الإمارات

الاتحاد

المعلم القدوة حصانة للأجيال من الجهل

حسين إبراهيم الحمادي *

أيام قليلة تفصلنا عن «منتدى قدوة»، هذه الفعالية الدولية المتميزة من حيث غاياتها، والتي لا تهدف فقط إلى تمكين المعلمين بل وأيضاً الاحتفاء بمهنة التعليم وإيفائها ما تستحق من تقدير ورعاية، ووضعها في مكانتها الطبيعية كمحرك لمسيرة النمو والتطور الثقافي والاجتماعي.
على امتداد التاريخ طوّر البشر من شكل وجودهم الاجتماعي، انتقلوا من العشوائية في تأمين شروط بقائهم إلى التنظيم، وفي كل مرحلة من التطور كانت معرفتهم تزداد بما يتوجب عليهم عمله لتسهيل حياتهم اليومية وتأمين احتياجاتهم وشروط بقائهم، فبدأوا بالتعرف أكثر على مهارات العمل اليومي وما يمكن لهذه المهارة أن تحدثه من تغيير في سرعة وسهولة تأمين حاجاتهم، ومع مرور الوقت أصبحت المهارة مهنة ثم احتراف ثم أداة للتطور.
ويمكن القول إن التاريخ الإنساني في جوهره ليس سوى مراكمة للمعرفة والمهارة والتفكير والتأمل، لذا كان لا بد للبشرية أن تستحدث أعظم المهن على مرّ هذا التاريخ للحفاظ على ما راكمته من معرفة وتجارب ونقله من جيل إلى آخر، فجاءت مهنة التعليم التي تعتبر واحدة من أقدم المهن وأهمها على الإطلاق، لدرجة أن مراحل معينة من تاريخ الأمم كانت تحمل أسماء المعلمين الذين نشطوا وبرزوا فيها، خاصةً قبل ظهور المؤسسة التعليمية بشكلها الحالي حيث كان الفلاسفة المعلمون يلتقون وتلاميذهم في الأسواق والساحات العامة.
ولا تزال مهنة التعليم في وقتنا الحالي من أكثر المهن حساسية وأهمية، بل قد تتفوق على بقية المهن الأخرى من حيث عمق تأثيرها وسعته. إن الدول التي تسعى لاستمرارية التطور والتقدم، تدرك أهمية مهنة التعليم ومدى تأثير المعلم في تكوين الشخصية الاجتماعية والوطنية والمهنية لأجيال بأكملها وتبذل كل ما بوسعها لتطوير قطاع التعليم بشكل عام وتمكين المعلم بشكل خاص. وفي سياق سعيها لتحقيق هذه المهمة تعد البرامج والخطط اللازمة وتخصص لها الميزانيات من دون حساب، وقد يكون قطاع التعليم هو الأكثر استهلاكاً لميزانيات الدول المتقدمة، لأنها تدرك بالتجربة أن تكلفة الجهل تفوق بكثير تكلفة التعليم كما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو.
لقد دأبت الإمارات العربية المتحدة منذ تأسيسها على تطوير قطاعات المعرفة والعلوم، لأنها أدركت أن الاستثمار في المعرفة يحقق أكبر العوائد وأكثرها استدامة، وأن رؤية قائدها ومؤسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لمستقبل الدولة الاقتصادي والاجتماعي، تتحقق من خلال بناء جيل يدرك واجباته ويشعر بانتمائه لبلده وشعبه، يعشق المعرفة ويسعى إليها ويؤمن بقدراته بالتفوق والتميز. ولترجمة هذه الرؤية، استكملت قيادتنا الرشيدة بتوجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مهمة تطوير نظام التعليم بمختلف تفرعاته وقطاعاته ليكون الأفضل على مستوى العالم.
في هذا السياق، تأتي مبادرة «منتدى قدوة» التي يرعاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتمكين من نضع بين أيديهم مستقبل أجيالنا. خلف منتدى قدوة تكمن غايات طموحة وأهداف سامية، ، وإذا أردنا اختصار هذه الغايات في كلمة واحدة، فستكون السعادة التي هي جوهر مساعينا وخططنا وبرامجنا في هذه الدولة قيادةً ومواطنين.
ولأننا نسعى إلى بناء مجتمع متميز، نريد للمعلم أن يكون نموذجاً اجتماعياً متميزاً أمام طلبته، عليه أن يكون أباً جيداً وأخاً جيداً، وصديقاً وجاراً جيداً. ولأننا نريد مجتمعاً فريداً في أداء قطاعاته وفي مستوى كفاءتها، فعلى المعلم أن يكون موظفاً ومديراً مبدعاً، ومهندساً وطبيباً مخلصاً في عمله أميناً لأخلاقيات مهنته، أن يكون مفكراً وشاعراً وفناناً وفيلسوفاً يحلل المعارف القائمة وينتج الجديد منها. قد يتساءل البعض: وكيف للمعلم أن يكون نموذجاً لكل هذه المهن؟ الجواب بسيط، يكفي أن يكون المعلم قادراً على رصد مواهب طلبته ليحاكي بذاته أحلامهم مهما اختلفت، فلكل المهن التي يطمح الطلبة إلى إشغالها في المستقبل جوهر واحد، وهو القيمة الاجتماعية العالية لأي عمل.
إن اهتمامنا بالمعلم - القدوة ينبع من إدراكنا لحساسية هذه المهنة التي لا تفوقها مهنة أخرى في تأثيرها على عقول ووجدان أبنائنا وأسس تفكيرهم، والتي هي في المحصلة أسس العلاقات الاجتماعية والمهنية وأخلاقياتها. قد لا نجد مهنة أخرى تماثل في حساسيتها مهنة التعليم، والمعلم يترك أثره في جيل كامل ويمتد حتى يطال كافة تفاصيل حياتنا سواءً بالسلب أو الإيجاب.
والحاجة إلى القدوة الحسنة في تعليم أبنائنا أصبحت أكثر إلحاحاً في هذا العصر الذي يشهد حركة معرفية بلا قيود، حيث تنتقل الأفكار والقضايا بسرعة البرق من مكان إلى آخر فتثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، وتستفز فضول أبنائنا وتفتح شهيتهم للمعرفة. هناك الكثير من المفاهيم والقضايا والأحداث يقف أبناؤنا حائرين أمامها، ومهما بذلت الأسرة من جهود لتفسير هذا الفيض من الثقافات فستبقى تفتقر للتخصص العلمي والمنهجي. وترك الأفكار والظواهر المعرفية من دون تفسير، قد يفتح المجال أمام من لا يريدون الخير للناس ليقدموا التفسير الذي يخدم أجنداتهم الخاصة.
إن مهمة المعلم -القدوة في هذه المرحلة لم تعد تقتصر على تفسير الظواهر العلمية وحسب، بل يجب أن تشمل مساعدة الطلبة على فهم وتحليل ما يتلقونه من أفكار على مدار الساعة. لذا لا نغالي إذا قلنا إن المؤسسة التعليمية والمعلمين بشكل خاص في هذه المرحلة المضطربة إقليمياً وعالمياً باتت تشكل حصانةً للأمن الاجتماعي والأمن الفكري على حد سواء. من ينتظر حصاداً طيباً، عليه أن يوفر التربة الطيبة والغرس الطيب أولاً، والأهم من ذلك أن يوفر المهارات التي تضمن النتائج المتوخاة. هذه هي مهمتنا اليوم التي وجهتنا إليها قيادتنا الحكيمة، والتي نستلهم قيمها من إرث مفكرنا ومعلمنا الأول المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

اقرأ أيضا

«الصحة» تؤسس لـ«مستشفى المستقبل الافتراضي»