السبت 21 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
إبداع ينجو من الأيديولوجيا
إبداع ينجو من الأيديولوجيا
15 يونيو 2011 19:54
رغم أن بدايته كانت ككل فنان، حيث اللوحة الكلاسيكية والتعبيرات التجريدية الأخرى انطباعياً أو جمالياً، بل وتشبثه باللوحة إلى فترة طويلة في تجربته (التأثيرية، الانطباعية)، إلا أن الفنان عبد الناصر غارم استطاع مع جيله من الفنانين الآخرين أن يضعوا بصمة مختلفة، وفهماً مغايراً لواقع متغير ومتجدد، كان يتطلب دوماً أن يقدمه الفن بشكل يتقاطع معه ويشكل قراءة ومقاربة له من خلال عمل لا يرتهن للجمالي فقط ولا للمدرسي .. بل يقرأ ذلك الواقع من خلال تحولاته أولاً ومن خلال فكرة الفن التي لم تعد الموهبة هي كل زادها. رأى عبد الناصر غارم منذ وقت مبكر أن اللوحة لم تعد تستوعب فكرته، فبدأ رحلته الفنية بحثاً عما يسد هذا الرمق ويعلو بهذا التوق إلى الجديد. بدأ بالاشتغال أكثر على الميديا ككل – الفوتوغراف، الأداء، التجهيز في الفراغ، وهو ما كان يحدث في العالم أيضاً، حيث الفن ينمو وتصبح لغته أكثر اتساعاً وأدواته أكثر تجدداً. لم يتوان عبد الناصر وانطلق نحو أعمال مثل “الصراط” و”تحويلة” و”الأختام” و “ما هي الطبيعة؟” وأخيراً عمله “الرسالة – الرسول” الذي بيع في الدورة الأخيرة لمزاد كريستي لفنون الشرق الأوسط في دبي بما يقارب مليون دولار، محققاً بذلك رقماً قياسياً جديداً، من حيث أغلى عمل يباع لفنان عربي، وهو لا يزال على قيد الحياة، وهو أيضاً الأعلى والأكثر لفنان عاش في بلده حسب تصنيف كريستي. رسالة كونية ولعل هذا ليس هو الأهم بصدد العمل الذي يحمل في مضامينه رسالة كونية تشترك فيها لغات العالم بفكرة متجددة تتصل بالحضاري والتاريخي في وعاء فني حديث لا يحتاج إلى ترجمة ولا وسائط وينجو من الأيديولوجي، بل ويقوم مقام ردة الفعل تجاه قضايا الحوار مع الآخر والانفتاح الديني وغيرها. والعمل عبارة عن مجسم لقبة الصخرة الشهيرة التي أنشأها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في مقابل البناء الإبداعي لكنيسة القيامة، تأثراً بما رآه من فن وطراز معماري بديع لكنيسة القيامة، وحتى إن لم يكن هذا هو السبب الوحيد، فإن عبد الملك بن مروان كان يحاكي ما يشبه الحوار الحضاري والحديث بين الأديان، ويدرك تماماً أهمية الفن كونه اللغة الأكثر حيوية ووصولاً، وكون وسائط الفن المتعددة يمكن أن تحقق أهدافه بأقصر الطرق. إذن هو عمل معرفي ذهني وله مرجعياته وأسسه التي يقوم عليها وطبيعة أسئلته التي يقرأ من خلالها: قبة ضخمة من النحاس والخشب، بحجم يوازي ويعبر عن هيبتها وقدسيتها، بقطر يتجاوز 3 أمتار، وطول يتجاوز المترين، والقبة مفتوحة من إحدى الجهات برافعة رمزية ثم تسقط على حمامة تسير باتجاه طعامها، وبينما هي تستعد لحريتها من جديد تسقط القبة مطبقة عليها في إشارة رمزية لخطابات متعددة ومفاهيم متباينة حول مفهوم السلام والحرية. بالطبع، يعتمد الفنان عبد الناصر غارم على المعنى الرمزي شبه البديهي للحمامة التي تطبق عليها القبة كما يطبق الفخ في إشارة رمزية يريدها أن تتسع لتشمل إلى جانب مفهوم السلام والحرية وتؤشر إلى ما يمكن أن يغشى الإسلام من تصورات خاطئة. إن “الرسالة - الرسول” عمل يحمل قيمته من خلال امتداده مع مشروع عبد الناصر غارم السابق، ويأتي ليضع بين أيدينا تصوراً جميلاً لما يمكن أن يتطرق له الفنان العربي من قضايا يستلّها من واقعه، قضايا تعبر عن الهوية، عن قراءة جديدة لما هو موجود في أذهان العالم الآخر عن الإنسان العربي اليوم، مكاشفة هذا الواقع ووضعه في المختبر، وكذلك يحمل تنبيهاً لما هو حولنا من فنون متأصلة وعريقة، وكم نحن بحاجة إلى أن نلتفت فقط. فضاءات مختلفة وبشكل عام، يطرح غارم فضاءات جديدة ومساحات مبتكرة في أعماله، وهو يقول عن أعماله إنها اهتمام خاص بما بعد الدين وقبل الفلسفة. ويرى أن صناعه الفن انتهت والآن على الفنان أن يكون ذا تجربة فاعلة مع المتلقي. ويشير إلى أن الفنان الحقيقي هو من يقوم بالتغيير وليس من يتحدث عن أهمية التغيير. وعبد الناصر يحمل فلسفة في اتجاه ما هو فني، ويقول إنه مشروع فوضوي يعمل بحرية في الحقل العام، فهو لا يتطلع إلى مفاهيم ضيقة في عمله، بل ولا يحتجزه ضمن أطر أيديولوجية أو فكرية محددة. ويذهب عبد الناصر إلى أسئلة من شأنها أن تذهب بالمتلقي إلى أمكنته هو واشتغالاته بديلاً عن تلك الأسئلة الجاهزة. وهو مهتم ببحث طويل وشيق حول مفاهيمه الخاصة عن الفن، بل ويعد واحداً من أبرز الفنانين في السعودية الآن ومن أكثرهم انتشاراً. وله عمل مقتنى من المتحف البريطاني يحمل صورة الكعبة، وآخر عليه نقوش لأصحاب الأخدود، وغير ذلك، مما يشكل لدى الفنان هوية واضحة، هي هوية مكان بالدرجة الأولى. وهي هوية لا علاقة لها بالنظام فقط، بل بأحداث ومكان وديانات وأفكار وسلسلة تاريخية مرت على المكان
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©