تقارير

الاتحاد

الاستفتاء الكردي والموقف الأميركي

لم يتوقع أحد أن تشعر حكومات الدول المجاورة بالسعادة من استفتاء أكراد العراق حول الانفصال الأسبوع الماضي. وعلى رغم أن أكراد العراق قالوا إن الدستور العراقي لا يحظر إجراء استفتاء على إقامة دولة إلا أن هناك حرباً إقليمية تدور رحاها الآن ضد «داعش». والأوضاع الإقليمية في حالة من الفوضى، وهي غير ملائمة للحديث عن إعادة ترسيم حدود وطنية. ولكن رد الفعل من أنقرة وبغداد كان شديداً.
فقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الاثنين الماضي، أن الخيار العسكري مطروح ضمن الاستجابات الممكنة رداً على نتيجة الاستفتاء. وهدد بقطع خط تصدير النفط من المناطق الكردية العراقية عبر تركيا.
ولم يكن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أقل منه شدة حين هدد بـ «فرض حكم عراقي» على المحافظات الكردية ما لم تلغ حكومة كردستان الإقليمية نتائج الاستفتاء على الانفصال. وقد منح البرلمان العراقي في الوقت نفسه العبادي سلطة إصدار أوامره إلى الجيش بالتوجه إلى مدينة كركوك المتنازع عليها، والتي تسيطر عليها ميليشيات كردية منذ انهيار الجيش العراقي في مواجهة هجوم لـ «داعش» عام 2014. وأعلن العبادي أمام البرلمان أن الحكومة لن تدخل في حوار بشأن نتيجة الاستفتاء التي أيدت بأغلبية الانفصال، وأنه إذا أراد الأكراد بدء محادثات فعليهم أولاً إلغاء الاستفتاء وما يترتب عليه. وأما الزعماء الأكراد فيؤكدون أن الاستفتاء يهدف إلى منحهم تفويضاً للدخول في محادثات بشأن انفصال سلمي لمنطقتهم مع بغداد.
ثم هناك أيضاً إيران التي دعمت حكومتها عمليات القتل الجماعي التي ارتكبها النظام السوري ضد مواطني بلاده منذ عام 2011. وقد أغلق الإيرانيون الحدود مع الإقليم الكردي العراقي، وهددوا بإلغاء كل رحلات الطيران من وإلى الإقليم. وقد اتهمت إيران الزعيم الكردي العراقي مسعود البرزاني بأنه صنيعة إسرائيل وهي الدولة الوحيدة التي تؤيد إقامة دولة كردية. وبعبارة أخرى، فقد توافرت في الاستفتاء الكردي الأسبوع الماضي كل مكونات أزمة كاملة. ولذا فربما حان الوقت لاضطلاع الولايات المتحدة بقدر من القيادة في إدارة هذه الأزمة المعقدة. وقد أخبرني مسؤولون أميركيون بأن واشنطن حثت أنقرة وبغداد على أن تهدئا من حدة التوترات. ولكن هذه الرسالة نُقلت على مستوى السفراء في هذه العواصم، وهذا قد لا يكفي وحده.
لقد حان الوقت لإيصال الرسائل من مستوى أعلى. ويستطيع الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ريكس تيلرسون أو وزير الدفاع جيمس ماتيس أن يمارسوا بعض الضغوط ليس فقط لحماية الحلفاء الأكراد ولكن أيضاً لتعزيز الاستقرار في المنطقة. وينبغي أن يكون مفاد الرسالة أنه من غير المقبول محاصرة اقتصاد الإقليم الكردي بإغلاق كل حدوده، وإلغاء كل رحلات الطيران من وإلى عاصمته الإقليمية.
وتتمتع الولايات المتحدة ببعض المصداقية لدى العراق وتركيا في هذه القضية. فقد حثت علناً الأكراد على ألا يمضوا قدماً في عملية الاستفتاء. ولكن الاستفتاء تم بالفعل. ولذا فمن المهم التروي في الأمر. فهذا ليس إعلان انفصال، وهذا الاستفتاء يفتح الباب فقط أمام عملية من التفاوض على الانفصال الذي أعلن زعماء الأكراد في المنطقة أنهم يريدونه بشدة. ولاشك أن ذلك يضر سياسياً في الوقت الحالي بالعبادي الذي سيخوض الانتخابات العام المقبل. ولكنه يستطيع إرجاء المفاوضات دون أن يتسبب في حرب أهلية. وهذه هي الرسالة التي يتعين على حلفائه الأميركيين أن ينقلوها إليه من وجهة نظري.
والوضع دقيق. فقد صرحت بيان سامي عبد الرحمن ممثلة حكومة كردستان الإقليمية في واشنطن الأسبوع الماضي بأن «تهديد الأكراد لا يجدي نفعاً، بل إن من الأفضل الدخول في حوار معنا. وما زالت بغداد وأربيل بحاحة إلى التعاون ضد داعش، وفي الأزمة الإنسانية في العراق. فكل ما قمنا به هو استفتاء. ولم نعلن من جانب واحد انفصالاً». ولكن العراقيين والإيرانيين والأتراك فضلوا تجاهل هذه الرؤية الكردية، وعاملوا استفتاء الأكراد باعتباره انفصالاً بحكم الأمر الواقع. وأرى أن ثمة مبالغة في رد الفعل، ويتعين على الولايات المتحدة أن تقنع جميع حلفائها بالتحلي بالهدوء.

* كاتب أميركي متخصص في شؤون الأمن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا