السبت 2 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
قاع المدينة.. أو ترويض البشر
قاع المدينة.. أو ترويض البشر
15 يونيو 2011 19:51
“سماء البحر واسعة، لكنها بدت لي خجولة متنائية في ذلك الصباح، فطيور النورس واظبت على التجوال بجذل لا تخطؤه العين.. نورس واحد لم يكن سعيدا بيومه، عرفت هذا من طريقته العصبية في الطيران ومن ابتعاد الطيور عنه ربما تجنبا لارتباكه.. ربما لأن خفق جناحيه كان عنيفا ساخطا وربما لسبب آخر”. هذه عبارة منتقاة من قصة “شيء يخصني” من المجموعة القصصية “المستهدف” للروائي جمال ناجي الصادرة قبل أيام قلائل عن دار فضاءات بعمان في 127 صفحة من القطع الصغير، وهي الرابعة بعد “رجل خالي الذهن” و”رجل بلا تفاصيل” و “ما جرى يوم الخميس”. وبسؤاله عن العودة لكتابة القصة قال جمال ناجي لـ “الاتحاد الثقافي”: “لا أعرف سبباً محدداً لكنني قلت أشياء كثيرة تجول في خاطري وتشكل استفهامات مزمنة. وعني شخصياً، بدأت وبخلاف الغالبية العظمى من زملائي، روائيا ولم أبدأ قاصا، حيث أصدرت أول رواياتي “الطريق إلى أبا الحارث” عام 1982 وأتبعتها بثانية “وقت” وثالثة “مخلفات الزوابع الأخيرة” ولم تصدر لي مجموعة قصصية إلا عام 1989 بعنوان “رجل خالي الذهن”. وبالنسبة لمجموعة “المستهدف” فقد كانت جاهزة للنشر قبل عام ونصف تقريبا، ولكنني أجلت إصدارها لأسباب تتعلق بإصدار روايتي الأخيرة “عندما تشيخ الذئاب” فأنا لا أحب أن تخوض كتبي في مزاحمات غير مبررة”. سخرية مرّة المجموعة التي تضم 14 قصة تجذب القارئ وترغمه على متابعتها حتى النهاية لبساطتها، وواقعية أحداثها، واقتحامها التفاصيل الخفية لمجتمع المدينة وإنسانها ورغباته المطمورة ومفارقاته وجموحه الممتع نحو الحرية، وقربها من هموم ومشاكل وتجارب المواطن العادي وهذه ميزة لكاتبها لا تتوفر لغيره فلا مجال للتشتت أو السرحان بل المتابعة والمتعة حتى النهاية. والمتصفح لتفاصيل المجموعة يكتشف أنه على الرغم من السخرية المريرة في قصة “المستهدف”، إلا أنها تمثل نوعا من التوق الإنساني إلى ثبات الزمن عند مرحلة معينة من الحياة، فإذا تقدم يتوق الإنسان إلى المراحل السابقة، وإذا تلكأ الزمن يتوق الطفل للزمن اللاتي كي يصبح شابا أو رجلا وبين هاتين المرحلتين تكمن نقطة التوق الإنساني المركزية. ويتحدث القاص عمّا تعرض له من ظلم واستهداف في طفولته “امرأتان تحكمتا بي وسخرتا مني “أمي وزوجتي”؛ كانت أمي تلبسني قمصان وبنطالات إخوتي الكبار تلك التي يعوفونها ويرفضون ارتداءها لأسباب كثيرة كتغير لونها وحرولته أو انتهاء موضتها أو خراب سحاباتها أو أزرارها وعراها.. تتبعها بعبارة تنطقها بنبرة من تخص عزيزا “أنت أبدى منهم” أو “ القالب غالب”. أما زوجتي، فقد فعلت الشيء نفسه، لكن بطريقة مختلفة، حيث عمدت لتجميع ما لا يريده أبنائي ارتداءه من الملابس ودعتني بلسان معسول لامتلاكها وارتدائها قائلة “أنت أبدى منهم ثيابهم ستعيدك شابا ما زالت جديدة والأهم خسارة أن نرميها”، فهناك أمر مشترك بين أمي وزوجتي وربما النساء جميعا هو تفردهن بامتلاك غريزة الاحتفاظ بالأشياء التي لا لزوم لها”. ويرى جمال ناجي أن الحياة مشروع خاسر قوامه الترويض والتكيف الذي لم أجد تفسيراً له غير التنازل؛ فهي في مرحلة متقدمة من العمر تحيل الإنسان لكائن غير نافع بل أنها تحيل أعتى الفحول لمخلوقات مسالمة مسايرة بدليل أنني توصلت مؤخرا إلى أن غزيرة الاحتفاظ بالأشياء تلك التي أثارت سخطي فيما مضى إنما تنطوي على حكمة عظيمة وأن الحكمة تتطلب اصطفافي إلى جانب زوجتي وتحريضها على التمسك بتلك الغريزة الخفية. صدمة يستخدم جمال ناجي ما يطلق عليه الصدمة في قصته “تكبير”، فالقارئ يتوقع أن منعه من السفر جاء لنشاط سياسي وهم كثر في الأردن قبل عودة الحياة النيابية عام 1989، لكنه يكتشف أن شقيقته عطاف قد اشتكت عليه للشرطة لأنه ضربها بحذائه وكسر لها واحدا من أضراسها، وهذا غير مألوف في مجتمعنا قديما، إذ كيف تشكو الشقيقة أخاها للشرطة!!. فأن تعيدك الشرطة لنشاط أو موقف سياسي فلا توجد مشكلة، أما أن تعيدك لأن شقيقتك تشكوك، فهذا خارج عن نواميس الأشياء!!. وفي قصته “مغص متعدد الاتجاهات” يطرح المؤلف موقفا معبرا عن رفض مراجعة الأطباء، وهو في هذا يشترك مع الآلاف الذين لا يحبذون زيارة الأطباء الذين يعبثون بأجسادنا ويغرقوننا بالوصفات الطبية حتى يبقوا أقوياء في عيون الآخرين وأجسادهم كالقلعة المحصنة، حيث يقول: “لا أطيق المثول تحت أجهزتهم التي يتنصتون بوساطتها على قلبي ونبض الحياة في عروقي وأرى أن التنصت انتهاك لخصوصيتي التي لا يجوز لأحد الاطلاع عليها”.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©