأولى.
خطأ التدوين التوراتي
وللتوضيح مقدماً، لابد من التأكيد هنا، أن أور التي سيرد ذكرها في العهد القديم، كمكان ولادة للنبي إبراهيم، هي مدينة سومرية قديمة جداً (موقعها قريب اليوم من مدينة سوق الشيوخ الحالية في جنوب العراق)، كانت أولاً عاصمة السومريين، قبل أن يسيطر عليها لاحقاً الأكديون، ثم الدولة البابلية القديمة، بعدها الدولة الآشورية، تلتها الدولة الكلدانية، ومن المعروف أن الكلدانيين هو الاسم الذي يطلق على البابليين الذين تحرروا من السلطة الآشورية وأسسوا الدولة الحديثة (الدولة البابلية الثانية) بين (625-538 ق.م) بعد أن تعاونوا مع الدولة الميدية في إسقاط الدولة الآشورية، بعدها تقاسم الشريكان غربي آسيا، فكان القسم الجنوبي الغربي من بين النهرين من نصيب الكلدان (انظر سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة). وقدر المؤرخون زمن هجرة إبراهيم وعائلته في القرن التاسع عشر قبل الميلاد أو القرن الثامن عشر قبل الميلاد (سيد القمني: النبي ابراهيم، ص38)، وهذا يعني أن هجرة إبراهيم حدثت في زمن أور السومرية وليس في زمن أور الكلدانية، لكن المترجم أو المدون التوراتي استخدم اسم أور الكلدانية، لأنها كانت الأشهر والأقرب إلى زمن تدوين نصوص التوراة.
يخبرنا العهد القديم، أن أور السومرية (سنكتب منذ الآن السومرية لأنها الأصل، وليس الكلدانية كما جاء في ترجمة العهد القديم) هي مكان ولادة النبي إبراهيم: «وهذه مواليد تارح، ولدَ تارحُ أبرام وناحور وهاران، وولدَ هاران لوطاً، ومات هاران قبل تارح أبيه في أرض ميلاده في أور السومريين (الكلدانيين)، واتخذ إبرام (الذي سيصبح اسمه إبراهيم، سفر التكوين 17,5) وناحور لأنفسهما امرأتين. اسم امرأة أبرام ساراي (التي سيتغير اسمها هي أيضاً سيصبح سارة، سفر التكوين 17,15 ن. و) واسم امرأة ناحور ملكة بنتُ هارانَ أبي مِلكة وأبي يِسكة. وكانت ساراي عاقراً ليس لها ولد. وأخذ تارحُ أبرامَ ابنه ولوطاً بن هاران ابن ابنه وساراي كنته امرأة أبرام ابنه، فخرجوا معاً من أور السومريين ليذهبوا إلى أرض كنعان، فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك» (العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح الحادي عشر)، هذا يعني أن إبراهيم غادر أور مضطراً بصحبة نفر قليل مما تبقى من أفراد عائلته بعد نجاتهم من المجزرة.
للأسف ليست هناك مصادر تاريخية كثيرة تحكي لنا بالتفصيل عن أصل السومريين، ولا عن فترات الحكم التي سبقت فترة حكم الملك النمرود، مثلما لا تحكي لنا بالتفصيل عن نشأة النبي إبراهيم، حياته، أو تصف لنا المكان الذي ترعرع فيه، وربما تساءل البعض: لماذا لا يكون إبراهيم جاء إلى أور من منطقة أخرى، كأن يكون وُلد في مكان آخر وجاء مع أبيه مهاجراً إلى بلاد وادي الرافدين، لأن وادي الرافدين، كان وحتى نهاية القرن العشرين، مكان استقبال هجرات وليس العكس؟ لماذا لا يكون وُلد في حاران، مثلاً، التي كانت تقع في شمال شرق وادي الرافدين، والتي سيهاجر لها من أور السومرية وهو رجل «فحل» مع أفراد عائلته القليلين؟ ألا يؤكد مدون/‏‏‏ ‏مترجم العهد القديم على كلمة أور (الكلدانيين)، كأنه أراد تميزها عن مدن «أورية» أخرى، أور- شليم مثلاً، أو أور- فة؟ خاصة وأن الأخيرة هي الإقليم الذي تقع فيه مدينة حاران التي سيهاجر إليها إبراهيم؟، ألا نقرأ في العهد القديم، أن الرب أمر إبراهيم بالهجرة من حاران لاحقاً مع قبيلته: «وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة، وأبارك مباركيك ولاعنُكَ ألعَنُه، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض، فذهب أبرام كما قال له الرب وذهب معه لوط» (العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح الثاني عشر)؟
لا يريد هذا المقال تقديم الإجابة هنا على هذا السؤال، بقدر ما هو معني بهذه الحركة، بهذه الهجرة، بكل ما حوته من فرار وحركة ودوران، ففي النهاية سواء كان مكان ولادة إبراهيم حاران وجاء به أبوه مهاجراً إلى أور السومرية، ثم عادا بعدها إلى مدينتهما بعد خراب أور السومرية، أو سواء كان إبراهيم من مواليد أور السومرية بالفعل، وهاجر بعد المجزرة، رغم أن العهد القديم لا يقول لنا، لماذا حاران بالذات؟ وإذا لم يكونوا جاءوا أصلاً من حاران إلى أور مهاجرين، فلابد لنا من أن نسأل: من أين عرف إبراهيم بحاران؟ لماذا لم يذهب إلى مدينة أخرى؟ هل كانت هناك حركة قوافل تجارية وحركة هجرات؟ أم لأنه سار ببساطة عكس مجرى تيار نهر الفرات، اليوم لا تقع حاران على نهر الفرات مباشرة، لكن ربما وقعت عليه في ذلك الوقت؟ لكن لماذا لم يتوقف إبراهيم في طريقه في مدن أخرى وقعت على ضفاف نهر الفرات؟ في بابل مثلاً، أو في ماري؟ وهي الأسئلة التي تطرح نفسها، شئنا أم أبينا، ألا يمكننا تخيل القصة، كما تحدث اليوم، في مكان ما حين تحدث الحرب، فتعم مجزرة، فيسعى البعض للفرار، للنجاة بأنفسهم، لماذا - مثلاً - لا يكون في ذلك الوقت مهربين أيضاً؟ لماذا لا تكون هجرة إبراهيم وأفراد قبيلته، هي فرار وحركة، ذهاب وإياب، سارت حسب خطة معينة، لأن حاران التي يلجأ إليها سيغادرها مباشرة. وكما ورد في النص التوراتي لا يغادرها بإرادته، بل سيأمره الرب بذلك، أما سقف الوعود التي يعده بها فهي عالية، كلها إغراء بالهجرة، ولما يأمل المهاجر بالحصول عليه في حياته الجديدة (ألا يحصل ذلك أيضاً للمهاجرين الجدد؟): «فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة، وأبارك مباركيك ولاعنُكَ ألعَنُه، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض».
تقريباً جميع الوعود هذه تحققت، أمة إبراهيم كبيرة، كل قبائل الأرض تتبارك اليوم بإبراهيم.. وكأن ما جرى لإبراهيم طوال الطريق، هو البداية لهجرات ما زالت تتوالى.

اقرأ أيضا