الاتحاد

الملحق الثقافي

القدس.. موجزٌ سماويٌّ لتاريخ الأرض

إعداد ــ ساسي جبيل

يمكن استحضار القدس بطرائق مختلفة اختلافَ الكتابات عنها، شرقا وغربا، بلغات متنوّعة.. فالقدس أضحت شبيهة بأسطورة بابل صنواً لبلبلة اللّغة التي توشك على تحويلها إلى هذيان هنا، تلعثم هناك، رصانة هنالك.. بعضهم من مؤرّخين، وشعراء وأدباء، وسياسيّين، وإعلامييّن... يحاول أن يقولها كما يتمثّلها؛ وبعضهم يسعى إلى أن يقول عنها كما قرأ في الرّوايات المختلقة دونما تمحيص، وبعضهم يتصدّى، بما يقتضيه الضّمير الأخلاقيّ للمثقّف، كتابة أو رسما أو تصويرا لمسعى استنبات ذاكرة مسقطة غريبة عن المكان...
وفي المحصّلة، فإنّ القدس تغدو مدينة "سائحة" في اللّغة؛ ولعلّ هذه الشذرات المقتطعة من بعض النّصوص تقدّم صورة ميكروسكوبيّة عن ذلك... وربّما جاز أن نعيد تركيب هذه الشذرات التي نبسطها، هاهنا، دونما خيط ناظم كما نعيد تركيب القطع في لعبة البيزل عسى أن نعثر على صورة القدس كما كانت تتقاذفها رياح الصّراعات والغزوات، وكما أضحت تتقاذفها اليوم رياح التّلاعب الدّوليّ بها.
------------
وصلنا إلى مطار اللّدّ عند المغيب. كان يوماً شديد البرودة في منتصف شهر كانون الأوّل 1947. الطرق خالية إلاّ من المصفّحات البريطانيّة، وسيّارة يوسف صايغ "الهمر"، السيّارة المدنيّة الوحيدة في الطريق بين القدس واللّد. كان يوسف يوصلنا، أخاه فايز وأنا، إلى المطار لركوب الطّائرة في طريقنا إلى أمريكا للدّراسة، فايز إلى جامعة جورجتاون في واشنطن وأنا إلى جامعة شيكاغو.
أمس، كنّا في القدس، في أوتيل كلاريدج بالقطمون الذي يديره فريد عطايا. بعد الظهر ذهبنا جوزيف سلامة وأنا لمشاهدة فيلم "حبيب العمر" لفريد الأطرش وسامية جمال في سينما ركس. كانت القاعة ملأى بالمشاهدين، والحياة تسير كعادتها كأنّ شيئا لم يحدث في فلسطين.
هشام شرابي، الجمر والرّماد
***
كان إدوارد سعيد راغباً في أن يعثر على بيتهم القديم في الجهة الغربيّة من القدس. وقبل مجيئه سنة 1992، كنّا، أنا وزوجتي، في انتظاره لنكون على ذمّته.. قضّينا وقتا للعثور على البيت. وبعد بعض التّحرّيات اكتشفنا أنّ بيت آل سعيد قد أصبح المقرّ العامّ لـ "البعثة المسيحيّة الدّوليّة بالقدس". كان ثمّة ما يشبه سخريّة القدر. فبعد مصادرتها من قبَل إسرائيل، في 1948، تحوّل بيت عائلة فلسطينيّة مسيحيّة إلى مركز أماميّ لمسيحيين غربيين مفتولي العضلات يدافعون عن قرار المصادرة.
راشد الخالدي، إدوارد سعيد وفلسطين
***
سافرتُ إلى القدس فزرت في طريقي إليه تربة يونس، عليه السّلام، وعليها بناية كبيرة، ومسجد. وزرتُ أيضا بيت لحم موضع ميلاد عيسى، عليه السّلام، وبه أثر جذع النّخلة وعليه عمارة كثيرة والنّصارى يعظّمونه أشدّ التّعظيم، ويضيّفون من نزل به.
ثمّ وصلنا إلى بيت المقدس، شرّفه اللّه ثالث المسجدين الشّريفين في رتبة الفضل، ومصعد رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وسلّم، ومعرجه إلى السّماء. والبلدة كبيرة منيفة بالصّخر المنحوت. وكان الملك الصّالح الفاضل صلاح الدّين بن أيّوب، جزاه اللّه عن الإسلام خيرا، لمّا فتح هذه المدينة هدم بعض سورها، ثمّ استنقص الملك الظاهر هدمه خوفاً من أن يقصدها الرّوم فيتمنّعوا بها، ولم يكن بهذه المدينة نهر في ما تقدّم وجلب لها الماء في هذا العهد الأمير سيف الدّين تنكيز أمير دمشق.
ابن بطوطة
***
القدس المدينة التي اختارها اللّه، المدينة المقدّسة، المدينة المجيدة، المشيّدة فوق الجبال المقدّسة، تتفوّق على كلّ مدائن العالم بارتفاع موقعها، بخصوبة أرضها؛ عرش جلال اللّه، المكان المخصوص بخدمته، سيّدة الأمم، عروس الأقاليم؛ القدس... موقعها في فلسطين، في مركز العالَم.
أندريه ديبوي، تاريخ القدس، أو تفسير مخطّط القدس وضواحيها
***
الواقع المعيش للقدس أصبح معقوداً على التناقضات؛ فكلّ حيّ يفرض نفسه بخصوصيّته الإثنيّة والدينيّة. هو واقع يقنّع بشكل مقيت تنوّعات اجتماعيّة - اقتصاديّة معقّدة. ثمّة جدار لا مرئيّ من الكراهيّة وعدم الفهم ينتصب بين المجموعات التي تعيش معا ولكن منفصلة.
فاليري رفيير- تنسير، ارموند عتّال، القدس، مصير عاصمة
***
القدس السّماويّة والقدس الأرضيّة، حقيقتان متعالقتان بما لا يقبل الفكّ، في العقليّات وفي الآداب الوسيطة، تتولّى التّعبير عنهما الفنون التّشكيليّة. فهذه المدينة الرّؤيويّة كان يجري تمثيلها في مزوَّقات الكتب بالأساس التي سبقت تمثيلها رسما.
أيفلين- بليوت سالفادور، أسطورة القدس: من العصر الوسيط إلى عصر النّهضة
***
شكا بيتُ المقدس إلى ربّه الخرابَ فأوحى الله إليه: لأملأنّك خدوداً سجّداً تحنّ إليك حنين الحمام إلى بيضها.
- اتّقِ اللّه يا كعب. هل لبيت المقدس لسان؟
- نعم وله قلب مثلك.
(عن كعب)
***
أهلا بامرئ القيس!
هو ذا في طريقه إلى الرّوم مرورا ببلاد المقدس، قبل أن يضع قدميه على عتبته، قرأ:
للدّم الذي أريق على ضفاف المتوسّط، منذ
البدايات، تاريخ مدنّس. لهذا التّاريخ الأرضي
موجَز سماويّ اسمه القدس: النّاس فيها
اثنان
ميّت يقيم في السّفر، وهو مكان متحرّك
وحيّ يقيم في القبر، وهو مكان ثابت.
وكلاهما يقيم خارج نفسه".
أدونيس، كونشيرتو القدس.
***
عشتُ في القدس أربع سنوات لم أعرف فيها شيئاً من القدس إطلاقاً. اسألني أين يقع المسجد الأقصى فلا أعرف. اسألني عن أهل المدينة وطبائعهم فلا أعرف. وتأتّى هذا عن نظام مدرسي صارم. فعلى الطّالب ألاّ يتغيّب يوم الإجازة (...) وإن تغيّب يوجّه إليه إنذار (...). يكشف تأمّل المناهج في الكلّية العربيّة في القدس عن وظيفة بيّنة هي الإلغاء المنهجيّ للتّفكير، باسم التّفكير ذاته. وهي وظيفة واعية قرّرها الاستعمار البريطاني بحذق ودقّة، وساعده على ذلك الوعي الرّيفيّ الفقير.
الدّكتور يوسف بكّار، حوارات إحسان عبّاس
***
عندما انتهيت من تأليف هذه المخطوطة، قمتُ برحلة إلى القدس ومنها إلى القاهرة في نوفمبر 1988. (...). في فلسطين اكتشفتُ مجدّداً أنّ ما كان شبكة من البلدات والقرى عاش فيها أبناء عائلتي الموسّعة ذات يوم –القدس وحيفا وطبريا والناصرة وعكا- أضحت الآن مطارح إسرائيليّة تعيش فيها الأقلّية الفلسطينيّة تحت السيادة الإسرائيليّة. صحيح أن الفلسطينيين يتمتّعون بالحكم الذاتي، أو الاستقلال الذاتي، على أجزاء من الضفّة الغربيّة وغزّة، لكنّ الجيش الإسرائيليّ يحتفظ فيها بالسّيطرة المدنيّة الشّاملة، وهي سيطرة تبدو أشدّ نفورا على الحدود وعند نقاط التّفتيش والمطارات. وكان أحد الأسئلة الرّوتينيّة التي وجّهها إليّ الموظّفون الإسرائيليّون (لمّا كان جواز سفري الأمريكيّ يشير إلى أنّي ولدت في القدس) ما هو الموعد المحدّد الذي غادرتُ فيه إسرائيل بعد الولادة؟. فكنتُ أجيب أنّي غادرت فلسطين في ديسمبر 1947، مشدِّداً على كلمة "فلسطين". "هل لديك أنسباء هنا؟" كان السؤال التالي الذي أجبتُ عنه بـ- "لا أحد" وقد امتلكني شعور من الحزن والخسران لم أكن أتصوّر أنّي سوف اختبره. ذلك أنّه مع حلول ربيع 1948 كانت عائلتي الموسّعة كلّها قد أجليت عن المكان وعاشت في المنفى منذ ذلك الحين. على أنّي في عام 1992 تمكّنت للمرّة الأولى منذ مغادرتنا عام 1947، من زيارة المنزل الذي تملكه عائلتي في القدس الغربيّة والمنزل الذي نشأت فيه أمي في النّاصرة ومنزل خالي في صفد وغيرها من المنازل. وإذا هي في زيارتي الثانية يسكنها جميعَها ساكنون جدد تذرّعوا بأسباب عاطفيّة كابحة جدّا ومبهمة لعرقلة دخولي إليها مرّة ثانية، بل لمنعي عمليّا من الدّخول، ولو من أجل إلقاء نظرة خاطفة".
ادوارد سعيد، خارج المكان

اقرأ أيضا