قطر.. تنتحر

الاتحاد

بالأرقام.. المقاطعة تضـع اقتصاد قطر في «أزمـــة خـانقــة»

أحمد مراد (القاهرة)

بعد مرور أربعة أشهر، على صدور قرار الدول الداعية لمكافحة الإرهاب الأربع ــ الإمارات ومصر والسعودية والبحرين ــ بقطع علاقاتها مع قطر اعتراضا على تمويل ودعم النظام الحاكم في الدوحة للتنظيمات والجماعات الإرهابية، وتبنيه لسياسات عدائية وتخريبية تجاه دول المنطقة. وعلى مدى الأشهر الأربعة الماضية، عانى الاقتصاد القطري من خسائر فادحة ضربت مختلف مؤسساته وقطاعاته التجارية والمالية، الأمر الذي ظهر جليا في عمليات بيع الأرصدة القطرية في الخارج، وتراجع الودائع الأجنبية في البنوك القطرية، فضلا عن تخفيض التصنيف الائتماني لعدد من أبرز البنوك وشركات النفط والغاز والصناعة والعقارات في قطر.

وفي سطور التقرير التالي ترصد «الاتحاد» أبرز التأثيرات السلبية التي ضربت الاقتصاد القطري منذ بدء سريان قرار المقاطعة ضد الدوحة.

بعد مرور أسابيع قليلة على إعلان الدول العربية الأربع عن قطع علاقاتها مع الدوحة، خفضت العديد من وكالات ومؤسسات التصنيفات الائتمانية العالمية من مؤشراتها الخاصة بالتصنيف الائتماني لإمارة قطر، حيث خفضت وكالة «ستاندرد آند بورز» تصنيفها لديون قطر السيادية طويلة الأجل درجة واحدة من (AA) إلى ( ــAA )، ووضعتها على قائمة المراقبة الائتمانية ذات التداعيات السلبية، وهو الأمر الذي دفع البنوك القطرية إلى اللجوء لطرح سندات أو الاقتراض من بنوك آسيوية وأوروبية لتعويض الانكماش الكبير في السيولة لديها، خاصة أن تعديل النظرة المستقبلية إلى سلبية يتسبب في رفع تكلفة الاقتراض بالنسبة للحكومة القطرية أو للبنوك على حد سواء.

وأكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن الاقتصاد القطري تضرر جراء قطع الرباعي العربي لخطوط النقل مع الدوحة، وتوقعت أن يتباطأ النمو الاقتصادي القطري، ليس فقط من خلال تراجع التجارة الإقليمية، بل أيضا بتضرر ربحية الشركات بسبب توقف الطلب الإقليمي على منتجاتها، وضعف الاستثمارات، وتراجع الثقة في مناخ الأعمال.

وعلى الصعيد نفسه، خفضت مؤسسة «موديز» التصنيف الائتماني السيادي لقطر من «مستقر» إلى «سالب»، وذلك بسبب مقاطعة العديد من الدول العربية والإسلامية لقطر، مشيرة إلى ضعف المركز الخارجي للدوحة، والضبابية التي تكتنف استدامة انموذج النمو في السنوات القليلة المقبلة. كما خفضت «موديز» التصنيف الائتماني طويل الأجل لتسعة بنوك قطرية من «مستقر» إلى «سالب»، وأيضا خفضت تصنيف عدد من أبرز شركات النفط والغاز والصناعة والعقار في قطر، وشمل التخفيض شركة «راس غاز» المتخصصة في مجال الطاقة والغاز، وشركة «قطر للبترول»، وشركة «صناعات قطر»، وشركة «الديار العقارية»، و«شركة ناقلات» المتخصصة في النقل البحري. كما شمل التخفيض «مدينة راس لفان»، وهي منطقة صناعية ضخمة لتسييل الغاز الطبيعي وتصديره.

ورصدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني بعض التداعيات السلبية لقرار المقاطعة على الاقتصاد القطري، مؤكدة أن المقاطعة ترفع تكلفة التمويل على قطاع قطر المصرفي في أسواق الدين العالمية، موضحة أن سحوبات الودائع غير المحلية من البنوك القطرية أدت إلى ارتفاع تكلفة التمويل عليها بسبب اشتداد المنافسة على الإيداعات، مما سيضغط على هوامش ربحيتها، مؤكدة في الوقت نفسه أن التمويل والسيولة لدى البنوك القطرية تتعرض للضغوط بدرجات متفاوتة جراء نزوح الودائع غير المحلية.

خروج الودائع الأجنبية

واهتمت وكالة «بلومبرج» الاقتصادية الأميركية في أكثر من تقرير لها بالكشف عن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الأزمة التي تمر بها قطر حاليا بعد قطع العديد من الدول العربية والإسلامية العلاقات معها، وكشفت عن مرور الاقتصاد القطري بأبطأ وتيرة نمو منذ عام 1995، مشيرة إلى أن القوة الناعمة لشركة «الخطوط القطرية» للطيران بدت أكثر هشاشة، ولم تكن الأموال التي تحصلت عليها الدوحة خاصة من بيع الغاز الطبيعي، وناطحات السحاب، والفنادق، واستثمارات الشركات، ورعاية الفرق الرياضية الأكثر شهرة في العالم، لم تكن درعا لما آلت عليه حال شركة الخطوط القطرية.

وأكدت وكالة «بلومبيرج» أن المشكلة الكبرى لبنوك قطر تكمن حاليا في خروج الودائع، وفي حال لم تنفرج الأزمة ستكون الحكومة القطرية مضطرة إلى تقديم مزيد من الدعم، ما سيؤدي إلى مزيد من التراجع لجودة الأصول التابعة للبنوك.

الجدير بالذكر أن الودائع الأجنبية تشكل لدى البنوك القطرية 22 في المئة من إجمالي الودائع، التي هبطت بنسبة 7.5 في المئة، إلى 47 مليار دولار في يونيو الماضي، مقارنة بشهر مايو.

وكان بنك قطر الوطني قد كشف خلال تقرير صدر في وقت سابق،عن تراجع في عدد من المؤشرات المالية للمؤسسات القطرية، وعلى رأسها البنوك والشركات المدرجة في البورصة، حيث فقدت الشركات المدرجة في سوق الأسهم القطرية أكثر من 7 مليارات ريال من قيمتها السوقية ما يوازي 1.4 في المئة من القيمة السوقية للشركات الـ 45 المدرجة في البورصة، لتتراجع قيمتها دون 500 مليار ريال للمرة الأولى منذ الإعلان عن قرار المقاطعة في 5 يونيو الماضي.

ارتفاع تكلفة المعيشة

وفيما يتعلق بأسعار السلع الغذائية، كشف مؤشر أسعار المستهلك في شهر يوليو الماضي، عن ارتفاع كبير في تكلفة المعيشة في قطر، حيث قفز مؤشر السلع الاستهلاكية 4.2 في المئة على أساس شهري.

وفي ورقة بحثية نشرها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، وأعدها الباحث الاقتصادي، علي صلاح، رئيس وحدة التحولات الاقتصادية بالمركز، أوضحت أن المقاطعة أفقدت الاقتصاد القطري العديد من المقومات المهمة والمطلوبة للحفاظ على استقراره المالي، حيث أدت إلى هبوط كبير في أحجام أنشطة القطاعات التي تدر دخلا بالعملات الأجنبية، مثل الطيران المدني، والسياحة، إلى جانب تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر الوافدة إلى قطر، نظرا لتخوف المستثمرين من ظروف عدم الاستقرار التي قد تتعرض إليها قطر في ظل الأزمة، لا سيما على الأمد البعيد.

انخفاض العملة المحلية

ورصد الباحث الاقتصادي في ورقته البحثية بعض مؤشرات التأزم المالي التي ظهرت على الاقتصاد القطري منذ بدء سريان قرار المقاطعة ضد الدوحة، وجاءت هذه المؤشرات على النحو التالي:

أولا: انخفاض قيمة العملة المحلية، فمنذ بداية الأزمة شهد سعر صرف العملة القطرية انخفاضا غير مسبوق منذ سنوات طويلة، حيث ارتفعت قيمة الدولار مقابل الريال القطري من 3.6436 ريال لكل دولار إلى 3.6703 ريال لكل دولار، ما يعني تراجع قيمة العملة القطرية إلى أدنى مستوياتها منذ أكتوبر من عام 2008، وذلك وسط علامات على نزوح رؤوس أموال أجنبية ضخمة تابعة لصناديق استثمارية. كما تشير بعض التقارير إلى أن تدفقات العملات الأجنبية إلى قطر أصبحت أقل من مستوياتها الطبيعية، لا سيما بعد أن تراجعت تدفقات هذه العملات من الدول المقاطعة لقطر، وعلى رأسها السعودية والإمارات، وهو ما أجبر رجال الأعمال والشركات العاملة في قطر إلى البحث عن مصادر جديدة للحصول على العملات الأجنبية، وتعد هونج كونج هدفا لهم في هذا الصدد، ودفعت هذه المعطيات المصرف المركزي القطري إلى ضخ كميات كبيرة من الدولارات في السوق الفورية للعملات، لإبقاء أسعار الصرف تحت السيطرة. ثانيا: ارتفاع تكلفة التأمين على الديون، حيث شهدت الفترة الماضية ارتفاعا ملحوظا في تكلفة التأمين على الديون السيادية القطرية ضد مخاطر التخلف عن السداد، بعد خفض التصنيف الائتماني للبلاد بسبب الأزمة الراهنة، وقد وضعت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني تصنيف احتمالات تخلف قطر عن سداد الديون البالغ (AA) قيد المراجعة، استعدادا لخفض محتمل خلال الفترة المقبلة.

قلق في البورصة

ثالثا: شهدت البورصة القطرية حالة يمكن وصفها بالصدمة، فخلال الجلسة الأولى التالية لقرار المقاطعة فقد المؤشر العام للبورصة نحو 701 نقطة، وخلال الجلسة الثانية فقد 2388 نقطة إضافية، فتراجع إلى 8965 نقطة مقارنة بمستوى بلغ 9923.6 نقطة في اليوم السابق لقرار قطع العلاقات، وبذلك يكون المؤشر العام للبورصة القطرية قد فقد 9.7 في المئة من مستواه خلال جلستين فقط، وبالرغم من أن المؤشر شهد بعض الاستقرار في جلسات التداول التالية، إلا أن مستواه ظل بعيدا عما كان عليه قبل الأزمة.

وأكد الباحث الاقتصادي أن حالة القلق التي تسيطر على أوساط المستثمرين في البورصة القطرية حاليا، تدفعهم إلى تصفية مراكزهم المالية بها، تجنبا لفقدان رؤوس أموالهم، وهو ما يعني بيع ما يمتلكونه من أسهم، والبحث عن أسواق مالية بديلة، وقد بدا ذلك واضحا على المستثمرين الخليجيين خلال الأيام الماضية، الذين اتجهوا إلى نقل استثماراتهم إلى أسواق دولهم، لا سيما وأن نسبة كبيرة منهم تنتمي إلى الدول المقاطعة لقطر، ما يعني أنهم سيبقون خارج السوق القطرية، ومن ثم حرمانها من استثماراتهم طالما استمرت الأزمة.

تراجع أرصدة «المركزي»

وشدد صلاح أن استمرار الأزمة الحالية فترة زمنية طويلة يؤدي إلى أمرين مهمين يجعلان قدرة الاقتصاد القطري على الاستمرار في المحافظة على أدائه بالوتيرة نفسها أمرا شبه مستحيل، الأمر الأول هو التراجع الحاد في أرصدة المصرف المركزي وأصول صندوق الثروة السيادية القطريين إلى المستوى الذي لا يسمح بسحب المزيد منها، والأمر الثاني يتعلق بأنه مع مرور الوقت تزداد احتياجات الاقتصاد القطري للنقد الأجنبي، فطول أمد الأزمة يقلص قدرة القطاعات المدرة لهذا النقد على المحافظة على مستويات إيراداتها، مثل قطاعات الطيران والسياحة، فضلا عن الاستثمار الأجنبي، والغاز الطبيعي وغيرها.

وأكد أن قدرة الاقتصاد القطري على تحمل الأزمة الحالية مرهونة بالمدى الزمني لها، فكلما طال أمد الأزمة بدأ الاقتصاد في استشعار الصعاب شيئا فشيئا، وتحولت أزمته تدريجيا إلى معضلة يصعب التغلب عليها، وتتجه أوضاعه المالية نحو منحى خطرٍ يشهد فيها تراجعا سريعا في قيمة عملته المحلية، وفقدانا لجدارته الائتمانية، وتراجعا حادا في قدرته على تنفيذ المشروعات الكبرى المخطط لها، والتي تعول عليها الدولة لقيادة الاقتصاد القطري خلال العقود المقبلة، ليدخل الاقتصاد في موجة تراجع في معدلات النمو، وتحول النمو إلى انكماش في الأمد البعيد، بما يفقد قطر مكانتها الاقتصادية على المستوى الإقليمي.

الخسائر الاقتصادية تعلن عن نفسها رغم النفي القطري

ارتفاع تكلفة الاستيراد

الكاتبة والإعلامية، نشوى الحوفي، قالت: لقد بدأت الخسائر الاقتصادية والمالية التي ضربت قطر جراء المقاطعة في الإعلان عن نفسها رغم النفي القطري لها، حيث نشرت العديد من التقارير الاقتصادية الدولية ملامح هذه الخسائر، وفي مقدمتها ما نشرته «سي ان ان» نقلا عن البنك المركزي القطري حول تراجع ودائع العملاء الأجانب في المصارف القطرية في شهر يونيو الماضي بنسبة 7.58 في المئة عن مثيلاتها في شهر مايو الذي سبقه، حيث بلغت الودائع في يونيو الماضي ما يعادل 46.86 مليار دولار مقابل ما يعادل 50.7 مليار دولار في مايو الماضي.

وأضافت: ولم يقتصر تقرير «السي ان ان» على تراجع الودائع، ولكنه امتد الى تصريحات مسؤولين بوكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني التي أعلنت عن رصدها بدء سحب السعودية والإمارات لودائعهما من البنوك القطرية، وتتراوح قيمتها بين 25 ــ 30 مليار دولار، وهو ما فاقم من حالة السيولة النقدية في قطر، كذلك أشار التقرير الى ارتفاع تكاليف تأمين الديون السيادية القطرية إلى أعلى معدلاتها بشكل زاد من مخاوف المستثمرين على قدرة قطر على الوفاء بقروضها، وهو ما رفع من مخاطر خروج المستثمرين من قطر، في وقت تزداد فيه تكلفة الاستيراد من الخارج لتعويض السوق عن البضائع التي تم منع وصولها لقطر من السعودية والإمارات إلى حد زادت فيه الصادرات التركية إلى قطر بنسبة 51.5 في المئة بالاضافة الى منع بعض الدول تداول الريال القطري كما حدث في بنوك لندن، رغم محاولات بريطانيا مساندة قطر والدفاع عنها سياسيا، وهو ما دفع الى تخفيض مؤسسة «موديز» النظرة المستقبلية لقطر الى الحالة السلبية، نظرا لعدم وجود دلائل لحل الأزمة في القريب العاجل.

الأضرار خطيرة

تعليقا على تأثيرات قرار المقاطعة على الاقتصاد القطري طوال الأشهر الأربعة الماضية، أكد الخبير الاقتصادي، د. رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات السياسية والاقتصادية، أن تأثر سلبا بشكل كبير طوال الأشهر الأربعة الماضية،نتيجة المقاطعة العربية الرباعية للدوحة، وهو ما يتضح جليا مع عمليات بيع الأرصدة القطرية في الخارج، الأمر الذي ينذر بخسائر أكثر في الفترة القادمة.

وشدد د. عبده أن قطر عانت اقتصاديا منذ بدء سريان قرار المقاطعة ضدها، ولحقت بها خسائر كثيرة وخطيرة سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى استثماراتها في الخارج، مشيرا إلى أنه على مدى الأشهر الأربعة الماضية، تعرضت قطر للعديد من الخسائر شملت مختلف القطاعات الاقتصادية والتجارية، وهو الأمر الذي كشفته الكثير من المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية، حيث تراجعت الودائع الأجنبية فى البنوك القطرية بما يقرب من 14 مليار ريال قطري شهريا، فضلا عن خسارة شركة الخطوط الجوية القطرية 400 مليون دولار جديدة خلال الموسم الحالي، حيث يقدر إجمالي الحجوزات التي تم إلغاؤها على الخطوط الجوية القطرية خلال الفترة الماضية بنحو 80 ألف مقعد، حيث تعتمد الخطوط الجوية القطرية بشكل كبير على الحجوزات من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وقد أشارت بعض التقارير إلى أن مطار حمد الدولي خسر 200 مليون دولار مع فقدان 324 رحلة أسبوعيا.

بيع الأرصدة

أوضح الخبير الاقتصادي، د.يوسف الجداوي، أن الأشهر الأربعة الماضية مرت صعبة على الاقتصاد القطري متأثرا بتداعيات سلبية خطيرة من جراء حالة العزلة التي فرضتها دول المقاطعة على قطر، مشيرا إلى أن الدوحة سحبت ما يقرب من 38 مليار دولار من الاحتياطي النقدي الخاص بها خلال شهري يونيو ويوليو الماضيين، وذلك لمواجهة عملية الضغط التي تعرض لها الريال القطري، مما اضطر الدوحة إلى استخدام الاحتياطي النقدي للحفاظ علي قيمة العملة المحلية أمام الدولار. وقال الجداوي: الأزمة الصعبة التي تمر بها الدوحة حاليا تجعل أي مستثمر يفكر ألف مرة ومرة قبل أن يقدم على خطوة الاستثمار في الدوحة، ولاسيما مع تخفيض تصنيفها الائتماني، مع العلم أن استمرار المقاطعة الخليجية والمصرية للدوحة في المستقبل سوف يزيد من حدة الضغوط على الاقتصاد القطري، الأمر الذي سوف يترتب عليه مزيد من الخسائر والأزمات التي سوف تضرب الدوحة في الفترة المقبلة.

اقرأ أيضا