عربي ودولي

الاتحاد

أيام تحت جناح الألب الجنوبي

علي كنعان:
لم تختلج في خاطري يوما ما فكرة السفر إلى إيطاليا، ولا أعرف السبب الحقيقي لذلك·· إلا أنها جارة لنا، وكاتب هذه السطور ليس من عشاق بنات الجيران، ولعل الفضل في ذلك نابع من تأثر مبكر بعفة الشاعر عنترة العبسي:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
لكن دعوة من معرض عالمي للطيران في مدينة تورينو الإيطالية، في صيف ،1972 تلقتها مؤسسة الوحدة للصحافة والنشر في دمشق، كانت من نصيبي· ولعل أجمل ما في ذكريات تلك الرحلة أنني كنت في صحبة كبير الطيارين في الشركة السورية يومئذ الكابتن موفق تيناوي· وما زلت أحتفظ في ذاكرتي وبين أوراقي العزيزة بطرائف شتى من أحاديثه الظريفة الممتعة·
مررنا بروما عابرين إلى تورينو، عاصمة الشمال الغربي في إيطاليا، وهي مدينة قديمة يرجع تاريخها إلى ما قبل الرومان، وتعد رابع مدينة إيطالية من حيث الضخامة، لكنها الأولى في صناعة المركبات والمطاط والنسيج· ويزهو أهلها بأنها عاصمة العالم في فن الباروك المعماري· لم يشغلني كثيرا مهرجان الطيران وألعابه البهلوانية· والسبب يعود إلى خوفي من الأجواء، ومعاناتي المزمنة من رهبة المرتفعات، رغم محاولاتي الدائبة لتخطي تلك الحالة أو التآلف معها·
لكن المدينة المطمئنة عند التقاء نهري بو ودورا، لدى طرف الألب الجنوبي، تمنح الزائر متعة خاصة وهو يطوف بين صروحها العمرانية المتميزة وقرميدها الوردي البهيج· خمسة أيام لا تنسى، ولا سيما أن إحدى سهرات العشاء أتاحت لنا فرصة تاريخية نادرة، إذ التقينا بسيدة قد تجاوزت الخمسين من عمرها راحت تحدثنا عن تلك التجربة الفريدة التي عاشتها في صحبة الزعيم اليوغوسلافي تيتو خلال سنوات المقاومة ضد الاحتلال النازي· الذاكرة التي شاخت لم تعد تحتفظ باسم تلك السيدة الرائعة التي عرفتها شعاب الجبال وكانت مسؤولة عن التموين في حركة المقاومة· لكن حديثها عن المخاطر التي مرت بها ما زال حيا متجددا· وهي تذكر بمودة واحترام ذلك المارشال اليوغوسلافي الذي كان قد امتاز عن أقرانه في الكتلة الشرقية بأنه لم يخضع لهيمنة ستالين· بعد الاكتفاء من مشاهد الطيران، كان هناك يوم خاص بجولة في مصنع السيارات· أعددت نفسي للسير ثلاث ساعات، في أقل تقدير، بين أجنحة ذلك المصنع الأوروبي الكبير· لكني فوجئت أن الجولة ستكون داخل سيارة مغلقة الأبواب، وكان علينا أن نكتفي بالفرجة من وراء زجاج النوافذ· لماذا؟·· تلك هي شروط الأمان، وربما حفاظا على سر الصنعة·
يشكل المصنع مدينة واسعة، كل شارع من شوارعها مخصص لجزء من السيارة: هذا لجسر القاعدة، وذاك لجسر العجلات، ثالث للهيكل، رابع لغطاء المحرك، خامس للصندوق الخلفي، سادس للأبواب وسابع لأقفال الأبواب·· إلخ· المهم أن تشاهد الأجزاء والقطع الخارجية، على اختلافها، ولا أذكر أننا شاهدنا جناح المحركات·· أو أننا مررنا به من بعيد، وهو أهم وأدق ما في تلك الصناعة· أمضينا نحو أربعين دقيقة، ثم عدنا ولم تكن الجولة أكثر من مشاهدة شريط سينمائي ليس فيه ما يستأثر بالنظر أو الاهتمام· ولعل المنظر الوحيد اللافت للانتباه والتأمل حركة أيدي العمال وهم يقومون بتركيب الأقفال وتثبيت البراغي، كانت حركة ميكانيكية سريعة ومتشابهة بين عشرات الرجال المنكبين على عملهم، وذلك ما يذكر بأحد أفلام شارلي شابلين المضحكة·
نهاية الرحلة كانت في روما حيث أمضينا يومين كانا فسحة مواتية لرؤية أهم معالم المدينة من الكولوسيوم، المسرح المدرج الذي يوقظ في الذاكرة أطياف سبارتاكوس ومصارعة المجالدين وقسوة الأباطرة وضراوة الوحوش الخارجة من حظائرها لتهاجم الضحايا الأبرياء ممن كانوا يطلقون عليهم لقب (البرابرة)!
وكانت شرفة موسوليني مشهدا آخر، حيث كان يلقي خطبه، لكن البهيج الممتع أن تقوم بزيارة الينبوع لتعرف طالعك، وأنت تلقي قطع النقود المعدنية في ماء (فونتانا دي تريفي) حيث يزدحم السياح من أطراف الأرض·
في ساحة إحدى الكنائس، ولعلها تحمل اسم القديس بولص، لفت نظري أن التمثال يحمل سيفا على غير عادة القديسين الآخرين· كانت إحدى الجميلات الأميركيات تتأمل العمل الفني الشاهق إلى جانبي ثم تدور حوله لتراه من جميع الوجوه· خطر لي أن أمد بيننا جسرا من المودة والحوار، عملا بنصيحة امرئ القيس: 'وكل غريب للغريب نسيب'، فسألتها: 'سيدتي، لماذا يحمل سيفا؟' لم تكلف نفسها الالتفات نحوي، إنما أجابت باقتضاب أشبه ما يكون بالصفعة: 'اسأله' لكن رفيقها بادر قائلا: 'هو من عندكم، من الشرق، أليس كذلك؟'
لم أكن ممن يستسيغون المعجنات في طعامهم· لكن وجبة الغداء وهي 'زباجيتي' إيطالية أصيلة كانت شهية، على غير العادة· ولعل الطبيعة الجميلة التي تمتاز بها تلك البحيرة المحاطة بالتلال، في ضواحي روما، هي التي زادت من طيب الوجبة وأعطتها مذاقا خاصا لتكون شبيها بمسك الختام·

اقرأ أيضا

مصر تسجل 103 حالات إصابة جديدة بـ«كورونا» و7 وفيات