الإثنين 23 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الدين والسياسة.. مقاربة فلسفية
الدين والسياسة.. مقاربة فلسفية
15 يونيو 2011 19:48
أصدرت مؤسسة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء بشراكة مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وضمن سلسلة “أوراش البحث”، كتاب “الدين والسياسة من منظور فلسفي”. وهو كتاب قيم جمع بين دفتيه أبحاثاً عميقة كتبت بأقلام عدد من المفكرين المغاربة والعرب، والكتاب ثمرة ندوة كبرى سبق أن نظمتها في المغرب مؤسسة الملك عبدالعزيز. يضم الكتاب الذي جاء بطبعة أنيقة ويقع في حوالي 300 صفحة من الحجم المتوسط، الدراسات والأبحاث التالية: “خطاب الدين والسياسة: دراسة سيميائية في الأنساق الرمزية” احمد يوسف من جامعة وهران بالجزائر. “الأنطولوجيا التاريخية والموقف من الاسلام” الزواري بغورة من جامعة الكويت. “التحالف بين الفلسفة والدين بوصفه مخرجا لأزمة الحداثة السياسية عند ليو شتراوس” محمد المصباحي من جامعة محمد الخامس بالرباط. “فصل المقال فيما بين الدين واللاهوت من اتصال عند كارل شميث” محمد الشيخ من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. “جون رولز والمسالة الدينية: الحرية والتسامح” مصطفى حنفي من جامعة عبد المالك السعدي. “أخلاقيات السياسة” عمر بوفتاس من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. “الدين والدولة” عبد العلي معزوز من جامعة الحسن الثاني. “الخلافة والمُلك” عز العرب بناني من جامعة سيدي محمد بن عبد الله. “الدين والمجتمع والسلطان السياسي في الفكر الإسلامي” عبد الحق منصف من جامعة مولاي إسماعيل. “في التسامح والحق في التنوع الثقافي” عبد الرزاق الدواي من جامعة محمد الخامس بالرباط. أما في القسم الفرنسي من الكتاب، فنقرأ لجوزيف معلوف دراسته “مسألة الحقيقة في الأديان. وقام بتنسيق مواد الكتاب محمد المصباحي. يدور موضوع الكتاب حول العلاقة بين الدين والسياسة “منظوراً إليها من زاوية فلسفية، وبخاصة من زاوية فلسفة الحق السياسي والأخلاقي. وبالرغم من أن الأسئلة الفلسفية الشائكة التي توجّه أبحاث الكتاب متباينة ومتشعبة في منطلقاتها ومباحثها وأغراضها، فإن ما يوحدها هو الرغبة في المعرفة والمداولة والحوار، من غير إرادة لتسخير جانب الدين من أجل السياسة والفلسفية أو العكس، ولا رغبة في الادّعاء باحتكار المعرفة اليقينية من قبل هذا أو ذاك، أو افتتان بموت الحقيقة، أو تقاعس عن البحث عنها. هيمنة النهايات وقارب المصباحي في بحثه “التحالف بين الفلسفة والدين بوصفه مخرجاً لأزمة الحداثة السياسية عند ليو شتراوس”، مشيراً إلى أن الرجوع للتراث الفلسفي “الكلاسيكي في توافقه مع التراث الديني الوسطوي لفهم أزمة الحداثة وتقويمها وعلاجها هو عنوان مشروع ليو شتراوس (1899-1973)، وذلك في علاقة جدلية تتراوح بين الاستمرار والتقابل بين الحداثة وما قبلها. وكان موقفه هذا بمثابة رد فعل على هيمنة إشكالية “النهايات” على الزمن الحديث: نهاية الإنسان، نهاية العقل، نهاية الأخلاق، نهاية الحق، نهاية الدين، نهاية التاريخ، الخ. هذه النهايات التي صدرت عن نزعة عدمية عميقة تكشف عن مدى الأزمة الفكرية والروحية التي يعاني منها الغرب اليوم”. معتبرا أن “أمام أزمة الحداثة السياسية هذه، لم يجد شتراوس بُدا من الانخراط في سلك منتقديها، لكن من زاويته وطريقته الخاصة. حيث فاجأ الجميع بالقول إن الحداثة نفسها هي علة أزمة الحداثة. وهذا ما نبهه إلى أن علاج أزمة الحداثة لا يمكن أن يكون إلا بالتضاد معها، أي بالبحث عن الصور المقابلة لها في الماضي، لا بتجذير الحداثة نفسها للدفع بها إلى الإمام. لكن ما الذي كان يقصده بالماضي؟ الماضي الذي كان يعنيه هو ما عبّر عنه باستعارة التوتر بين “القدس وأثينا”، أي ذلك التقاطب المتضاد بين الفلسفة والدين الذي يشكل روح الحضارة الغربية. يتعلق الأمر إذن بصراع متفاعل بين زمنين، زمن الوحي وزمن الفلسفة، بين الزمن الإلهي والزمن الطبيعي – العقلي. أما الحداثة، فتتكون في تصوره من أبعاد ثلاثة، هي الفلسفة السياسية الكلاسيكية، والفلسفة السياسية الحديثة، ثم الشريعة الدينية. غير انه يفاجئنا بإرجاع سبب الأزمة السياسية الحديثة الى نسيان الحداثة لبُعدها الأول، الفلسفة السياسية الكلاسيكية، وليس إلى بُعدها الثالث كما ذهب المنتسبون إلى تفكيره، المحافظون الأميركيون الجدد. فإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كان شتراوس لا يُرجع أزمة الحداثة في المقام الأول إلى نسيان الشريعة، وإنما إلى نسيان الفلسفة، فلماذا أبى إلا أن يجعل محور التوتر بين القدس وأثينا محركا أولا للحضارة الغربية، وأحد عناصر الترياق الذي اقترحه علاجا لازمتها؟ ونذهب أبعد من ذلك في التساؤل: ما دلالة ربط أزمة السياسة الحداثية بمجالين، إن لم يكونا أصلا مضادين للسياسة، فهما على الأقل يتميزان بعدم الاحتفاء بالسياسة، وهما الفلسفة والدين؟ وإذا سلمنا بقدرة العلاج بالضد، أكان علاجه لأزمة الحداثة السياسية قائما على تغليب جانب الدين على الفلسفة، ام على العكس من ذلك، على إعطاء الأسبقية لأثينا على القدس؟ بعبارة رمزية، أكان شتراوس يعتبر الممارستين، الدينية والفلسفية، تنتميان إلى عالم الكهف، عالم السياسة والتاريخ، أم إنهما بالأحرى يربآن بنفسيهما عن الغرق في المماحكات السياسية التي تُفسد صفاء الورع الديني والتأمل الفلسفي معاً؟”. وبرأي مصباحي فـ “القضية اليهودية” كانت “السبب المباشر والذاتي في تنبيه شتراوس إلى حدود الديمقراطية الليبرالية. فقد كان، كغيره من الفلاسفة، يؤمن بسموّ القيم النبيلة التي بشرت بها الحداثة الليبرالية، من تسامح وعدالة واعتراف بالإنسان كذات، واعتراف بالآخر، والدعوة إلى الحرية والمساواة وهلم جرا. لكنه أصيب بخيبة أمل كبيرة بعد ما عاين بنفسه عجز جمهورية فايمر الألمانية عن تحقيق مبدأ حياد الدولة، وفشلها في منع أعداء الديمقراطية من النازيين من الصعود إلى الحكم، والحيلولة دون ارتكابهم للمظالم الوحشية التي لحقت باليهود. لقد أبانت هذه التجربة السياسية المفارقة الذاتية لمبادئ الليبرالية وقيمها التنويرية، إذ يمكن لأعدائها أن يستعملوها لنسفها من الداخل. وهذا ما يفرض ضرورة وضع شروط لتطبيق المبادئ الديمقراطية حتى لا تكون مطية لقبرها. السبب الثاني وراء نشوب أزمة الحداثة السياسية في الغرب يتمثل في تبنيها لنمط خاص من العقل هو “العقل الحسابي التقنوي”، الذي أفرغ “العقل الأصلي” من محتواه، ولم يعد يقوم سوى بدور ضامن ميتافيزيقي للتصور التكنولوجي النفعي للوجود الفردي والجماعي. ولعل تبنّي الحداثة لهذا النمط من العقل الحسابي التقنوي هو الذي أدى إلى سيادة الرؤية التاريخانية التي أدت بدورها إلى تفشي النظرة السلبية، وأفضت بالتبعية إلى النظرة العدمية إلى كل شيء، تجاه الطبيعة والإنسان قيم الخير والشر والعدالة والظلم. وكان من نتائج سيادة العقل الحسابي النفعي القيام بفصل السياسة عن الفضيلة، أو بالأحرى وضع الفضيلة تحت إمرة السياسة، وهو السبب الثالث لأزمة الحداثة السياسية. وقد وطّأ فصل السياسة عن الأخلاق لفصل آخر بين العقل والوحي، بين المعرفة والإيمان. وانتهى الفصل بين الأخلاق والسياسة إلى الإطاحة بالمفهوم الأصيل للإنسان. وكان اعتراف الحداثة بالاستقلال الذاتي للإنسان، وهو عرض من أعراض مرض الحداثة، بداية عملية الإطاحة بالإنسان عن طريق الإقرار بقدرته على إنتاج أفعاله وخلق أفكاره من داخله باعتباره “مصدر الحق والحقيقة معا”. عودة غامضة إلى الدين ويشير أحمد يوسف في بحثه “خطاب الدين والسياسة: دراسة الأنساق الرمزية”، إلى أن الدين يؤدي دوراً “فعالا في الحياة السياسية في معظم المجتمعات، ويظهر ذلك بدرجات متفاوتة حسب المقتضيات التاريخية والثقافية والاجتماعية لكل مجتمع من هذه المجتمعات. وما يعنينا في هذا المقام أن هذه الأدوار تتجلى في أشكال رمزية بعضها صريح وبعضها الآخر ضمني. ومعلوم أن للعلاقات مستويات تقريرية ومستويات إيحائية على صعيد الخطاب”. ويرى الباحث أن سياسات ما بعد الحداثة شهدت عودة غامضة إلى الدين، وحنينا مثقلا بالارتباك في التطلع إلى مجتمعات ما بعد العلمانية ونشدان المجتمع المتزن، وهذه العودة إلى الدين أخذت أشكالا رمزية تمثلت في بعض السلوكات العامة للأفراد، ونشاطات “المجتمع المدني” مثل تكوين جمعيات حماية البيئة والطفولة والمستهلكين والدفاع عن حقوق الإنسان وحوار الثقافات والحضارات والأديان أو ظهور ما يشار إليه بالدين المدني والأخلاق الوضعية. وتعاظم الاهتمام بالدين وعلاقته بالسياسة لدى مراكز البحوث المتخصصة والدراسات الإستراتيجية والمستقبلية وصناع القرار أكثر من ذي قبل، لان هذا الموضوع صار معينا لا ينضب لبعض الساسة في تسويق أفكارهم وترويج برامجهم الحزبية لدى العرب والعجم على حد سواء، كما أضحى محاولة لفهم أسباب العنف المستفحل والتطرف المستشري، والوقوف على الدوافع السياسية والدينية والثقافية التي تحركه. ولا سيما أن بعض المجتمعات العربية التي اختارت العلمانية مسلكا في نظامها السياسي بدأت تراجع تجربتها، وتقيم صلحا بين الدين والعلمانية، وتقدم تفسيرا إيجابيا لمنهجها العلماني، الغرض منه الدفاع عن خياراتها السياسية من منظور ديني، ونافية عن نفسها الإلحاد واللادين، لكي لا تترك الفرص السانحة لخصومها ممن تصفهم بالمتطرفين والظلاميين لاستغلال الرموز الدينية، وزرع الفكر الغاضب والتشكيك في مصداقيتها في الحكم بعد إخفاقاتها التنموية، وبخاصة الأنظمة غير الديمقراطية”. لذلك نكون، حسب يوسف، أمام “طور جديد من التفكير الذي ينتقل من فكرة المطلق التي تلازم الدين إلى فكرة النسبية التي لها ما يبررها من الناحية التاريخية. إن فكرة النسبية التي حاول التفكير الفلسفي إضفاءها على النسقية الدينية هو محاولة لصهر الدين بالسياسة. ولهذا ارجع بعضهم اهتمام برغسون بالأخلاق والدين إلى الأزمة التي عصفت بالحداثة في بداية القرن العشرين. ويذهب عبد الحق منصف في بحثه “الدين والمجتمع والسلطان السياسي في الفكر الإسلامي”، إلى أن هناك فكرة عامة “راسخة في الدراسات الأنثربولوجية والاجتماعية الحديثة، مفادها أن الدين جزء من الحياة الاجتماعية وليس مجرد فكرة إيمانية أو علاقة إيمانية بكائن مقدس أو كائنات مقدسة. وتتحدد بنية السلوك الديني بالعناصر التالية: التمثلات الدينية والفضاء الاجتماعي للدين ثم طقوسية الجسد المتعلقة بالدين. داخل هذه المكونات الثلاثة، يتقاطع الديني والسياسي مع كل من الجسد والتمثلات والفضاء الاجتماعي، فالجسد يحضر بقوة داخل المسلكيات الدينية التعبدية والاحتفالية كما هو حاضر بقوة داخل الظواهر السياسية. أما التمثلات، فهي توجد في أساس الحقل الديني والسياسي، بل هناك العديد من التمثلات التي تنتقل بيسر كبير من مجال الرؤية الدينية إلى الرؤية السياسية (كالطاعة والامتثال والالتزام والمقدس والموالاة وغيرها). وأخيرا، على مستوى الحقل الاجتماعي، نجد أن كل التقويمات المحدّدة للفضاء الاجتماعي للدين تنتقل بسرعة غير ملحوظة إلى المجال السياسي أو العكس. ويمكن أن نعطي مثالا على ذلك: “فالأصالة”، كما هي رائجة في المجال السياسي لدى بعض التشكيلات السياسية، تدل على ما هو خالص وأصيل وغير مختلط بعناصر ثقافية أجنبية. لكننا نعلم جيدا أن “الخالص” و “الأصيل” له معنى أنثروبولوجي وديني منغرس داخل التمثلات الاجتماعية للطهارة والصفاء والنقاء الروحي، وهذه المعاني تلج خفية المجال السياسي وتفعل فيه فعلها بشكل قوي. ومن جهة أخرى، تكاد تتفق الدراسات القديمة والحديثة على أن الدين له علاقة عميقة وقوية بما احتل مكانة عظمى في حياة الجماعة. وتعتبر الدراسات الأنثربولوجية الحديثة أن العلاقة الدينية كما هي معيشة لدى الأفراد والجماعات تتم لكي تجدد أو تعيد ربط العلاقة بالمقدس بعد انقطاعها ولو لحين. فالجمال الدنيوي هو مجال الابتعاد عن دائرة المقدس، والمسلكيات الدينية هي وسيلة إعادة توثيق الصلة بالمقدس. ويرى أبو حامد الغزالي أن الدين يعني “المعاملة بين العبد وبين الرب تعالى”. أما الجرجاني صاحب “التعريفات”، فيرجع جوهر العلاقة الدينية بين الإنسان والمقدس إلى الطاعة حين يقول “فإن الشريعة من حيث إنها تطاع تسمى دينا، ومن حيث أنها تجمع تسمى ملة”. فالدين، من هذا المنظور، هو طاعة الأحكام والشرائع الإلهية. وحينما تتحول هذه الطاعة إلى سلوك تحكمه الجماعة بمؤسساتها وأعرافها وتمثلاتها، فإنه يتحول إلى ملة، أي مذهب اجتماعي توجهه الجماعة باعتباره سلطة أو قاعدة على أساسها تنبني سلط اجتماعية هي التي توجه سلوك الأفراد وتمثلاتهم كسلطة المعارف الدينية، والسلطة السياسية القائمة عليها، والسلطة التربوية التي تستوحي القيم الدينية وما إلى ذلك. وعموما، لا يخضع المجتمع للسلطة السياسية وحدها، بل يتحول الدين إلى سلطة اجتماعية داخل ممارسات التعبد والطقوس الجسدية والتقويمات الرمزية للفضاء والزمان الاجتماعيين”.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©