تقارير

الاتحاد

«كوربين» وعودة اليسار

أشرف جيرمي كوربين زعيم حزب «العمال» البريطاني واليساري العنيد على المؤتمر السنوي لحزبه في مدينة برايتون الساحلية الأسبوع الماضي، ودعا إلى رؤية اشتراكية لا تساوم من أجل المستقبل. والمثير للدهشة في الموضوع أن هذا لا يقلل فيما يبدو فرصه في الفوز بالسلطة، ولو بأقل درجة. وبعد أن كان كوربين مستبعداً باعتباره فوضوياً من الهامش يقود حزب «العمال» إلى المجهول لجيل كامل، أصبح هذا الزعيم الاشتراكي هو الشخصية المفضلة بشدة الآن لدى المراهنين لأن يكون رئيس الوزراء البريطاني المقبل. وهذا يرجع في جانب منه إلى الاستياء واسع النطاق من حكم حزب المحافظين الحاكم، وسوء تقدير رئيسة الوزراء تريزا ماي للمزاج البريطاني العام حين دعت هذا العام إلى إجراء انتخابات مبكرة في محاولة لتعزيز موقفها.
وأدى هذا إلى رد فعل عكسي، فقد تخلص حزب «العمال» بقيادة كوربين من التوقعات المظلمة، وتقلصت كثيراً الفجوة مع حزب المحافظين الذي كان يسيطر ذات يوم على الغالبية في البرلمان. وإدارة ماي المتعثرة لعملية الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي فاقمت من عدم شعبيتها. ولكن هذا يدل أيضاً على أن رسالة كوربين تلقى صدى. فبعد عقد من الابتعاد عن الوسطية النيوليبرالية لرئيس الوزراء السابق توني بلير، انتقل حزب «العمال» بقيادة كوربين إلى اليسار بقوة، واعداً بتحسين أوضاع الطبقة العاملة البريطانية المحبطة وإخضاع الصفوة في الشركات إلى الانضباط. ويسعى برنامج كوربين إلى تأميم مجموعة من المرافق منها السكك الحديدية، وإلغاء الرسوم التعليمية في الجامعات، وزيادة الضرائب على الأغنياء. ومنذ وقت ليس بالطويل كان من المستحيل تخيل حصول برنامج بمثل هذه الراديكالية على زخم في الغرب. والآن قد يكون هذا النوع من الطرح الورقة الرابحة.
وأعلن كوربين الأسبوع الماضي أن عام «2017 قد يكون هو العام الذي تتواءم فيه السياسة في نهاية المطاف مع ما حدث من انهيار في عام 2008» الذي زعزعت فيه أزمة مالية الحكومات الأوروبية، وحطمت العقد الاجتماعي مع المواطنين في عدد من الدول، وأذكت الحركات المناهضة للحكومات عبر القارة. ومن هولندا إلى فرنسا وألمانيا، عانت أحزاب يسار الوسط التي هيمنت ذات يوم على الحياة السياسية من هزائم منكرة في الانتخابات. فقد ربط الناخبون بينها وبين المؤسسة الحاكمة الليبرالية وحمّلوها مسؤولية تصاعد عدم المساواة في مجتمعاتهم، بالإضافة إلى مسؤولية التقشف الشديد الذي طالبت به الجهات المانحة الكبيرة والمؤسسات الدولية في مناطق أخرى من القارة.
وليست لدى كوربين هذه المشكلة. بل يتمتع بتأييد شعبي كبير، واشتراكيته الصريحة تمثل فيما يبدو بديلاً حقيقياً للبرامج سيئة الإدارة للمحافظين الذين قد يؤدي دفاعهم عن الخروج من أوروبا إلى كارثة اقتصادية في بريطانيا. وعلى رغم أن الساسة في حزب «العمال» ما زالوا منقسمين بشأن طريقة معالجة قضية الخروج البريطاني، إلا أنه يسعدهم، على كل حال، أن يكون المحافظون مسؤولين عنها بينما يروجون هم لقائمة أولوياتهم الاشتراكية. ويوم الأربعاء الماضي، كتب كوربين تغريدة على تويتر يقول فيها: «نحن الآن التيار السياسي الرئيس. وسياستنا تحظى بشعبية لأن هذا هو ما يريده فعلياً غالبية الناس في بلادنا، وليس ما يُخبَرون بأنهم يجب أن يريدوه». وقد كتب «أوين جونز» وهو كاتب عمود يساري الميول في صحيفة «جارديان» يقول بحماس إن كوربين قد يكون رئيس الوزراء التالي في سلسلة الحكام الذين كانوا علامة على عصرهم بعد كليمنت أتلي مهندس دولة الرعاية الاجتماعية في بريطانيا إثر الحرب العالمية الثانية، ومارجريت تاتشر المحافظة العنيدة التي رفضت اشتراكية الدولة من أجل رأسمالية بلا قيود.
ويصعد كوربين في فترة يمكن فيها السير في اتجاه جديد. وقد أعلن في كلمته يوم الأربعاء الماضي: «يقال عادة إن الانتخابات لا يمكن الفوز بها إلا من أرضية الوسط. وهذا خطأ بدرجة ما، ما دام أنه من الواضح أن الوسط السياسي ليس ثابتاً، أو أنه ليس في المكان الذي يروق لخبراء المؤسسة الحاكمة أن يعتقدوا أنه فيه». وقد ذكرت مجلة «سبكتاتور» من يمين الوسط أن الناخبين الذين يلتفتون لكوربين: «لأول مرة سيجدون أن قائمة أولوياته مقدمة بطريقة أكثر جاذبية وأقل أيديولوجية».
وعلى رغم أن الوضع السياسي في بريطانيا فريد من نوعه، إلا أن نموذج صعود اليسار المتواصل مع كوربين قد يتردد في أماكن أخرى. وهناك في الجانب الآخر من الأطلسي، تعاني إدارة يمينية في الولايات المتحدة من معدلات تأييد منخفضة ومثقلة بتناقضات أيديولوجية لحزبها. ولنتذكر من هو أكثر السياسيين شعبية في أميركا؟ إنه ديمقراطي اشتراكي أشيب الشعر يتمسك بمعتقداته، ويدعو إلى إصلاحات شاملة لم يحملها أحد على محمل الجد قبل عقد واحد من الزمن، إنه السيناتور بيرني ساندرز.

* كاتب متخصص في الشؤون الدولية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا