الاتحاد

الملحق الثقافي

في «الفيسبوك».. مَجَاذيب يصنعون أساطيرهم

«الفيسبوك» ليس مرآةً لوجهِ مستخدِمه

«الفيسبوك» ليس مرآةً لوجهِ مستخدِمه

لأن «الفيسبوك» مشروع اقتصادي عالمي «يشغِل» تقريباً مليارين ونصفَ المليار من الناسِ بلا أجرٍ ولا زَجرٍ، ويحوِل بالمجان معطياتهم الشخصية إلى مصدر رِبحٍ له ماديٍ، ولأن محكيات الدولةِ الحديثةِ قد غرقت في تدنيس قِيَمها الإنسانية التي بشرت بها، وصارت تبعاً لذلك «الميت ـ الحي الخالد» على حد وصف الباحث الفلسفي الفرنسي جون كلي مارتان لها، فقد استشعرت الذات تِيهَها في العالَم ولم يبقَ لها من شيءٍ تلوذ به سوى ذاتِها نفسِها، فارتمت في عالَم الافتراض تَبنِي فيه تفاصيلَها خارج إكراهاتِ حدودِها الجسدية وأطرِ واقعها الماديةِ.

ولعل في هذا ما منحَ «الفيسبوك»، وغيرَه من فضاءات التواصل الاجتماعي الأخرى، صفةَ المؤسَسة الما بعد حداثية التي تَمنح مستخدِميها فرصةَ أن يكونوا أحراراً في صناعة ذواتهم بذواتهم، وأن يعودوا إلى السكن فيها، وذلك عبر سبيلِ تمكينهم من فرصة «تسويق» معطياتهم الشخصية وتبادلها فيما بينهم بأريَحيةٍ كبيرة. إلا أن ملاحظةَ ما آل إليه أمر استخدام هذه الوسائط قد طرحت على الباحثين سؤالاً حول إمكانية تحولها إلى فِخاخٍ يقع فيها مستخدموها وتخفي عنهم مشكلاً ثقافياً صورته الكبرى هي تنامي ظاهرة تعرية الذات بكل أسرارها ونواياها، بل والتلاعب بها. وفي هذا الغرض تتبع جيل ليبوفتسكي في كتابه «عصر الفراغ: مقالات عن الفردية المعاصرة» (غاليمار، 1983) مراحلَ تحول الإنسان في التاريخ وحدَدها بثلاثٍ كبرى وهي: مرحلة إنسان «الهوموسابيان»، ومرحلة إنسانِ «الهوموفيبر»، ومرحلة إنسانِ «الهومونرسيسوس». كما نشر مارتن موراند مقالاً بعنوان «الفيسبوك هو مِرآتك» (سيميوزيس، 2018)، وكتب جوناثان دودي «فلسفة السيلفي» (مجلة فيلسوف، 2016). وستحاول مقالتنا الاستفادةَ من آراء هؤلاء ومناقشتها وهي تدرس مسألةَ انحراف «الفيسبوك» عن مسار وظيفته التواصلية الاجتماعية صوبَ وظيفة تسطيح الذات وتعريتها أمام الآخر.

ذوات افتراضية
الحقيقة أن «الفيسبوك» ليس مرآةً لوجهِ مستخدِمه كما جاء في عنوان مقال مارتن مورَاند المشار إليه سابقاً، وليس صفحةً صقيلةً تنعكس عليها حقيقة المواطن كما تتوهم السلَط الأخلاقية والسياسية، وتحرص ـ جراء ذلك ـ على التجسس على صفحات أتباعها ومواطنيها لتعرف حقائقَهم التي يخفونها عنها. ذلك أن المِرآةَ إذ تعكس صورةَ المرءِ تعاكِسه؛ فهي تكشف له مواطنَ اعوجاجه التي يسعى إلى إخفائها، وتقول له: هذه سوءاتك، وتحرِضه، على حدِ ما يقترح «كتاب العظمة» (الزوهار) في تأويله لوظيفة المرآة، على إصلاح اعوجاج أحواله هو لا على إصلاح حالتها هي عندما تنعكس عليها صورته. بينما تنصبّ وظيفة «الفيسبوك» على إغراء الفردِ بإخفاء حقيقة ذاته، فهذا الوسيط الاجتماعي العظيم يجعل الذاتَ تفيض بكل مراغبها خارج حدودِ جسدها، أعني: خارج حدود نَقصِها، إنها تفيض لتجرِفَ سلطاتِ المنع المادي والرمزي، ولتجرفَ معها حقيقتَها هي نفسها. وإذاً، ليس الفيسبوك مرآةً يرى فيها الناس حقائقَهم، وإنما هو برمجية تمكِن هؤلاء من كل الوسائل التقنية والمبرِرات الإتيقية ليتلاعبوا بحقائقهم من أجل أن يصنع الواحد منهم حقيقةً له أخرى واهمةً وانفعاليةً يروم من ورائها إثارة الضجة (البوز buzz) حوله وإشباع غروره ونرجسيته. وهذا ما حاول تقصيه جيل ليبوفتسكي الذي ذهب إلى اعتبار أن «أسطورة نرسيس» هي الأسطورة المؤسِسَة لمجتمعات ما بعد الحداثة، وخاصة لمجتمع القرن الحادي والعشرين، ويرى أن إنسان «الهومونرسيسوس» Homo Narcissus «مهووس بذاته في بحثه عن تحققِه الشخصي وعن توازنه»، بمعنى أنه حين ينظر إلى نفسه في شاشة هاتفه أو حاسوبه، إنما هو في ذلك شبيه بنرسيس وهو يتملى ملامحَ وجهه المنعكسة على سطح الماء (لن أعفي هنا جيل ليبوفتسكي من سؤالي: هل يتملى إنسان الفيسبوك ملامحَ وجهِه أم يتملى ما يتمنى أن تكون عليه ملامح وجهه؟ إني لَأَجِد وجاهةً تأويليةً في ما ذهب إليه الفرنسي فابريس ميدال Fabrice Midal وهو يعيد قراءة أسطورة نرسيس، حيث يؤكد أن نرسيس لم يكن وَلهانًا بانعكاس صورته على الماء وإنما كان يبحث في الماء عما ينقصه، كان يبحث عن شبيهه: أي عن صورة شقيقته المتوفاة التي يحبها، كان يبحث عما يعيد له وحدَةَ كينونته، وباختصار كان يبحث عن المستحيل، وهذا ما صنع أسطورتَه»).

الظل والتجلي
وفي هذا الشأن، يؤكد مارتن مورَاند في مقاله المنشور بـ«سيميوزيس» أن ما نقوم به عبر السيلفي (Selfie) والتعليقات والمشاركات ونشر التجارب الشخصية في الفيسبوك أو الواتساب أو الأنستغرام، إنما هو أمر يفسر نزوعَنا إلى الخروج من حيز الظل والصمت والهامش إلى حيز التجلي حيث يستطيع الآخر أن يرانا بكل «مِشمِشِنا»، فيغرَم بنا ويحبنا. ولعل في ذلك ما يفسر حرصَنا على أن«نَعرِضَ على الآخرين صورةً لنا جميلةً، ومثيرةً للاهتمام. لقد ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي لتجعلنا نسلِم لها أنفسَنا دون شروط ودون حدود، وذلك في إطار لعبة التسطيح المتبادل. فنحن لم نعد محصورين، بفضل هذه الوسائط، داخل أجسادنا الخاصة التي يمكن لها أن تخوننا وتفضح حقيقتنا عندما يراها الآخر، على حين غرة، ضمن مشهديات واقعية نعيشها ولا نملك فيها إلا أن نكون طبيعيين: غاضبين أو غير ودودين أو حتى مهزومين. صار بإمكاننا الآن أن نأخذ الوقت الكافي لبناء مكونات هويتنا الشخصية الافتراضية ورسم صورة عن الذات ملائمة لما نرغب في أن نكون عليه، يعني أن نقدِم للآخر الصورةَ الأمثل لذواتنا بفضل تقنيات تصفية (فلترة) الصورة قبل نشرها. إن لعبة الخداع التي يبيحها الفيسبوك تمنحنا مجالاً كبيراً لتحقيق تلك الرغبة الغامضة في أن نجلب انتباه الآخر إلينا. من هنا تتأتى تلك الراحة التي نشعر بها في الفيسبوك؛ فنحن فيه أكثر حقيقيةً من حقيقتنا، وأكثر مثاليةً مما نحن عليه في الواقع: فهوِيتنا على السِيرفَر (Server) أكثر واقعيةً من وجودِنا الجسدي الباهتِ ».
والواضح في ما انتهى إليه مقال مارتن مورَاند من أن «هويتنا على الفيسبوك أكثر حقيقية من وجودنا الواقعي» هو أنه أمر ضديد أصلاً لطبيعة حضورنا الفيسبوكي. فهل الفيسبوك فضاء افتراضي بالفعل؟ أجيب بأن ذلك ربما كان كذلك في مرحلة فكرته الأولى، أما وقد استشرى في معيش أهل البسيطةِ فإنه صار فضاءً حقيقياً تسكنه ذوات افتراضية: صار فضاءً حقيقياً للمَسخِ. وإذا كان مارتن موراند وسلافوي جيجيك وغيرهما قد وجدوا في الذات الفيسبوكية ذاتاً حقيقيةً وبلا أقنعة عكس ما هي عليه في الواقع، فإنه بات ضرورياً أن أقرَ هنا بأن الفيسبوك قد نجح نجاحَين: نجح في إقناعنا بأحقيته في الحضور في حياتنا فصار حقيقةً، ونجح في مَحوِ وجودِ حقيقتنا فصرنا افتراضيين، إنه قد حولنا فيه إلى كائنات سوريالية، بل إلى كائنات مشبَعَة بالغرابة والعجبِ واللامعقول، لا بل إلى مجاذيبَ، حتى صرنا فيه كما لو أننا من أهلِ الخطوة في المتخيل الصوفي: من ذلك أن قدرتَنا على بناء علاقات مع الآخرين قد تجاوزت الرقمَ مئةً وخمسين الذي حدده الأنتروبولوجي البريطاني روبين دَنبَار (1947-،) لتبلغَ في الفيسبوك الرقمَ خمسةَ آلافٍ، غير أنها تظل علاقاتٍ من طبيعةٍ ذواتنا الفيسبوكية، أعني علاقات غير مستقرة، ومترجرجة، وليس لأغلبها مستقبل. وككل علاقة لا تملك مستقبَلاً، يكثر الانتحار العلائقي الفيسبوكي، وتكثر جثَث قتلاه، وهو ما صيَرَ هذا الفضاء الافتراضي ساحةً لحروب ضارية تصفِى فيها الذات حساباتِها الشخصيةَ مع الآخَر سواء بانتقاده أو بالتشهير به.

وَحشِية رائعة
الآخَر الوحيد الذي يسعى إلى أن يحمي نفسَه من إمكانية التشهير الفيسبوكي هو الحكومات برجالاتِها وجيوشِها وأمنِها وعقائدِها وخدامِها الثقافيين. ذلك أن أغلب الحكومات قد وضعت بنفسها، ولنفسها، قوانينَ تجرِم النيلَ من سمعتها في فضاءات التواصل الاجتماعي. وعدا الحكومات، فكل نَفسٍ فيسبوكية ذائقة تجربةَ الحب أو الكراهية، والنقد أو الانتقاد، والمدحِ أو التَشهيرِ. وهي تتحرك في هذا الفضاء وتتفاعل مع مستخدِميه محكومةً في ذلك بطبيعة تجاربها الشخصية وبنوعية علائقها الواقعية بالآخرين في معيشها اليومي، غير أنها تظل دوماً ذاتاً تاريخيةً مؤقَتةً، تقف على حافة المَحوِ الذاتيِ أو الآخَرِيِ، وإذ تمحَى (بإمكانها مثلاً أن تغلِق صفحتَها أو أن تحذَفَ من صفحات الآخرين) لا يبقى منها شيء في المستقبل. وربما بسبب هذا الوقوفِ على حافة المَحوِ، صارت الذات الفيسبوكية ذاتاً انفعاليةً أهملَها التاريخ، ذاتًا واهنةً وممتلئةً بهاجسِ تصفية حساباتها مع الآخر قبل وقوعها في العدم، سواء أكان ذلك بإعلانها الحبَ عليه أم بإعلان كراهيتِها له.
عليّ أن أشيرَ في هذا المَوضِع إلى أن الحب الفيسبوكيَ، ما لم يخرج إلى الواقع، فإنه يظل بارداً وسجينَ الكهرباء: تنقَطِع هي فينقَطِع هو. إنه بالتوصيفِ مجرَد إعلانِ حبٍ من طرف واحد. إن حبَ الآخَر في الفيسبوك مجرَد وَهمٍ سائلٍ يجري دوماً مَجرَى الكذبِ الأخضرِ. وإن كلَ ما يحدث في الفيسبوك إنما هو واقع على حَبلَي الحب والكراهية: إما حب الذات الفردية أو الفئوية أو الحزبية أو العرقية أو الدينية، وإما كراهيتها. والحق أنه ليس للذات الفيسبوكية وقت فارغ لتهدره في حب الآخَر، لأنها مشغولة دوماً بحبِ نفسِها وشغوفة بذلك كل شغفها، ذاتها هي محور حبِها الحقيقيِ، إن كل غايتها هي أن تتجمَل لتجلب انتباه الآخر إليها، ولتوقِع به في شَركِ حبِها، وتحتفي بذاتها فيه، تفعل ذلك بأسلوب هو من التحرشِ نوع طَرِي. ولأنها تبذل كل جَهدها من أجل أن يحبَها الآخر فإنه لم يبق لها بسبب ذلك أي طاقةٍ على أن تحِبَ ذاك الآخرَ. ومن ثَمَ صار ممكِنًا أن تكرهَه. والآكَد أن الكراهية في الفيسبوك ليست بَذخًا علائقيًا، إنها، متى بلغت لحظةَ تحققِها، اضطرار مَحض. لقد تنبَه ميشال فوكو، وسار مسارَه فيما بعد كل من جيل دولوز وأنطونيو نيغري، إلى أن المراقبةَ (والرقابةَ أيضاً) هي الكيفية المثلى التي ستلتجئ إليها الديمقراطيات المابعد حداثية لتنظيمِ اشتغالِ مؤسَساتِها وتسييرِ شؤون أفرادها. غير أن المتَحقِقَ من سياسات تلك الديمقراطيات منذ النصف الثاني من القرن العشرين إلى الآن ينبئ بأن المراقبةَ أشد إيلاماً للحضارةِ من السجن.فإذا كان السجن يكتفي بعزل مجموعات صغيرة من الناس عن الحياة العامة لشعوبهم فإن الرقابةَ تفَتِت جسدَ تلك الشعوب، وتشظيه، بفضل ما تبث لها من عيون بشرية وربما وجدت الذات، بسبب كل هذا واستمراره، فرصتَها في الفيسبوك لتتمرد على أعوان الرقابة (يتجلى هذا بوضوح في لجوء الشعوب إلى الفيسبوك خلال انتفاضات الربيع العربي للتنديد بوحشية أنظمتها الشمولية)، ولتحرِرَ فيها دفاعاتِها الطبيعية: الحق في الكراهية، لأن الكراهيةَ، كالحبِ، حق طبيعي لا تملك الدولة أو الأعراف أو العقائد أمرَ منعه. وهي، وإن بدت لنا وَحشِيةً، فإنما هي ذاك «الوَحشي الحر والرائع» في الإنسانِ، إنها القوة التي تحارِب بها الحضارة الناسَ في السِرِ، وتعلِن عليها الحربَ في العلانية. الذات الفيسبوكية ذات تحب أن تكرَه.

الكائن المخادع

ربما يكون في هذا الغرور، وفي هذه النرجسية، ما يحقِق للفرد ما يشتهي أن تكون عليه ذاته في أعين الآخرين؛ كأن يختار له اسماً مستعاراً، وينشر أخباراً عن رحلاته إلى سافانا أفريقيا وهو جالس في بيته أمام الحاسوب، أو أن يضَع لصفحته صورةَ شابٍ وسيمٍ ليخفي عن الناس أنه كهل في الخمسين يحمل وجهه آثارَ معارِك أجداده الفاشلةِ مع الزمن، أو أن يختار له ما يشاء من الوظائف الاجتماعية ليداري مَقتَه لمهنته المتعِبة، أو ينتقي مدينة من أجمل مدن العالَم ليعلنها مكانَ إقامته والحال أنه يقيم بأسوأ حيٍ في أسوأ مدينة لأسوأ دولة تقع في أسوأ قارة بأسوأ كوكب من كواكب هذا الكون الكبير. تكمن قوة الفيسبوك في تحويلي إلى كائنٍ يضحك بذاته على ذَقنِ ذاته، بمعنى أنه يجعل مني كائنًا يخادِع نفسَه بمحضِ إرادته ويدمِن ذاك الخداعَ: يدمن صناعةَ أسطورتِه الشخصيةِ. لكأنه يقول لي: «اِكذِب حتى أعرفك»، بل أكاد أسمعه يخاطبني بلسان عربي: «إنك لا تكذب وإنما أنتَ تتجمل فقط».

اقرأ أيضا