الاتحاد

ثقافة

صورة مغايرة واستثنائية عن الإسلام في متحف «اللوفر» الباريسي

الأميرة لمياء بنت ماجد آل سعود والرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند خلال افتتاح المعرض

الأميرة لمياء بنت ماجد آل سعود والرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند خلال افتتاح المعرض

رضاب نهار

من متحف اللوفر في باريس عاصمة النور يخاطب الفن الإسلامي العالم بلغة لا تموت ولا تندثر، ويعلن بقاءه واستمراريته ما دامت خطوات الإنسان تدبّ على هذا الكوكب. وكم من المهم أن يُسمَع لهذا الفن صوتٌ في زمنٍ تكاد تغلب عليه لغة البارود، حيث التمسّك بالثقافة هو طريق النجاة الوحيد. في قسم الفنون الإسلامية في المتحف الباريسي العريق، نعثر على «نحن» كما كنا، وكما نريد، بلا تشّوه، وبلا افتراءات أو استلابات.. «نحن» الذين أبدعنا كل هذا، و«نحن» الذين نمتحن يومياً في تأكيد انتمائنا إليه..
بالتعاون مع «مؤسسة الوليد للإنسانية» التي يترأسها الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز آل سعود، حظيت الفنون الإسلامية قبل أيام في متحف اللوفر بمساحات جديدة مصممة وفق أسس تفاعلية تتيح للزوار التفاعل مع المقتنيات التي تحفظ حقيقة وتاريخ الفن الإسلامي عبر الزمن، وذلك بهدف إيصال إشعاعه إلى كل العالم بثقافاته ودياناته المختلفة.

ضد الإرهاب
أثار الافتتاح صخباً كبيراً في أوساط الصحافة الفرنسية والعالمية، وقد جرى بحضور الأميرة لمياء بنت ماجد آل سعود، الأمين العام لمؤسسة الوليد للإنسانية، والرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا أولاند بالإضافة إلى جان لوك مارتينيز، رئيس متحف «اللوفر» في باريس، ويانيك لينتز مديرة قسم الفن الإسلامي في متحف اللوفر، وعدد من القيمين الفنيين الذين عملوا على اختيار مقتنيات التوسعة الجديدة من القسم.
وتجدر بنا الإشارة إلى أن التعاون المتبادل بين «مؤسسة الوليد للإنسانية» ومتحف اللوفر في باريس، يعود إلى العام 2002، حيث تمّ الالتفات إلى تفعيل العلاقات الثقافية بين الإسلام والغرب في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك. وشهد هذا التعاون عدة محطات بارزة منها تبرع المؤسسة بمبلغ 23 مليون دولار عام 2005 للمساهمة في بناء قسم الفن الإسلامي، إلى أن تمّ افتتاحه بشكلٍ رسمي في شهر سبتمبر من العام 2012.
وفي حديثٍ خاص مع «الاتحاد الثقافي»، تحدّثت الأميرة لمياء بنت ماجد آل سعود، حول الهدف من هذه التوسعة مؤكدةً أنه وبسبب التشويه الممنهج والمقصود للدين الإسلامي، ووجود من يمتهنون التدمير للأماكن التاريخية والأثرية بما يطمس حضارة الأمة الإسلامية، كان لا بد من وجود مشاريع تعنى بالحفاظ على فنون وثقافة هذه الأمة. إذ أن واحدة من أهم استراتيجيات عمل مؤسسة الوليد للإنسانية في هذا السياق، تتجسّد في أخذ القطع الفنية والأثرية من البلدان التي تعاني من أزمات وكوارث وحروب، ثمّ عرضها في مراكز ومتاحف والحفاظ عليها، إلى أن تنتهي مشاكل بلدانها الأصلية، حيث تتمّ عملية إعادتها إليها. وهو العمل الذي يشرف عليه قيّمون مختصون، يعملون بناءً على أسس ومعايير مدروسة.
وأوضحت بالقول: «لا يجب أن نقف مكتوفي الأيدي أمام التشوّه الحاصل. علينا أن نواجهه من خلال تحفيز الناس على المحافظة على كل أثر يروي تاريخنا. وبدورنا، نحن نتعهد بالحفاظ على جميع هذه المقتنيات للأجيال القادمة». وأكّدت أن متحف اللوفر لا يمكن أن ينسب هذه القطع له، فلا أحد يستطيع أن يأخذ تاريخ أحد آخر. بل إنهم يوضّحون الملكية الحقيقية لكل قطعة، كأن تكون سورية أو عراقية أو غير ذلك، آخذين بعين الاعتبار وجود قطع من بلدان مختلفة عربية وغير عربية، ستظل هنا معززة مكرمة باسم البلد إلى أن يُطلب إعادتها.
أما بما يخصّ رؤية مؤسسة الوليد للإنسانية في هذا الشأن، فأرجعتها إلى رؤية الأمير الوليد بن طلال الذي يؤمن بأن الفن لغة راقية توحّد العالم بكافة جنسياته ودياناته وأعراقه، فضلاً عن إيمانه بالحوار بشتى أنواعه. وهو ما دفعه في أوائل الألفية لأخذ خطوة جادة تجاه اللغط الذي حاصر الدين الإسلامي بمصطلح «الإرهاب» المتعارض مع مبادئه وتعليماته الأصيلة. إذ أنشأ 6 مراكز أكاديمية ضمن جامعات ومجمعات ثقافية رائدة عالمياً، هي: مركز الوليد بن طلال للدراسات الإسلامية في كل من جامعات هارفرد وكامبردج وأدنبرة، ومركز الوليد بن طلال للدراسات والبحوث الأميركية في الجامعة الأميركية في بيروت وفي الجامعة الأميركية في القاهرة، بالإضافة إلى مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي ـ المسيحي بجامعة جورجتاون، وذلك بهدف اختصار المسافات بين العالم الإسلامي والغرب، وللتعريف بالإسلام وأسلوب حياة المسلمين من خلال دراسات وبحوث معنية بالحضارات الإسلامية.

فكرة عادلة
من جهتها أكّدت السيدة يانيك لينتز مديرة قسم الفن الإسلامي في متحف اللوفر، أن المعروضات السابقة والجديدة تعطي فكرة واضحة وعادلة عن الديانة الإسلامية، وتنافي كل الاتهامات التي وجّهت للمسلمين في السنوات القليلة الماضية، نتيجة الهجمات المتطرفة في أوروبا والعالم. حيث إن صلة الوصل بين الإسلام والفكر الإرهابي، معدومة تماماً، مبينةً أن العمليات الإرهابية نتجت عن جماعات ظلامية ومتطرفة لا تربطها أية علاقة مع الروح الأصيلة للإسلام.
وأشارت إلى أنه وكما كل الثقافات العالمية، تعزّز الفنون الإسلامية فكرة ومفهوم الحياة مقابل فكر الموت والظلام. وإن المقتنيات الجديدة والقديمة في قسم الفن الإسلامي، تأخذ على عاتقها إبراز مدى تفاعل ثقافة الإسلام الاستثنائية والفريدة من نوعها مع الحضارة الإنسانية على مر السنين. وتوضّح أنها ثقافة فكر متنور لا يؤمن بالظلامية المتشددة.
وأوضحت لـ «الاتحاد الثقافي»، Carine Juvin إحدى القيمين الفنيين الذين يعملون في قسم الفن الإسلامي في متحف اللوفر، أن عملهم ضمن التوسعة الجديدة للقسم كان يتمحور حول عدة أسئلة حاولوا الإجابة عنها من خلال نوعية القطع المنتقاة، أهمها: ما هو الفن الإسلامي؟ ما الجديد الذي يجب إبرازه للآخر بغرض الإضاءة الشاملة على الجوانب الحداثية في هذا الفن؟ كيف يؤثر التنوع الجغرافي في التنوع الفني والثقافي للشعوب؟ وكيف يرسم الملامح العامة للحياة الاجتماعية؟
وأطلعتنا على أنهم وعند اختيارهم للقطع، حاولوا كثيراً خلق نوع من التناغم والتآلف بين كل قطعة على حدة وبين المكان الذي سيحتضنها على أرض متحف اللوفر. لذا كانت معظم المقتنيات تعكس حداثة العمارة الإسلامية وحداثة فنونها بشكل عام. الأمر الذي جعلهم يلجؤون إلى استخدام شاشات عرض وبرامج الملتميديا كطرق جديدة لتقديم المعروضات. وهو شيء هام في الوقت الراهن يستقطبون به الزوار الباحثين عن المعرفة بوسائل تكنولوجية معاصرة.
أيضاً، شرحت كارين حساسية وأهمية عمل جميع القيمين الفنيين في قسم الفن الإسلامي المعاصر في ظل الظروف الراهنة التي تعصف بدين الإسلام. فكثيراً ما عملوا على انتقاء عناصر تكشف الجوانب الإيجابية والحضارية للفكر الإسلامي. معتبرةً أنها مهمة بغاية الصعوبة والدقة بسبب الغنى الكبير والتاريخ الطويل الذي يمتلكه المسلمون. وقالت: «نحن نفكّر بأولئك المسلمين الذين ولدوا ويعيشون في فرنسا مثلاً. من الطبيعي ألا يكونوا يملكون معرفة كافية بحضارتهم الأصلية. لذا فإن مهمتنا أن نريهم كم لديهم من الفنون بأساليبها الثقافية المختلفة».

جولة تعريفية

منذ إنشائه، استقطب قسم الفن الإسلامي الزوار من كافة الجنسيات وعرّفهم على الثقافة الإسلامية التي استوطنت عبر العصور مناطق عديدة من العالم. ولا نستطيع تجاهل الدور الحيوي والفاعل الذي لعبه في التعريف بالجوهر الحقيقي للإسلام، كدين يدعو إلى الإبداع والفنون، من أجل إبراز قيم التسامح والمحبة بين الناس، ونبذ التعصب والكراهية تجاه الآخر مهما اختلف عنا.
وحسب متحف اللوفر فإن تاريخ قسم الفن الإسلامي في المتحف يعود إلى العام 1893 عندما تمّ إنشاؤه للمرة الأولى بمجموعة من أقدم القطع الإسلامية في فرنسا، والتي تعود إلى مقتنيات ملكية في الغالب. ففي باريس بين تسعينيات القرن العشرين والحرب العالمية الأولى، أنشئت العديد من مجموعات الفن الإسلامي من قبل مجموعة مهتمين بالفنون العالمية وتحديداً الشرقية والإسلامية. وبسبب استمرار متحف اللوفر في تلقي روائع الفنون الإسلامية بعد الحرب تقرّر إنشاء قسم الفن الإسلامي.
افتتحت جميع غرف القسم، بدءاً من العام 1905 وصولاً إلى العام 1922. مع العلم أن العام 1912 شهد زيادة للمجموعة بمقتنيات خاصة بفضل القائمين عليها، خاصةً Gaston Migeon.. وبعدها بعشر سنوات دُمجت المجموعة كاملة ضمن قسم الفنون والآداب، إلى أن نقلت أعمال الشرق الأقصى إلى متحف Guimet في باريس، حيث تمّ إنشاء قسم إسلامي ضمن قسم الآثار الشرقية.
وفي العام 1993 عندما أنشئ الـ «Grand Louvre»، وضعت أعمال هذا القسم في جناح Richelieu الجديد. ثمّ في شهر سبتمبر من العام 2012، افتتحت صالة الفنون الإسلامية القائمة على 3000 متر مربع، لتكون متفردة بمقتنياتها التي تحتفي بجمالية وروعة الثقافة والفنون الإسلامية ضمن ساحة كور فيسكونتي، وقد صممها المهندسان المعماريان العالميان «رودي ريتشيوتي» و«ماريو بيليني» اللذان حوّلاها إلى تحفة فنية شكلاً ومضموناً.. إذ تمّ تصميم السقف المصنوع من الزجاج المعدني على هيئة شبكة فولاذية ذهبية اللون جعلت المظهر العام للصالة أشبه بجناح حشرة اليعسوب الطائر، معبرةً عن انطلاق الحضارة الإسلامية في الفضاء العالمي.
ويتألف قسم الفن الإسلامي في متحف اللوفر من طابقين اثنين مصنوعين من الزجاج المدعّم. يتّسم الطابق الأول «الأرضي» منهما بالضخامة وبتخصيص ركن كبير منه لعرض السجاد والمشغولات النسجية.. بينما يتسم الثاني بأنه أصغر قليلاً ويحتوي على مجموعة عرض تفاعلية، مثل وجود شاشة عرض كبيرة تستعرض عدداً من المواقع الأثرية الإسلامية، سواء تلك التي تمّ استحضار المقتنيات منها، أو تلك الشهيرة التي تعتبر علامة في تاريخ حضارة المسلمين.
ويأتي الشكل الداخلي للقسم وفقاً لتصميمات المهندس المعماري المتخصص في فن المتاحف رينواد بيرارد، التي أسهمت في إبراز جمالية القطع المعروضة من خلال الإطارات والصناديق الزجاجية المناسبة. كذلك سهّلت الملاحظات المدوّنة حول المرجعية الجغرافية والتاريخية للقطع، إلى جانب المواد الخام المصنوعة منها وغيرها من المعلومات المتوفرة، الكثير على الباحثين والزوار في استكشافهم للفنون الإسلامية.
وقد جرى تصميم المساحات الجديدة وفق أسس ومعايير تضمن للزوار سهولة التجوال والتنقل، وتمنحهم بعض الخصوصية في التفاعل المباشر مع بعض القطع. بالإضافة إلى أن الممرات بين المقتنيات المعروضة مخصّصة لحركة ذوي الاحتياجات الخاصة «ذوي الهمم» من الذين يزورون المتحف. وتبدو فكرة وجود مقاعد للجلوس والتأمل بين المعروضات، مناسبة للزوار الراغبين بأخذ قسط من الراحة بين الجولات أو بتدوين الملاحظات أو إنجاز بحوثهم ودراساتهم.

إرث قديم
ولأن مصطلح «الفن الإسلامي» يشمل كل ما أنتج من أعمال فنية في الفترة الزمنية ما بين القرن السابع وحتى القرن التاسع عشر الميلادي، فإن القسم الموجود في اللوفر يضمّ أكثر من 150000 قطعة من إسبانيا إلى الهند، تعكس تنوع هذا الفن عبر ما يقارب الـ 1200 عام، وتشتمل على نماذج لفن السيراميك والفسيفساء، وفن الزجاج الإسلامي، وفن الرخام والموزاييك والنحت بالخشب، بالإضافة إلى إحدى أهم مجموعات المنسوجات والسجاد في العالم. فضلاً عن عرضه لـ 3500 عمل فني إسلامي تمّ إقراضها بشكل دائم للمتحف.
بشكلٍ عام جذبت الزخارف الإسلامية عيون الزوار، نظراً لمدى براعة فنانيها وإتقانهم لها. وأثارت عدة تساؤلات حول مرجعيتها الفكرية والفلسفية، بما يكشف تداخل الثقافات المختلفة والتبادلات المستمرة بين مناطق العالم الإسلامي وتجانس فنونه. وقد وجِدت هذه الزخارف بأنواعها المختلفة، النباتية المستوحاة من البيئة الجغرافية الطبيعية، الهندسية التي استخدمت كثيراً على الخشب، الكتابية التي أبرزت جمال اللغة العربية، وأخيراً الآدمية والحيوانية المتأثرة بفن التصوير الموجود قبل الفتح الإسلامي في بلاد فارس والهند وإيران وغيرها من بلدان تلك المناطق.
وعلى الرغم من التنوع والتفاوت الهائل بين المنحوتات والمقتنيات بأسلوبها وتاريخها وأماكنها، فإن الخط العربي كان العنصر البصري الأكثر جذباً على أرض الجناح. إذ نقشت به الآيات القرآنية الكريمة وعدداً من العبارات والمفردات على مجموعة كبيرة من المعروضات.
يمكننا تقسيم مقتنيات القسم تبعاً لتسلسلها الزمني والمناطقي عبر العصور إلى فترات تبرز كل حقبة منها خصوصيتها الحضارية ممتدةً على ثلاث قارات. وإن واحدة من أهم مقتنيات الفترة الأولى الواقعة ما بين القرن السابع عشر وحتى القرن الحادي عشر الميلادي أو ما سمّي بـ «عصر الخلافة»، هي «علبة جواهر المغيرة» المكتشفة في القرن الخامس عشر في قرطبة في الأندلس، والمصنوعة من العاج لتجسّد برسوماتها ومنحوتاتها حياة الحكّام وقتها. كما حظيت لوحة الفسيفساء المستحضرة من المسجد الكبير في دمشق أقدم عاصمة في التاريخ، بذهول الزوار من كلّ حدبٍ وصوب.
أما الفترة الثانية الممتدة من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر الميلادي، أو ما سمّي بـ «تحوّل المشهد السياسي وولادة السلطنة»، فتعرض مجموعة قطع متنوعة الصنعة والمنشأ، أبرزها «أسد مونزون» التحفة المصنوعة من البروز والتي كانت متصدرة أحد قصور السلالة الحاكمة في الأندلس كنافورة مياه تمجّد نعمة الله بعبارة «بركة كاملة نعمة شاملة» التي نقشت عليها. وشمعدان نحاسي من شرق إيران مزيّن بالبط، قد يبدو بسبب حجمه المثير للإعجاب أنه ثقيل الوزن، لكنه في الحقيقة خفيف للغاية.
الفترة الثالثة الممتدة من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي، تغطي تأثر الفنون الإسلامية بموجة الغزوات التي أطلقها المغول على مناطق العالم الإسلامي، يليه الحكم المملوكي. ومن أشهر ما تعرضه هي منحوتة من الحجر الجيري الأصفر والأبيض وتتكوّن تحديداً من 300 حجر، وتبدو كجزء من واجهة مزخرفة لإحدى مداخل الأبنية الفاخرة. وتمتد الفترة الرابعة، فترة الإمبراطورية الحديثة من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وتبرز المنمنمات العثمانية وفن المنسوجات الإيراني، إلى جانب أجمل ما أنتجته الحضارة الإسلامية في الهند.

التاريخ ليس وجهة نظر..
التجربة هذه المرة مختلفة في زيارتنا المتحفية للوفر. فالتاريخ الآن وهنا، بات يخصّنا أكثر ويلامسنا بشكلٍ حقيقي، ليس من وجهة نظر دينية فقط، إنما من حيث الجغرافيا وروح الزمان والمكان، ومن حيث الإنسان وتراثه الذي أسّس لوجوده طيلة قرونٍ مضت.
هو شعور غريب قد لا تعرف أن تصفه في بادئ الأمر. لكن وما إن تمعن النظر قليلاً وتذهب في جولتك متنقلاً بين عتبات ومراحل التاريخ المدفون والمحفوظ في زوايا وزخارف القطع المعروضة، حتى تكتشف أنه الشعور بالدهشة الذي لم يغادرك منذ دخلت إلى قسم الفن الإسلامي، سواء بمساحاته الجديدة والموسّعة أو بقاعته الضخمة القديمة.
وقد لا تكون دهشتك بسبب روعة وجمالية ما هو معروض أمامك من أجزاء أثرية، بقدر ما هي دهشة من فعل الزمن ومنطقه، إذ يبقي على الأغراض دون صنّاعها، محوّلاً إيّاها إلى أثر يختزل من القصص ما يكفيك لعمرٍ بأكمله. فبين النحاس والخزف والخشب والرخام وغيرها من المواد الخام التي استخدمها الأسلاف، تتناثر حواسك مستنشقاً غبار السنين، مبصراً للإبداع في أشكالٍ مختلفة.
ولنتخيّل ماذا لو أن واحدةً أو أكثر من هذه القطع، ينتمي أصحابها أو فنانوها إلى شجرة عائلتك؟! ماذا لو أن جدك العاشر مثلاً كان قد أمسك بالإزميل وكوّنها؟! ستشعر بالقشعريرة حتماً لمجرد أن تفكّر بذلك.. فعندما يتحوّل تاريخك القديم جداً إلى قطعٍ أثرية يأتي لرؤيتها الزوار من كل بقاع الأرض، هو أمر يدعوك إلى الفخر والدهشة في آنٍ واحد..
إذاً، تستطيع هذه التحف المنسّقة بأناقة تحت قبةٍ سماوية ذات خطوط متشابكة أن تكون «نحن». إنها «نحن» الضائعة. «نحن» الباحثة عن تاريخ وأحياناً عن هوية. هنا بلادنا. أشياؤنا القديمة التي ورثناها أباً عن جد. قد لا نستحوذ عليها في غرفنا أو في بيوتنا. لكننا شئنا أم أبينا نشعر بها بدافع غريزيّ تكوّنه الحياة على مهلها.

 

 

اقرأ أيضا

الفلسفة.. طبيب يداوي الإنسان