عربي ودولي

الاتحاد

مشاورات أميركية - بريطانية حول بدء حوار مع الإخوان المسلمين

نيويورك-أحمد كامل:
لا تزال قضية الحوار بين الولايات المتحدة والمنظمات التي تسمى 'منظمات الإسلام السياسي' تخضع لحوار يتسم في أحيان كثيرة بقدر من التشنج في الولايات المتحدة، ورغم أن هذه القضية تعرضت لشد وجذب ملحوظين في الأعوام القليلة الماضية إلا أن تطوراً جديداً طرأ في الآونة الأخيرة ليؤدي إلى نقلها إلى درجة أعلى من الإلحاح في واشنطن· فقد تلقت الولايات المتحدة مذكرة بريطانية تسربت إلى دورية 'نيو ستيشان' أوضحت أن لندن بدأت بالفعل توسعة حوارها مع منظمة الإخوان المسلمين في مصر وأن هذه الاتصالات تدار بحذر حتى لا تؤدي إلى استياء الحكومة المصرية، وأكد مسؤول بريطاني -لم يُنشر اسمه- للصحيفة صحة الوثيقة التي نشرت في فبراير الماضي·
وتوصي الوثيقة بتعزيز 'مدى ووتيرة ومستوى الاتصالات مع البرلمانيين من الإخوان المسلمين بصفة خاصة ولاسيما الأعضاء في لجان البرلمان المصري'، وأضافت الوثيقة أنه ينبغي 'حث الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على اتباع نفس الأسلوب'·
والسؤال هنا: هل ستتبع الولايات المتحدة في ظل الإدارة الراهنة نفس الأسلوب حقاً؟ وللسؤال ما يبرره في حقيقة الأمر، فبينما نجحت حركة حماس مثلا في الوصول إلى موسكو فإن ما يواجهها في واشنطن هو رفض كامل، وتصنيفات إرهابية تنفرد بها الولايات المتحدة ولا يشارك فيها الأوروبيون على الرغم من اعتراضهم هم أيضاً على برنامج حماس، فهل سيؤدي الموقف البريطاني والـ'حث' الذي ستقوم به لندن، إلى تعديل موقف إدارة الرئيس بوش·
الإجابة على هذا السؤال تتوقف على أمرين، الأول هو مدى تماسك الموقف البريطاني في هذا الصدد وما إذا كان الحوار بين لندن والإخوان المسلمين سيقنع واشنطن 'باتباع نفس الأسلوب'· والثاني هو خريطة القوى الأميركية التي يمكن أن تؤثر في دائرة اتخاذ القرار بصدد قضية من هذا النوع·
حوار قديم
ويقتضي الأمر فحص بقية أجزاء أخرى من الوثيقة البريطانية لبحث مدى تماسك هذه السياسة، ذلك أن الوثيقة تكشف أن حوار الحكومة البريطانية والإخوان بدأ في العقد الماضي إلا أنه توقف تقريبا في عام 2000 بضغط من الحكومة المصرية، وتقول الوثيقة 'منذ عام 2000 كانت اتصالاتنا مع الجماعة قليلة للغاية'·
وتوضح مذكرة أرسلها سفير لندن في القاهرة، ديربك بلمبي أن هذه السياسة لا تحظى بدعم كل تيارات مؤسسة السياسة الخارجية البريطانية، إذ يقول بلمبي 'انني ألحظ ميلاً منا للانزلاق نحو الحوار من أجل الحوار، وللخلط بين الاتصال بالعالم الإسلامي والاتصال بالحركات الإسلامية'·
وأضاف السفير في المذكرة المؤرخة 23 يونيو 2005 والتي نشرتها الصحف البريطانية والأميركية 'إذا ما ضغطنا لتقنين جماعة الإخوان المسلمين كحزب سياسي أو إذا ما تعاملنا نحن معها بصورة مباشرة فإن ذلك يمكن أن يخيف كل الجياد (لم يوضح السفير ما المقصود بالجياد)· وإذا كان الأمر هو معرفة أمور أكثر عن كيان مثل الإخوان المسلمين فإن هناك سبلاً أخرى لتحقيق ذلك بالإضافة الى الاتصال بهم'· وكان السفير حذراً فيما يبدو من استخدامه، كلمة 'بالإضافة' وابتعاده عن عبارة 'بدلاً من' الاتصال بهم·
بناء الجسور
ويبدو من ذلك أن هناك بالفعل بعض المعارضة لدعوات بناء جسور بين الحكومات الغربية وحركة كبرى ومؤثرة مثل حركة الإخوان المسلمين· رغم ذلك فإن بريطانيا -بحكم خبرتها التاريخية في الشرق الأوسط- قد تكون الأقل تشدداً في هذا المضمار، تليها في ذلك الدول الأوروبية الأخرى، أما الولايات المتحدة فإنها تأتي في نهاية القائمة·
يبدو ذلك واضحاً من إلقاء نظرة على طبيعة القوى التي تؤثر في عملية اتخاذ القرار المتعلق بهذا الأمر في واشنطن، ذلك أن 'المحترفين' في وزارة الخارجية لا يمتلكون الآن سوى حصة -قد تكون أقل من حصة غيرهم- في هذه العملية، إذ تأتي قوى أخرى أبرزها مكتب نائب الرئيس 'ديك تشيني' وطاقم الأمن القومي وجهاز المخابرات العسكرية التابع للبنتاجون·
فخلال العام الماضي قام وفد من 'الشخصيات العامة غير الرسمية' من كل من الولايات المتحدة وبريطانيا بعقد اجتماعات مع ممثلي حركة حماس بقيادة 'موسى أبومرزوق'، وكان الوفد يضم مسؤول المخابرات البريطانية السابق في الأراضي الفلسطينية اليستر كروك ومدير محطة المخابرات المركزية الأسبق في الخرطوم ميلتون بيرون ومسؤول الوكالة المتقاعد الذي يعمل الآن بمركز 'راند' للدراسات جراهام فوللر والباحث في مؤسسة سلام الشرق الأوسط الذي سبق أن عمل في مجلس الأمن القومي الأميركي 'جيفري ارنسون'، وأحد ضباط المخابرات المركزية السابقين 'مارك بيري' والمحامي الأميركي المهتم بقضايا الشرق الأوسط فريد هدف والأكاديمية الايرلندية بيفرلي ميلتون·
وعقب لقاء تم في بيروت في مارس الماضي رفع الوفد الأميركي-البريطاني مذكرة مفصلة إلى كل من وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي أوضح فيها تفصيلات ما نوقش مع أبومرزوق والوفد المرافق له وتضمنت المذكرة مداخلة قوية تدعو إلى توسعة الحوار مع حماس وإلحاق جماعات أخرى مثل الإخوان المسلمين·
وتردد في واشنطن آنذاك أن مسؤولين كبارا في وزارة الخارجية، يرون ضرورة إجراء هذا الحوار، بل قيل ان اتصالات بين واشنطن والإخوان المسلمين في مصر بدأت بالفعل إلا أن الجانبين أصدرا نفياً لذلك، وفي كل الأحوال فإن مذكرة الوفد أثارت عاصفة في أماكن أخرى، فقد قيل لكروك وفاولر من قبل مسؤولين في مجلس الأمن القومي ان عليهما 'اغلاق هذا الملف'، فيما بدأت المنظمات ذات الصلة باسرائيل وتلك التي تحمل مواقف دينية متشددة هجوماً عنيفاً على محاولة تأسيس اتصال مع 'الارهابيين'· وردت الجماعة الداعية إلى توسعة الحوار بأن الإخوان المسلمين ليسوا منظمة ارهابية طبقاً للتصنيف الرسمي الأميركي، وأن الانتخابات النيابية الأخيرة في مصر أوضحت مدى تأثيرها، وأن ذلك ينبغي أن يقود بالتالي إلى الاقرار بوجودها ومن ثم التعامل معها 'على نحو ما'·
أما في حالة حماس وحزب الله فقد كان الأمر أصعب كثيراً، إذ أنهما مدرجان بالفعل على قائمة الإرهاب، ثم انهما يتماسان مباشرة مع أمن إسرائيل، ومن ثم يواجهان معارضة شرسة من قبل جماعات بالغة النفوذ والتأثير في الولايات المتحدة·
ويبدو مما يقال الآن في واشنطن أن الضغوط البريطانية والواقع الفعلي في مصر أخذا يتركان تأثيراً متزايدا في العاصمة الأميركية التي يتردد بالحاح -رغم عدم وجود أية أدلة مؤكدة على ذلك- أنها 'على اتصال' بالإخوان المسلمين في مصر بطريقة ما، غير أن هذه الاتصالات -إذا صح وجودها من الأصل- لا تزال في مرحلة جنينية ذلك أنها لا تواجه المتشددين في الولايات المتحدة فحسب، وإنما تواجه أيضا معارضة حادة من الحكومة المصرية التي تحرص الولايات المتحدة على تجنب اغضابها·
إلا أن غياب الاتصالات الأميركية أو كونها اتصالات جنينية، أمر لن يستمر طويلاً بالرغم من المعارضة لتوسعتها أو لبدئها إن لم تكن بدأت، ذلك أن الإدارة الحالية لن تستمر بعد عام ،2008 أما الواقع الفعلي على الأرض في منطقة الشرق الأوسط فإنه سيستمر إلى ما بعد هذا التاريخ بطبيعة الحال وتغيرات هذا الواقع باتت معروفة للجميع·

اقرأ أيضا

مسؤولة طبية بريطانية: إجراءات الإغلاق قد تستمر شهوراً