الاتحاد

الملحق الثقافي

أثير فلسطين

فلسطينيون يستمعون الى إذاعة القدس في إحدى المقاهي

فلسطينيون يستمعون الى إذاعة القدس في إحدى المقاهي

إلياس سحّاب

لعبت فلسطين والقدس، خصوصاً في النصف الأول من القرن العشرين، قبيل انهيار الإمبراطورية العثمانية وبعد الانهيار، صلة وصلٍ حضارية وثقافية وفنّية بين مصر، عاصمة النهضة السياسية والحضارية والفنّية منذ القرن التاسع عشر، وبين سائر بلدان المشرق العربي، وخصوصاً لبنان وسورية والعراق. فقد كانت مُدن القدس ويافا وحيفا ممرّاً لكبار مطربي مصر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في رحلاتهم الفنّية من القاهرة وسائر البلدان العربية في المشرق العربي، مثل سلامة حجازي، ويوسف المنيلاوي، وسيد صفتي، وسواهم.


بعد أن لمَس القرن العشرون بأصابِعه النهضة الفنّية والاجتماعية في مصر، في العشرينيات والثلاثينيات، دخلت إليها الفنون الحديثة، مثل السينما والإذاعة اللاسلكية، فكانت مصر وفلسطين أولى محطّات ظهور الفن الإذاعي. إذ تأسّست أول محطّة إذاعية عربية رسمية في القاهرة سنة 1934، وتبعتها بعد ذلك فوراً إذاعة القدس سنة 1936، ومن ثمّ إذاعة الشرق الأدنى في يافا، في أوائل الأربعينيات. وسرعان ما ازدهرت هاتان الإذاعتان الفلسطينيّتان، اللتان أنشأتهما السلطات البريطانية المحتلّة في فلسطين، فأصبحتا في الموقع الثاني فنّياً، بعد إذاعة القاهرة، أمّ الإذاعات العربية.

إذاعة القدس
بدأ نشاط إذاعة القدس أولاً باستقطاب كل نجوم الحركة الفنّية في منطقة القدس، كما في سائر أنحاء فلسطين، حيث ظهر عددٌ وافرٌ من العازفين والمطربين، بتأثّرٍ واضحٍ من النهضة الفنّية التي لفحت أرض فلسطين العربية تأثراً بنهضة الموسيقى العربية في مصر، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين.
وكانت إذاعة القدس مركزاً فنّياً عربياً مركزياً، إذ إنها لم تكتفِ باستقطاب نجوم الموسيقا والطرب في فلسطين، بل في سائر البلدان العربية المجاورة، مثل لبنان وسورية والعراق، وحتى مصر، عاصمة الفن العربي في ذلك الوقت.
كانت إذاعة القدس تضمّ قسمين منفصلين، هما القسم العربي، والقسم العبري. وكان أول رئيس للقسم العربي شاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان، صاحب القصيدة الشهيرة «موطني موطني»، ثم تلاه بعد ذلك في رئاسة القسم العربي الأديب اللبناني المغترب إلى القدس، عجّاج نويهض، والد المؤرّخة بيان نويهض الحوت.
لقد بلغ من ازدهار إذاعة القدس في النصف الثاني من الثلاثينيّات، وقبل ظهور شقيقتها إذاعة الشرق الأدنى في يافا، أنها كانت تستقطبُ حتى كبار الفنّانين في مصر، ومن المعروف أن القدس كانت حتى قبيل إنشاء دار الإذاعة فيها، ممرّاً أساسياً لكبار مطربي ومطربات القرن العشرين في مصر، حيث أحيت أم كلثوم، على سبيل المثال لا الحصر، حفلات عدّة في القدس، حتى قبيل تأسيس دار الإذاعة فيها.
بعد إنشاء الإذاعة، راحت تستقطب للعمل فيها فنّانين مثل فريد الأطرش وأسمهان. ويروي المطرب العربي الكبير محمد عبد المطلب، أنه بعد أن ترك كَورَس محمد عبد الوهاب في القاهرة، الذي كان عضواً فيه حتى مطلع الثلاثينيات، حاول أن يظهر في حفلات غنائية مُنفردة، لكنه لم يعرف إلا الفشل، حتى رحل إلى فلسطين والتحق مطرباً ناشئاً في إذاعة القدس، حيث بدأت تنطلق شهرته في جميع الأقطار العربية، بما في ذلك بلده مصر. ويروي محمد عبد المطلب في مذكّراته التي بثّتها إذاعة صوت العرب عند وفاته، أنه وبعد أن اشتهر في إذاعة القدس، عاد إلى بلده مصر، ليجد أنه قد أصبح نجماً غنائياً محبوباً لدى الجمهور المصري. وفي هذه الحادثة دلالة كبرى على مدى انتشار وتأثير إذاعة القدس في فلسطين ومحيطها العربي منذ ذلك الوقت المبكر.
ومن لبنان، انضمّ إلى إذاعة القدس الفنان يحيى اللبابيدي، شاعر وملحّن الأغنية الشهيرة «يا ريتني طير لأطير حواليك»، أول أغنية اشتهر بها الفنان فريد الأطرش، كذلك التحق بإذاعة القدس المطرب اللبناني المعروف في تلك الأيام عامر خدّاج، مع زوجته الفنّانة سناء.
وكانت إذاعة القدس من أوائل محطَّات الإذاعة العربية، التي أخذت تُدرّب فرقة الموسيقا العربية فيها على قراءة النوتة الموسيقية. ولا عجب في ذلك، بعد ضمّ القسم العربي في إذاعة القدس نفراً من كبار الموسيقيين الفلسطينيين الدارسين والموهوبين، مثل يوسف البتروني (لبناني الأصل) الذي درس الموسيقا في إيطاليا، ويحيى السعودي وروحي الخماش، الذي درس الموسيقا العربية في القاهرة مع زميله الفلسطيني اللامع حليم الرومي، الذي كان يعمل في إذاعة الشرق الأدنى.
وقد حدث بعد نكبة 1948 أن تفرّق هؤلاء بين سائر الإذاعات العربية في البلدان المحيطة بفلسطين، فالتحق حليم الرومي بإذاعة بيروت، ويوسف البتروني ويحيى السعودي بإذاعة دمشق، وروحي الخماش بإذاعة بغداد. وقد سجّل انتقالهم من إذاعتَي القدس والشرق الأدنى، دوراً كبيراً في تطوير الإذاعات العربية التي انتقلوا إليها، وتحويلِ فرقِها الموسيقية إلى فرقٍ حديثةٍ تلتزمُ بعلوم الموسيقى.
والحقيقة أن القدس كانت، بالإضافة إلى دار الإذاعةِ الشهيرةِ التي تأسّست فيها منذ العام 1936، تُعرف أكثر من مركزٍ للإشعاع الفنّي، مثل الجمعية المسيحية للشباب، التي أسّست في ذلك الوقت المُبكر في الثلاثينيات، مسرحاً لسماع الموسيقى يزيدُ عددُ مقاعده على الألفِ مقعدٍ، أي أنها كانت من أكبر (وربما أكبر) قاعة موسيقية في سائر الأقطار العربية يومها.
وكان في قاعة الموسيقى في الجمعية المسيحية، آلةٌ عملاقة للارغن الكَنَسي، حيث كان الموسيقار الفلسطيني سلفادور عرنيطا، الذي درس العزف على آلة الأرغن في روما، ودرس قيادة الأوركسترا السمفونية في لندن، يقوم عند كلّ موسمٍ من مواسمِ عيد ميلادِ السيد المسيح، بعزفِ المقطوعات الموسيقية الأوروبية الخاصّة بالعيد، بعد أن تكون آلة الأرغن مربوطةً بأجراسٍ خارج مقرّ الجمعية، فتتحوّل الموسيقى الميلادية من الأرغن، إلى طنينِ الأجراسِ في الخارج.
أما البؤرة الموسيقية الثالثة التي اشتهرت في القدس منذ ثلاثينيات القرن المنصرم، فكانت المدرسة المعروفة باسم «تيراسانتا» (الأرض المُقدّسة)، وهي إرسالية إيطالية في فلسطين، حيث كانت شديدة الاهتمام بتدريس طلابها علوم الموسيقا. وقد تخرّج منها عددٌ من الفنّانين الفلسطينيين، منهم سلفادور عرنيطا، ثم رياض البندك، الذي اشتهر بعد ذلك في إذاعات صوت العرب ودمشق وبيروت، والذي لحّن للمطرب الكبير وديع الصافي أغنيته الشهيرة «يا عيني عالصبر».

إذاعة الشرق الأدنى
أما زميلة إذاعة القدس في فلسطين، أي إذاعة الشرق الأدنى في مدينة يافا، فقد شاركت إذاعة القدس في إرساء قواعد النهضة الموسيقية العربية الحديثة، قبيل العام 1948، وبعد النكبة عندما انتقل جميع العاملين فيها إلى بيروت، حيث واصلوا أعمال إذاعة الشرق الأدنى (التي كانت تذيع من قبرص) حتى العام 1956، يوم استقال جميع موظّفيها وفنّانيها العرب، احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، الذي شاركت فيه بريطانيا، وراحت تبثّ دعايتها السياسية من إذاعة الشرق الأدنى.
لقد لعب مكتب بيروت لإذاعة الشرق الأدنى حتى سنة 1956، دوراً أساسياً من خلال المخرج الفنان صبري الشريف، في إطلاق قواعد النهضة الموسيقية المشرقية، التي أصبحت بيروت مركزاً لها، إذ ساهم في اكتشاف ورعاية الفنّانين الكبار الأخوين رحباني، وزكي ناصيف، وتوفيق الباشا وفيلمون وهبي، وأرست قواعد إطلاق النهضة الموسيقية العربية الحديثة، على أسس الانطلاق من الموسيقا الشعبية (الفلوكلور). وبعد إغلاق مكاتب إذاعة الشرق الأدنى في بيروت، انتقل جميع العاملين فيها تقريباً إلى تأسيس مرحلة النهضة في إذاعة لبنان، مواصلين بذلك ما بدؤوه في إذاعة الشرق الأدنى، قبل النكبة وبعدها.
وإذا عدنا إلى إذاعة القدس، يجدر بنا الإشارة إلى أنها قد انتقلت بعد الاحتلال إلى رام الله، حيث بقيت فترة من الزمن إلى أن أمرت الحكومة الأردنية، بعد إعلان ضمّ الضفة الغربية إلى الأردن سياسياً، بنقل جميع العاملين في إذاعة رام الله إلى العاصمة عمّان، حيث أسّسوا دار الإذاعة الأردنية المستمرّة حتى يومنا هذا.
ويجدر القول هنا، أن جميع العاملين في إذاعَتَي القدس والشرق الأدنى، توزّعوا على جميع البلدان العربية، التي كان الفن الإذاعيّ فيها في مراحله الأولى، ليعملوا على تأسيسِ الكثيرِ من إذاعات منطقة الخليج العربيّ، ومنهم الإذاعيّون الكبار غانم الدجّاني، وصبحي أبو لغد، وعبد المجيد أبو لبن، ومحمد الغصين، وأحمد الجرار، وكامل قسطندي، ومحمود الحوت. بعد أن أسّسوا في بيروت مكاتب لإنتاج البرامج الإذاعية المعلّبة وتوزيعها، كصناعة رائدة في المنطقة العربية.
خلاصة القول، أن نكبة فلسطين في العام 1948، جاءت لتضرِب ازدهاراً فنّياً وثقافياً كان مزدهراً في القدس وسواها من مدن فلسطين العربية، وقطعت جسرَ تواصلٍ حضاريٍ بالغ الأهمّية، بين مصر وسائر الأقطار في المشرق العربي، لكنها مع ذلك لم تقوَ على منعِ انتشارِ الإشعاعِ الفنّي الفلسطيني بعد ذلك، في سائرِ أرجاءِ الوطن العربيّ الكبير.

ذيوع وانتشار
بعد إنشاء الإذاعة، راحت تستقطب للعمل فيها فنّانين، مثل فريد الأطرش وأسمهان. ويروي المطرب العربي الكبير محمد عبد المطلب، أنه بعد أن ترك كَورَس محمد عبد الوهاب في القاهرة، الذي كان عضواً فيه حتى مطلع الثلاثينيات، حاول أن يظهر في حفلات غنائية مُنفردة، لكنه لم يعرف إلا الفشل، حتى رحل إلى فلسطين والتحق مطرباً ناشئاً في إذاعة القدس، حيث بدأت تنطلق شهرته في جميع الأقطار العربية، بما في ذلك بلده مصر. ويروي محمد عبد المطلب في مذكّراته التي بثّتها إذاعة صوت العرب عند وفاته، أنه وبعد أن اشتهر في إذاعة القدس، عاد إلى بلده مصر، ليجد أنه قد أصبح نجماً غنائياً محبوباً لدى الجمهور المصري. وفي هذه الحادثة دلالة كبرى على مدى انتشار وتأثير إذاعة القدس في فلسطين ومحيطها العربي منذ ذلك الوقت المبكر.

اقرأ أيضا