الاتحاد

الملحق الثقافي

تاكاشي موراكامي: لا كرامة لفنان في قومه

تاكاشي موراكامي

تاكاشي موراكامي

أجرى الحوار: بنجامين لوكوج

تقديم وترجمة:عبد الرحيم نور الدين

تاكاشي موراكامي Takaschi Murakami فنان تشكيلي ونحات ومخرج ياباني، من مواليد 1 فبراير 1962 بطوكيو. من ألمع نجوم النيو بوب آرت وأحد عمالقة الفن المعاصر المصنف من بين الأغلى عالمياً. يعتبر وريثاً لأندي وارهول وللبوب آرت الأميركي، لكنه استقل عن النموذج الغربي وأبدع أسلوبه الخاص من خلال استلهام الفن التقليدي الياباني. أقام العديد من المعارض في عواصم كثيرة، ومن بينها معرض أعماله بقصر فرساي بفرنسا سنة 2010 الذي أثار جدلا واسعا بسبب اعتراض بعض الجمعيات الفرنسية عليه. كما ساهم في تطوير «ديزاين» منتوجات العلامة الفرنسية فيتون، فضلاً عن كونه فناناً، يمتلك تاكاشي موراكامي شركة إنتاجية خاصة توظف العديد من المستخدمين لتنفيذ منجزاته الفنية، والترويج لها وبيعها. يشار أيضا إلى أنه من هواة جمع القطع الفنية...والصبار والخنافس.
يوضح «الغول» تاكاشي موراكامي في الحوار التالي مجموعة من الأمور تتعلق بتصوره للفن، وصلته بثقافة بلاده اليابان، وعلاقته بمقتنى أعماله والتجارة في الفن، وغير ذلك... هنا نص الحوار:

* - هل تشتغل طوال الوقت، ليلاً ونهاراً؟
** - أجل لأني أخاف، لو توقفت، أن لا أستطيع الرجوع. مثل رياضي من مستوى عال يعرف أنه متى قرر أن يضع حداً لمسيرته المهنية، لن يعود قادراً على تحقيق نفس الإنجازات. يفرض الفن على المرء انضباطاً حقيقياً.
*- كيف تتم علاقاتك مع مساعديك الكثر؟
**- أحاول ألا أتصرف كرب عمل استثنائي، لكن ليس من حق مساعدي بتاتاً إضافة إبداعهم إلى عملي. وأشعر حقاً أن ذلك معقد أحياناً بالنسبة لبعضهم. مؤخراً، حاول أحد عمالي، وهو طالب يدرس الفن، أن يقترح علي بعض الأفكار. غير ممكن! أنا من بنى كل هذا! « يشير إلى ضخامة المحل». وانطلقت من لا شيء. بعد خمس سنوات، ربما سيصبح هذا الطالب فناناً مهماً. قد يطور خياله الخاص، ومساره الخاص، في استقلال تام.

تجاهُل
* - غالباً ما تقول إنك غير مقدر في بلدك. هل لا يزال الحال على ما هو عليه؟ هل يبتعد اليابانيون عنك؟
** - علاقتي بالجمهور الياباني ضعيفة جداً. يعيدنا هذا إلى 300 أو 400 سنة ماضية، قبل أن ينفتح البلد على العالم الغربي. إن المجتمع الياباني المعاصر محافظ جداً، إنه يريد أن يعيش حياة بسيطة، دون تحديات. وأنا، ربما أطرح عليه الكثير من الأسئلة، لكني لا أستطيع الهروب من أصولي، ومن ثقافتي، لذلك أعيش دائما في اليابان، وإن كان الجزء الأكبر من تجارتي يتم في نيويورك، حيث أمتلك ورشة، 99 % من مداخيلي تأتيني من خارج اليابان. أنا لا أمثل أي شيء هنا.
* - ومع ذلك فكل منجزك مستوحى من التقليد الياباني، وهو ما يصنع جزءاً من نجاحك، أليس كذلك؟
** - تلك هي المفارقة، ما يدفع إلى تصديق مثل «لا نبي في بلده». أحب تاريخ اليابان وثقافته. عندما بدأت أرسم، كنت أقلد أعمال جاكسون بولوك (1) ومارك روتكو (2)، لكنني تعرضت للوم لكوني يابانياً. كان يقال لي: «ليست لديك الثقافة لفهم التعبيريين الأميركيين». وفي الأخير، نجحت في العثور على أسلوبي الخاص من خلال إعادة تملك تاريخ الفن الياباني، ومن خلال مزج التاريخ الكلاسيكي وحداثة تقنيات التشكيل المميز لمرحلتي.
* - هل يعاتبك الجمهور الياباني على تشويه التقليد؟
** - لا أظن ذلك: إنه يكتفي بتجاهل عملي. [يضحك]. فقط ثلاثة من أعمالي تحتضنها المتاحف اليابانية، واحد في موري Mori [متحف الفن المعاصر في طوكيو]، وعملان آخران في مؤسسات خاصة. آلمني ذلك فترة طويلة. ثم جاء أرباب الأروقة الفرنسيون إلى هنا، وبدأوا في نشر وبيع عملي في العالم أجمع. بإمكاني أن أرتاح الآن.
* - سنة 2002، طلب منك فيتون Vuitton (3) المساهمة في التصميم الصناعي لحقائبه. ماذا غير ذلك في مسارك المهني؟
** - كان لذلك تأثير لا يصدق. أدركت أن أهمية التجارة في الفن تعادل أهمية الفن ذاته. إلى ذلك الحين، كنت أركز خاصة على تحقيق منجزة فنية جميلة. لكن، إذا لم تكن هذه «المنجزة الجميلة» تحظى برؤية الناس، فما الفائدة؟ مكنني فيتون من إظهار عملي على نطاق واسع جدا. كان يسعى في تلك الفترة، إلى التميز عن منافسيه مثل غوتشي Gucci أو برادا Prada. أحضرت له مُصَوَّرة جديدة عصرية مكنته من إعادة ابتكار علامته التجارية. شراكة رابح - رابح بالنسبة لنا نحن الإثنين. كان إيف كارسيل Yves Carcelle، مسير المجموعة في تلك الفترة، صعبا جدا في مجال الأعمال. أحببته كثيرا، واعتقد أنني تعلمت منه أشياء كثيرة. كان أميناً وصارماً. وبعد موته، استمرت الأمور. العلامة التجارية أهم من الأشخاص.
* - استعادياً، ماذا استفدت من معرضك الذي أقيم في فرساي سنة 2010 ؟
** - كان مكاناً شبه مقدس، حيث لم يكن باستطاعتي تعليق لوحاتي. كان تحدياً آخر، مصحوباً بانشغال متواصل بعدم إتلاف أي شيء، لكني وجدت نفسي، لحظة الافتتاح، أمام حشد صغير من المتظاهرين، وتساءلت عما إذا كان قبولي للمعرض أمراً جيداً. كان ذلك مقلقاً جداً. حقاً.
* - هل عملك سياسي؟
** - لا أعتقد. في بداية عملي أبدعت ما لا بأس به من المنجزات التي كان موضوعها نهاية النووي الضرورية. كانت عديمة الفائدة. إذا ما انتقد فنان ما في الوقت الحاضر الحكومة أو ترامب، هل تظن أن الناس سيلتحقون به للدفاع عن قضيته؟ لا أعتقد ذلك.

سؤال الفن والدين
* - معنى أن تكون فناناً هو أن تتحدث عن المجتمع الذي تعيش فيه. اضطرب عملك كلياً بسبب الزلزال سنة 2011...
** - أكيد، لكن ذلك ليس سياسياً. كان السؤال الذي فرض نفسه علي، في تلك اللحظة، هو سؤال العلاقة بين الفن والدين. شعرت بخوف شديد من أجلي ومن أجل أبنائي وعائلتي. وتساءلت كيف يمكن للدين أن يساعد العالم. هذا الإلهام الطبيعي هو ما غير عملي.
* - إذن، الفن والدين موجودان للمساعدة في تضميد الجروح؟
** - نعم، أعتقد ذلك. يضاف إلى هذا أن اللوحات التي رسمتها بعد الزلزال وتسونامي وحادث فوكوشيما النووي، تم عرضها العام الماضي في موري. ولقد حقق المعرض نجاحاً كبيراً. وهو ما يدل على كون بعض المنجزات ضرورية أو ذات مفعول جيد حتى وإن لم يكن عملي مقدراً في اليابان.

رغبات زبائني أوامر
* - من هم زبائنك ؟
** - أغلبهم، القدامى، وهم من أميركا الشمالية. منذ 15 سنة، صار لي أيضا زبائن في أوروبا، وخاصة في فرنسا وبريطانيا. ومنذ 5 أعوام، انضاف إليهم الصينيون. لدي كذلك مشترون يعيشون في ماليزيا، وسنغافورة واندونيسيا.
* - غالبا ما تقول إن هؤلاء يبعثون طلباتهم إليك. هل أنت مجرد منفذ أوامر؟
** - نعم بالطبع، أستمع إلى طلباتهم، لأني أبدع منجزات غالية جدا. إذا كان شخص ما يحب الأزهار والوردي، فإني آخذ ذلك بعين الاعتبار في اللوحة التي سأرسمها له. إن الإنسان الثري غريب في الغالب، ويعبر عن رغباته الأكثر جنونا. في بعض الأحيان، يكون ذلك مضحكاً جداً، ومرات أخرى يكون غبيا ًجداً، وأحيانا يكون بسيطاً جداً، لكني أستمع إليهم. الأمر شبيه بالذهاب إلى مطعم راق: حينما يتوافر لك هذا النوع من الوسائل، فإنك تعرف الخمور، وأصل اللحم. إن المرء على استعداد لدفع مبلغ معين من أجل كل هذا. يمتلك زبائني النظرة نفسها عن عملي، ومن واجبي احترامها.
* - هل ينبغي أن يكون المرء غنياً جداً لاقتناء عمل من توقيع موراكامي؟
** - أجل. وذلك هو السبب الذي يجعلني أقوم بالترويج وأنجز الكثير من النسخ بالطباعة الحجرية، المقترحة بأثمان في المتناول. حتى يتسنى لأي كان امتلاك عمل من توقيع موراكامي. عالم الفن معقد جدا، ومن وجهة نظري كفنان، يستحيل علي التحكم فيه. حتى لو طلبت أن تباع لوحاتي بأثمان معقولة، ليس في مقدوري فعل أي شيء ضد من يعيد بيع لوحة بضعف قيمتها الأولى عشر مرات لمشتر سيعيد بيعها هو الآخر بضعف ثمنها الأصلي عشرين مرة. أتذكر موت أندي وارهول (4). لم يتحمس السوق كثيرا. كان بالإمكان العثور على لوحات صغيرة لا يزيد ثمنها عن عشرة آلاف دولار. نفس اللوحات تباع اليوم بما لا يقل عن مليوني دولار... كل هذا الوضع ليس صحيا. إذاً، أنجز أكبر عدد ممكن من القطع، لأني أدرك أن عملي ستكون له قيمة أكثر بعد وفاتي. في تلك اللحظة بالذات، سيهتم الناس حقاً بعملي.

* - هل تود أن يصبح أبناؤك فنانين؟
** - بصراحة، ليس لدي الوقت الكافي لأنقل إليهم أي شيء كيفما كان. لو كان في وسعي أن أعيد صنع حياتي، لكنت صياداً وليس رساماً إن حياة الرسام شبيهة بالعيش في «سيد الخواتم». لقد صار جسدي وسيلة عملي، وتطور مع مرور السنين نحو شخصية الوحش غولوم. [ يضحك]. في النهاية، أنا أعيش حياة عزلة شديدة لا ترضيني إطلاقا. إنه شيء لا يمكن السيطرة عليه، لكني مضطر إلى التكيف معه.

تأمين

* - أنت أيضاً من أهم هواة جمع القطع الفنية اليابانيين. ماذا تشتري؟
** - منذ عشر سنوات، كنت محتاجاً إلى فهم الإحساس الذي يشعر به الزبون. مع مرور الوقت، اشتريت ما يقرب من 5000 قطعة. قطع قديمة جدا، صينية ويابانية، وحتى بعض القطع لأنسلم كيفر (فنان تشكيلي ألماني يعمل ويعيش في فرنسا) و وجوليان شنابل (فنان تشكيلي أميركي من التعبيريين الجدد). لكني سأبيع الكل يوماً ما، دفعة واحدة. إذا أفلست شركتي، ستستعمل هذه المنجزات كتأمين.
الهوامش:
* نشر الحوار في مجلة باري ماتش عدد 3595، من 5 إلى 11 أبريل 2018.
1) جاكسون بولوك (28 يناير 1912- 11 أغسطس 1956) فنان تشكيلي أمريكي انتمى إلى تيار التعبيرية التجريدية.
2) مارك روتكو ( 25 سبتمبر 1903- 25 فبراير 1970) فنان تشكيلي أمريكي، كان من بين ممثلي التعبيرية التجريدية.
3) لويس فيتون مؤسس شركة فرنسية عريقة تحمل اسمه، اشتهرت بتخصصها في الحقائب.
4) أندي وارهول ( 6 أغسطس 1928- 22 فبراير 1987) فنان أمريكي وأحد ممثلي البوب آرت الرئيسيين.

اقرأ أيضا