صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

قدس الرواية

اختراق جدار الفصل بالرسوم

اختراق جدار الفصل بالرسوم

نبيل سليمان

إذا كانت المدينة الروائية عالماً من الكلام، سواء أكانت انعكاساً أم انزياحاً، كما يرى جان إيف تادييه، فمن المدن الروائية ما يفيض عن ذلك، لتتخلق كما الإنسان، جسداً وروحاً.
وربما تكون القدس في التخييل الروائي العربي، خير مثال، كما قد يتبدى في هذا الاستعراض لعدد من الروايات العربية التي اتخذت من القدس موضوعاً لسردياتها:

«أورشليم» فرح أنطون
«أورشليم الجديدة» هي رواية الكاتب اللبناني فرح أنطون (1874 1922) والتي صدرت عام 1904، واشتبكت فيها المطارحات الدينية والفلسفية بالتاريخ عبر قصة الحب بين اليهودية إستر والمسيحي إيليا. وتمضي الرواية الرائدة من الأسباب الدينية والسياسية التي أدت إلى سقوط بيزنطة إلى الفتح الإسلامي للقدس، وإذا بالمدينة الروائية تنهض من التاريخ كساحة عداء مسيحي يهودي، ثم كساحة للتسامح كما دشنها عمر بن الخطاب، وصولاً إلى زمن الرواية - مطلع القرن العشرين - حيث يتبدى في شخصية إستر المتعجرفة الإنكارُ اليهودي لحق المسلمين والمسيحيين في المدينة المقدسة.

«أعداء» ممدوح عدوان
من سورية يعود ممدوح عدوان (1941 2004) إلى الحرب العالمية الأولى في روايته «أعدائي»، عندما غدت القدس عاصمة بلاد الشام، بعدما انتقل إليها الحاكم العثماني جمال باشا من العاصمة دمشق. وقبل ذلك كانت الرواية قد قدمت شخصيتيها المركزيتين: رئيس البوليس العدلي في بيروت عارف الإبراهيم، والثري اليهودي ألتر ليفي، صاحب متجر وشركة تأمين في القدس، ومستشار وصديق جمال باشا. وقد كشف عارف جاسوسية ليفي فجازاه جمال باشا بالنقل إلى القدس رئيساً لشرطتها، فوضع حراسة على بيت ليفي في الكومبانية المسكونية، وأغلق شركة التأمين والمتجر، وأرسل دورية إلى قرية النبي صاموئيل لمراقبة زوجة ليفي.
تخاطب المدينة الروائية مدينةَ القدس عبر مسكن خليل السكاكيني، الإصلاحي الذي هُجِّر إلى الأناضول، أو بفندق القدس الذي عاين فيه عارف العلاقات الطيبة بين أثرياء يهود وزعماء العشائر وكبار التجار العرب، أو بفندق أوغست فكتوريا المخصص للضباط الألمان، وفيه نزل جمال باشا، كذلك فندق فاست، أو فندق الشرق، أو بنسيون إستر حاييم، حيث تلتقي شبكة الجاسوسية التي يديرها ليفي، أو بنسيون العشاق، وهو من النوادي التي تجمع الغناء والرقص والمقامرة والدعارة، ومقصد الضباط الألمان والأثرياء الأتراك والعرب، أو المقاهي التي يحكي في بعضها الحكواتي قصة عنترة وتغريبة بني هلال، عدا عن الخمارات ودور الدعارة التي يديرها جميعاً اليهود.
ترسم الرواية حالة القدس عشية سقوطها، ومن ذلك الخوف من اندلاع حرب أهلية بين طوائف المدينة بدافع الجوع والذل. لذلك يمنع المسلمون المهاجرون إلى القدس من اقتحام الحي اليهودي أو الحي الأرمني أو الحي التجاري أو الحي المغربي. وإذا كانت الكنائس والجوامع مفتوحة للمشردين، فالرواية تلح على ما كان من الكراهية المتربصة بين المسلمين والمسيحيين، والسنة والدروز، والدروز والمسيحيين، بل بين السنة والعلويين، عدا عن المهجرين والعسكر. وبينما لا يستفز اليهود أحداً، ويتحاشون الاحتكاك بغيرهم في الأسواق، حيث يحمل واحدهم الشارة التي تدل عليه، فهم لا يغادرون حيّهم إلا اضطراراً. ولكن حين تحضر من الجبهة خمس جثث، إحداها لضابط ألماني، تثور الشكوك باليهود، ويندفع الشباب العرب إليهم، لكنهم يفاجئونهم بالسلاح، ويقتلون منهم، فيفرون، ويطاردهم اليهود ويقتلون منهم في صحون الجامع وباحات الكنائس.
ردّ عارف الإبراهيم بمهاجمة الحي اليهودي، لكنه لم يقتل أحداً، بل عاد بمعتقلين وبأسلحة يتبيّن أن مصدرها هو ألتر ليفي، وهكذا تستعر مطاردة عارف لألتر. وعبر ذلك تلتقي سارة التي تعمل في شبكة ليفي مع ضابط ألماني، يزوّدها بخريطة للقدس، ويبدو ذلك تعلّةً لخريطة المدينة الروائية، يظهر فيها باب الشام وباب الأسباط وشارع الموازين وكنيسة القيامة و... حتى إذا سقطت القدس في 9/12/1917 اندفعت الجموع التي يتقدمها خوارنة وقسس إلى خارجها نحو الإنكليز. وقد انضم إليهم شيوخ ورابيّون يهود لتسليم مفتاح القدس للقائد الإنكليزي. ولما تم ذلك، دخل اللبني من بوابة حيفا راجلاً. لقد ناءت رواية «أعدائي» أحياناً تحت وطأة التأرخة والتوثيق وغواية البوليسية والجاسوسية، لكنها تظل ربما أفضل عمل روائي يتعلق بالقدس في المفصل الحاسم الأول قبل مائة سنة.

شوارع جبرا وشخوصه
للمفصل الحاسم الثاني، وهو نكبة 1948 قدم الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا (1920 1994) بالإنكليزية روايته «صيادون في شارع ضيّق» سنة 1960، وظهرت بالعربية عام 1974. وكما في كل روايات جبرا، تكون الشخصية المحورية - وهي هنا جميل فران - قناعاً سِيَرياً. وقد عاد جميل من دراسته في كامبردج إلى مدينته القدس، شأن الكاتب، وكانت له قصة الحب والخطوبة مع ليلى شاهين. وفي عشية النكبة عام 1948 صار التدمير نهجاً صهيونياً لتهجير المقدسيين، ومن ذلك ما وقع لجميل وأسرته، فكان الفرار من القدس إلى بيت لحم، ثم كان رحيل جميل إلى بغداد، حيث نقرأ قوله: «ما عدت أستطيع أن أذكر ملامح أية مدينة في العالم سوى مدينة واحدة، مدينة واحدة أذكرها طيلة الوقت، تركت جزءاً من حياتي مدفوناً تحت أنقاضها». ولأن الأمر كذلك، تستعيد الرواية صور الشوارع والفنادق والملاهي والمواخير وقصور الأثرياء و...
إنها القدس التي ستحضر أيضاً في رواية جبرا «السفينة» (1969) عبر شخصية الفلسطيني المسيحي وديع عساف الذي يقسم أنه عائد يوماً إلى القدس: غازياً أو متلصصاً أو قاتلاً أو مقتولاً. كما حضرت القدس في روايتي جبرا «الغرف الأخرى» (1986) و«البحث عن وليد مسعود» (1978) التي ترجّع فيها صوت وليد: القدس صخرة أبدية ومدينة سحرية. وفي هذه الروايات، كما في الرواية الفلسطينية بعامة، ومنها رواية «صيادون في شارع ضيق» يكون المكان/ القدس، غالباً، بطلاً روائياً. ومن ذلك ما يسرد جميل فران عن البيت الذي بناه أبوه في جبل القطمون في القدس الجديدة قبل سنة ونصف من النكبة. وكان جميل هو من اختار موقع البيت عندما عاد من كامبردج. والبيت يطل على حي رجافيا اليهودي. وفي مشهدية بديعة يرسم جميل من شرفته الفتيان والفتيات الذين يصعدون إلى أي بيت عربي، يستأذنون ليتفرجوا على جمال قنطرة المدخل أو على أزهار الجيرانيوم التي تكسو الحجر الأبيض. ومن غمرة الذكريات التي يستعيدها جميل بعد رحيله إلى بغداد كان الهجوم الصهيوني على البيوت العربية ذات الحجر الوردي والأبيض، حيث احتُل بيت جميل، ودُمِّر بيت آل ليلى، وعثر جميل على يدها المبتورة. لم تعد القدس، فيما يرى جميل، مدينة المسيح، بل صارت مدينة داوود. واليهود اخترعوا لهم وحدهم أورشليم أخرى. وحين يرتل رجل آثاري: «قدس الفضة، يا قدس الذهب» يرتّل جميل: «قدس الزمرد والبنفسج». وكان جميل قد كتب قصيدة بالإنكليزية في كامبردج، منها: «يا قدساً سماؤها ياقوتة لا تنتهي، صَدَفة غسلتها مياه البحر ورفعتها لتولد فيها كل صباح أفروديت الجديدة».
تلك هي قدس الرواية: أرض الشقائق التي بحمرة الدم، والتي سقى ترابها دم تموز والمسيح، كما يكتب جميل فران أو جبرا، عن القدس في المفصل الحاسم الثاني الذي ستعقبه مفاصل حاسمة بلا عدّ، فهل يكون آخرها إعلان ترامب أن القدس عاصمة إسرائيل؟

كتبوا باسمها وعنها
من هزيمة 1967 إلى اتفاق أوسلو، وما بينهما، وما تلا، تتعدد وتشتبك المفاصل الحاسمة روائياً، وفي الصميم دوماً هي القدس، أي مدينة الله، وباسمها هذا عَنْون حسن حميد (فلسطين) روايته التي صدرت عام 2009، وفي العام نفسه صدرت رواية واسيني الأعرج «سوناتا لأشباح القدس» وفي ثناياها سمّى الروائي الجزائري القدس أيضاً (مدينة الله). وكان إلياس فركوح (الأردن) قد سبق إلى ذلك في رواية «أرض اليمبوس» (2007).
يكتب حسن حميد أن القدس/ مدينة الله ليست لدين بعينه، ولا لبشر بعينهم. ولتجسيد ذلك جاء بناء الرواية في فصول، وكل فصل هو رسالة يكتبها الروسي الرحالة فلاديمير إلى أستاذه في بطرسبرغ. فهذا فصل عن درب الآلام وكنيسة القيامة التي يسيّجها (البغّالة) أي جنود الاحتلال الإسرائيلي. ومن فصل - رسالة إلى فصل - رسالة يكتب الروسي المفتون بالقدس مكاناً وتاريخاً ومعتقداً ومعنى، بالأحرى يرسم القدس: مغارة الرامة (مغارة سيدنا المسيح)، و(برج اللقلق) - وهذا هو أيضاً عنوان رواية ديمة السمان الصادرة عام 2005، وتبأرت في القدس القديمة وهي ترمح في الزمان من أفول العثمانية إلى أفول القرن العشرين - أما رسوم رواية حسن حميد فلا تفتأ تتقد، من أساطير نشأة مدينة الله إلى مغارة الصليب أو كنيسة هيلانة أو سلالم الجلجلة الحجرية أو بركة الفيض أو حواجز الإسرائيليين المبثوثة (كالفطر المسموم) إلى الحي الأرمني وسوق العطارين وسوق اليهود والمسجد الاقصى ومقهى الباشورة وسوق الحسبة وسوق النحاسين وسوق الحصر... وعبر ذلك تنتأ أحياناً المعلومة التاريخية فيما يقدمه أستاذ الآثار والحفريات (مثلاً: ص 176 و178).
يكتب فلاديمير لأستاذه أن رؤية القدس كأنما تصيب المرء بالعطش الأبدي، وأن الواقعي والعجائبي والملائكي والشيطاني في القدس، كائنات بشرية. ومقابل هذا السحر والتاريخ والقداسة، مقابل هذه الحياة، ينشب الموت الإسرائيلي، فاتكاً بالتاريخ وبالحاضر، فماذا عن المستقبل؟

المدونة الروائية للقدس: إشارات..
بلغت المدونة الروائية للقدس منذ نكبة 1948 إلى اليوم مبلغاً كبيراً، لذلك أكتفي ببعض الإشارات، ابتداءً بما تنادي به الروايات المعنية جماليات المكان. فالفضاء الروائي المقدسي هو المناط الجمالي الأكبر، كجغرافيا وعمران. وينبغي التمييز هنا بين روايات الكتاب الذين عاشوا في القدس، سواء أُبعدوا عنها وعادوا إليها أم لم يعودوا، مثل محمود شقير وديمة السمان وجبرا إبراهيم جبرا و.. وبين الكتاب الذين لم يعرفوا القدس إلا صوراً وحكايا ومراجع، وأولاء جميعاً فلسطينيون. ومع الفئة الأخيرة يأتي الكتّاب العرب الذين شغلت القدس رواياتهم. تنضاف إلى جماليات المكان النوستالجيا كإشارة كبرى، فمن الروايات ما ينبض بالحنين إلى ماضي المدينة المقدسة، وبخاصة قبل نكبة 1948، وفيما بين النكبة وهزيمة 1967. وقد تتسربل هذه الرجعى أو تلك، بالتوثيق الذي يبهظ الرواية عندما لا يكون حفرية سردية في التاريخ الحديث أو القديم. وتشتبك سائر الإشارات أحياناً كثيرة ومتفاوتة بالأيديولوجيا، فتثقل السياسة على الفن، وهو ما أخذه مثلاً يوسف حطيني ويمنى العيد على رواية «سوناتا لأشباح المدينة». غير أن ما هو أهم، في هذه الرواية كما في أغلب ما كتبه من سبق ذكرهم، ومعهم سحر خليفة وليلى الأطرش ونبيل خوري وليانة بدر و... هو ذلك الفن الرفيع الذي توفّر للمدونة الروائية العربية المتعلقة بالقدس، فإذا بالقدس الروائية تخليق بديع للمدينة المقدسة، بما نسج الفن بين المتخيَّل والمرجع.

الداخل والخارج
في كتاب للناقد الدكتور مصطفى عبد الغني بعنوان «الغيم والمطر: الرواية الفلسطينية من النكبة إلى الانتفاضة»، جهد لافت لتقييم الرواية الفلسطينية. ويقصد المؤلف بالغيم في عنوانه عشرات السنين التي قضاها الفلسطينيون قبل اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، وتلك السنوات كان التركيز فيها على نقد الذات حتى انتهى ذلك كله إلى شيء أشبه بالمطر الأسود، توالى هطوله في سنوات الانتفاضة. وقد رصد الكتاب فترات الغيم الطويلة من خلال روايات غسان كنفاني وحبرا ابراهيم جبرا وهشام شرابي وسحر خليفة، ومنهم من كتب رواياته داخل فلسطين ومنهم من كتبها خارجها. أما الروايات التي عبّرت عن الغضب والمطر الأسود الثقيل، فقد اقتصر المؤلف على روائيين من عرب الداخل، لأنهم شهدوا النضال بأنفسهم، ومنهم: زكي درويش، محمد وتد، راضي شحاتة، سحر خليفة، إميل حبيبي، ليانة بدر.