تقارير

الاتحاد

كاتالونيا.. والطريق المجهول

عندما ذهب الكاتالونيون إلى صناديق الاقتراع يوم أمس الأول، وجدوا سؤالاً واحداً في ورقة الاستفتاء: هل تريد أن تصبح كاتالونيا دولة مستقلة في صورة جمهورية؟ فكيف وصل الأمر إلى ذلك، وما هي المخاطر المرتقبة المترتبة عنه، وأي شيء يمكن أن يحدث بعد الاستفتاء؟
بالنسبة للداعين إلى الانفصال، تمثل هذه المعركة مشروعاً عمره ثلاثة قرون، إذ يرجع إلى عام 1714، عندما سيطر فيليب الخامس ملك إسبانيا على برشلونة. وحتى اليوم، لا يزال مؤيدو الانفصال الكاتالونيون ينعتون الموالين لإسبانيا بـ«جواسيس» أو حلفاء فيليب الخامس. ومنذ ذلك الحين، دأب القوميون الكاتالونيون على السعي من أجل نيل درجة من الحكم الذاتي عن إسبانيا. وبحلول عام 1932، أعلن زعماء الإقليم «جمهورية كاتالونيا»، ووافقت حكومة إسبانيا على منح الإقليم نظام الحكم الذاتي.
ولكن عندما تولى «فرانشيسكو فرانكو» السلطة عام 1939، خسر الكاتالونيون تلك المكاسب مرة أخرى. وقمع «فرانكو» بصورة منهجية جهود القومية الكاتالونية كافة. وبعد موت «فرانكو»، اشتد وطيس المعركة من أجل الانفصال مرة أخرى. وفي عام 2006، منحت إسبانيا كاتالونيا وضع «أمة» وسلطة خاصة بنظام الضرائب. ولكن المحكمة الدستورية في إسبانيا أبطلت ذلك الحكم في عام 2010، قائلة إنه على رغم أن الكاتالونيين يمثلون «قومية»، إلا أن كاتالونيا ليست «أمة». واحتج أكثر من مليون كاتالوني ضد حكم المحكمة!
وقبل أن يصوت الكاتالونيون بنسبة 90 في المئة لصالح الانفصال، كان الإقليم يتمتع بدرجة من التحكم في مقدراته المالية أكبر من معظم أجزاء إسبانيا الأخرى. ولكن ذلك ليس كافياً بالنسبة لكثير من سكانه، الذين كَبُر كثير منهم على قناعة بأنهم ليس إسبانيين. وعلاوة على هذا، هناك أيضاً قضية أخرى، هي أن كاتالونيا تعتبر الإقليم الأكثر ثراء في إسبانيا، والأكثر تطوراً صناعياً. ويضم أكبر الصناعات المعدنية والغذائية والدوائية والكيماوية في البلاد. ويتمتع الإقليم أيضاً بقطاع سياحي مزدهر، بفضل وجود مناطق شهيرة فيه كمدينة برشلونة. ويمثل تعداد سكان الإقليم 16 في المئة من مجمل سكان إسبانيا، ويشكل الاقتصاد هناك خمس اقتصاد البلاد. ومن ثم يشكو سكان الإقليم من أنهم يساهمون بضرائب للحكومة الإسبانية أكثر مما يستردون منها من خدمات.
من جانبها، ترد مدريد على النزعة الانفصالية بعنف، فقد أدان رئيس الوزراء «ماريانو راخوي» الاستفتاء واعتبره غير شرعي، لافتاً إلى أن من شأنه أن يقوض حكم القانون، ويضع سابقة خطيرة. وأرسل «راخوي» آلاف الجنود لمنع تنظيم الاستفتاء أصلاً، ولكنهم فشلوا على ما يبدو، على رغم مصادرتهم ملايين استمارات الاقتراع، واعتقالهم لأكثر من 12 مسؤولاً من مؤيدي الانفصال.
ويبرر معارضو الانفصال من الكاتالونيين، وخصوصاً الذين انتقلوا إلى الإقليم من أجزاء أخرى من إسبانيا، قلقهم باحتمال أن يعاني الاقتصاد الكاتالوني إذا ما انفصل الإقليم عن إسبانيا، وبأنه سيكون من المستحيل على «كاتالونيا المستقلة» الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي و«منظمة التجارة العالمية»، وهو ما من شأنه أن يزيد تكلفة الصادرات والواردات. وعلى الأرجح سيكلف ذلك الإقليم كثيراً من الوظائف.
وعلى صعيد الموقف الأوروبي، أعلن المسؤولون الأوروبيون عن تأييد ثابت، وإن كان هادئاً، للحكومة المركزية في إسبانيا. وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي، يوم الجمعة الماضي، إن على الشعب احترام الدستور وحكم القانون. ولكن مسؤولي الاتحاد يؤكدون أيضاً أنهم لن يتوسطوا في الخلاف بين إسبانيا وكاتالونيا، معتبرين الأمر شأناً داخلياً. وقد حفّز ذلك السياسيين من أصحاب النزعة الانفصالية في أنحاء القارة الأوروبية.
ولكن، على رغم نتيجة الاستفتاء، الذي يؤكد الزعماء الانفصاليون في كاتالونيا أن نتيجته تؤيد الانفصال بنسبة 90 في المئة، لا يزال أمام الإقليم طريق طويل من أجل الانفصال، ولاسيما أن مدريد لا تعترف بالنتيجة من الأساس. وقد أكد القادة في مدريد، قبل الاستفتاء، أنهم سيؤيدون إجراء إصلاحات دستورية تمنح كاتالونيا مزيداً من الأموال والاستقلال المالي إذا تخلى الزعماء الانفصاليون عن تنظيم الاستفتاء. ولكن يبدو الآن أنه قد فات أوان التوصل إلى حل وسط.

* كاتبة أميركية
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا