عربي ودولي

الاتحاد

على خطى رولفس الطريق إلى لبدة الكبرى

حسن ولد المختار:
حين تحركت أخيراً دواليب سيارة التاكسي ذات اللونين الأصفر والأبيض، وتنفسنا الصعداء، بعد طول انتظار لتأخر تمام عبوة الركاب المقررة في محطة ميدان بورقيبة، خاض السائق في مناورة مرورية واسعة اقتضت منه أن يدور دورة شبه كاملة على مدينة طرابلس القديمة، الجاثمة على يميننا كالقلعة المرتفعة، والتي لا يفصل سورها العثماني المظهر، مع ذلك، للمفارقة، عن مياه البحر الأبيض المتوسط سوى إسفلت الشارع المبلل الزلق· وحين أكملنا دورتنا تلك كانت الساحة الخضراء على يميننا، في حين وجدنا أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة أمواج البحر الفاترة، وكورنيش المدينة ومينائها على يسارنا دفعة واحدة، ودون سابق مقدمات· وبسرعة انسربنا بصعوبة وسط الهرجة والزحام، مع طريق الشط، لندخل، شيئاً فشيئاً، وبما يشبه الرقصة الزنجية الرشيقة، الطريق الساحلي السريع المتجه شرقاً، في طريقنا إلى مدينة الخُمس، التي تجثم إلى جانبها مدينة لبدة التاريخية مقصدنا اليوم، والتي تبعد من هنا سير ساعة وربع، أي 105 كلم، تقريباً· وعندها ودعنا نهائياً طرابلس الغرب -تلك المدينة الفينيقية التي كانت تسمى عند تأسيسها 'أويا'، وستسمى لاحقاً في العهد الروماني إضافة إلى مدينتي صبراتة غربها، ولبدة شرقها، بإقليم: طرابلس: (تري بولي): أي بلاد 'المدن الثلاث'· وبعد صخب المدينة وزحامها، وجدنا أنفسنا وجهاً لوجه مع البحر، بصفة شبه دائمة على اليسار، وكانت النسمات الخفيفة التي تهدهدنا في هذا الوقت المبكر نسبياً من الصباح، تدعونا، لأن نستعد من الآن لرحلة مُمتعة، أقول 'ممتعة' على رغم سقوط أشعة شمس الصباح على وجوهنا تقريباً، بشكل مستمر· إلا أن عدم وجود مدينة كبيرة على طريقنا، يطمئن من يحب البحر تقريباً، وعلى كل حال، بأنه لن يواجه غابة إسمنت تحول بينه وبين الشاطئ!
كانت منطقة غوط الرمان الخضراء أول ما استقبلنا خارج المدينة، وبعدها أخبرتنا إحدى اللافتات فجأة بأننا دخلنا الآن بلدة القربوللي، وكان هذا الاسم الذي يبدو عثمانياً في حد ذاته دعوة أخرى للرجوع مع الزمن، لكن هذه المرة لقرنين فقط، وتحديداً لتذكر أيام القرمانيين بقيادة يوسف باشا القرماني، زعيم طرابلس الغرب وواليها المشهور، الذي عرفت ليبيا في أيامه بداية تحديث شبيهة بما حدث في مصر مع محمد علي باشا· عند هذه النقطة من الرحلة لا أعرف شخصياً، ما الذي ذكَّرني تحديداً برحلة الرحالة الألماني 'رولفس' الذي وصف بشكل عجيب، وببلاغة تقصر دونها لغة الوصف، هذه الأماكن التي نمرُّ بها الآن، في رحلته الاستكشافية من طرابلس إلى لبدة في مطلع ستينيات القرن التاسع عشر· كان 'روفلس' يسافر في 'موكب'، ولا أقول 'قافلة'، من ثلاثة جِمال تقريباً، وكان بصحبته دليل وخادم وبوصلة وكتب جغرافية وآثارية، وأيضاً كان مُسلحاً بنوايا يعطي الانطباع بأنها مطابقة لـ'نفس' الشاعر بابلو نيرودا في بيته الشهير: 'مهجورة نفسي كذاكرة الراهب، في اليوم الأغر·· مقفرة كأرصفة الميناء عند الفجر'!
كان 'رولفس' يتظاهر بأن الغرض الحقيقي من رحلته هو فقط الوقوف على ما تبقى من آثار رومانية عزيزة على قلبه في مدينة لبدة الكبرى، في حين أنه كان يتدرب عملياً على سفر آخر أطول سيشق به الصحراء الليبية لاستطلاع أحوال إقليم فزان بجنوب البلاد، وللوصول بعد ذلك حتى مصب نهر النيجر عند المحيط الأطلسي في نيجيريا الحالية، لكي يقدم للجهات المعنية في برلين تقريراً عن أحوال هذه البلاد، عله يعوض بذلك تأخر الألمان عن الإنجليز والفرنسيين في استكشاف القارة الموعودة، هذا إضافة إلى مهمة أخرى إضافية هي أن يتسقَّط الأخبار عن المصير المفجع الذي لقيته الرحالة الشهيرة الآنسة 'تينا' في مجاهل الصحراء الكبرى، على أيدي مجهولين، في ذلك الوقت·
حين خرج 'رولفس' في سفرته تلك كان في وداعه حتى نهاية مدينة طرابلس عدد كبير من أعيان الجالية الأوروبية المقيمة في طرابلس يومذاك· وكان حريصاً بشكل خاص على أن يبرز لأي كان كتاباً من الباب العالي في الأستانة فيه توصية خاصة بتسهيل مهمته 'البحثية'· أما نحن في رحلتنا اليوم، فقد خرجنا من طرابلس دون ضجيج، ودون حشد من آنسات باليرمو وبلاد الغال، ممن يحسنَّ بشكل خاص رقصة 'الفالز' الشهيرة في القرن التاسع عشر، كما أننا فقط عابرو سبيل، وفي عربة مواصلات عامة·
وبسرعة توالت أمامنا مشاهد وأسماء البلدات الصغيرة الجميلة، كالعلوص، وقصر الأخيار، وكانت مغارس الزيتون بشكل خاص، والمزارع حسنة التنسيق عموماً، تشكل جزءاً لا يتجزأ من مشهدية هذه الأصقاع، أما ما تثمره الأرض هنا، فتخبر عنه باستفاضة محتويات صناديق الباعة المحليين المعروضة في الهواء الطلق، على جنبات الطريق، كيفما اتفق· ويتقدم المشهد هنا طبعاً زيت الزيتون برائحته الزكية المنبعثة بقوة من المعاصر الكثيرة، على جنبات الطريق، والتي تؤكد بطريقتها الخاصة جداً، أن زيت هذا الجزء من الضفة الجنوبية للمتوسط، لا يعلى عليه، بكل بساطة·
وعندما ارتقينا بصعوبة الطريق المتلويِّ الصاعد مع بداية مرتفعات المرقب، كان البحر على يسارنا دائماً، يظهر ويختفي، تماماً على طريقة 'الذئب' في عنوان قصة الروائي المغربي محمد زفزاف· وبعد وقت قليل انعطفنا عن الطريق الساحلي إلى اليسار، لنجد أنفسنا في مدخل مدينة لبدة الكبرى، في مواجهة مياه البحر مباشرة· وكان في استقبالنا رأساً تمثال ابن المدينة الإمبراطور الروماني سبستيموس سويروس الذي حكم روما (193- 211)، وكان اللقاء بلا ميعاد، وبدأت فصول الحكاية·

اقرأ أيضا

سلطنة عمان تسجل 27 إصابة جديدة بـ"كورونا"