الأربعاء 25 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
البوعزيزي.. القشة التي قصمت ظهر بن علي
البوعزيزي.. القشة التي قصمت ظهر بن علي
15 يونيو 2011 19:47
محمد البوعزيزي، بائع الخضراوات المتجول على عربة مجرورة دخل التاريخ، فهو الشاب التونسي الذي أحرق نفسه لإحساسه بالظلم والغبن والقهر، ليصبح رمزاً للثورات العربية، وأثر الفعل كما علق على ذلك - أدونيس- تجاوز الفعل على نحو فاجأ المخيلة ولم يتوقعه الظن. بلدة فقيرة منومة أيقظت المدن من سباتها، وجناح فراشة تونسية ولد إعصاراً عربياً، وقد أعلنت مجلة “تايم” الأميركية عبر تصويت من قبل قرائها أن البوعزيزي كان ضمن أكثر 100 شخص تأثيراً في العالم، وجاء ترتيبه في المرتبة السادسة عشرة، وقد وصفته “التايم” بكونه الشرارة التي أاشعلت شرارة الثورات العربية، كما قررت بلدية باريس تسمية ساحة في العاصمة الفرنسية باسمه. وللتعريف أكثر بمحمد البوعزيزي، انتقل محمد بوعمود إلى مدينة “سيدي بوزيد” مسقط رأس البوعزيزي والتقى بعائلته وأصدقائه وألف هذا الكتاب باللغة الفرنسية واختار له عنوان:Bouazizi ou L’étincelle qui a destitué Ben Ali “البوعزيزي أوالشرارة التي أطاحت بن علي”. جاء في الكتاب أن محمد البوعزيزي ولد يوم 21 مارس (آذار) 1984 بحي “النور الغربي” بسيدي بوزيد في منزل متواضع، له شقيق يكبره سنا بعام ونصف العام واسمه سالم (توفي في الثالثة عشرة من عمره) وأخت اسمها ليلى وهي أصغر منه بعام ونصف العام، توفي والده وهو في الثالثة من عمره وبعد مضي ستة أشهر على ذلك تزوج عمه عمار البوعزيزي أمه منوبية، بهدف لم شمل أبناء أخيه وقد أنجبت الأم من هذا الزواج الثاني سميرة وسمية وكريم وزياد. وللبوعزيزي صديقان حميمان فقط، ووفق شهادتهما للمؤلف، فإن محمد كان صبوراً قليل الشكوى، منغلقاً على نفسه دائم الابتسامة رغم المرارة التي كانت بداخله. كان مقبلاً على الحياة محبا للعمل والكد يحلم باقتناء شاحنة صغيرة، ليتمكن من مواصلة نشاطه التجاري في بيع الفواكه والخضراوات وهذا الحلم كان يداعبه بعد أن بدأ يفكر في تكوين أسرة، إثر تعرفه على فتاة من نفس الحي الذي يسكنه. كان محبا لها وكان ينتظر تحسن أحواله المادية لخطبتها من أهلها. وكشف المؤلف أن الصورة الشهيرة لمحمد البوعزيزي التي طافت أرجاء المعمورة (والتي اختارها الناشر لغلاف الكتاب) تم التقاطها في 6 نوفمبر 2010 في حفل خطوبة لدى جيرانه، وأن النظرة المعبرة في الصورة كانت متجهة إلى الفتاة التي كان الشاب الفقير يعتزم خطبتها. الحبة التونسية أما كيف حدث ما حدث أو على غرار ما فعله أدونيس الذي حور إيجابياً المثل العربي الشهير: كيف صارت الحبة التونسية قبة؟ فإن المؤلف قدم عرضا مفصلا لما جرى، وحسب شهادة صديق لمحمد البوعزيزي فإن هذا الأخير كان كل يوم يستيقظ باكراً ويدفع عربته المجرورة مسافة 2 كيلومتر من بيت أسرته حتى مقر السوق المركزي ليشتري بالجملة الفواكه والخضراوات، ثم ينصرف ليبيعها في شوارع وساحات مدينة “سيدي بوزيد”. وكان يقصد الشوارع الأكثر ازدحاما بالمارة رغبة منه في بيع سلعته، وهو كغيره من الباعة المتجولين كان دائما يلعب لعبة “القط والفأر” مع الشرطة البلدية التي تمنعه من التواجد في بعض الساحات، وكثيرا ما يتم حجز سلعته أو تغريمه بحجة مخالفته لإجراءات البيع في أماكن ممنوعة. وكان البوعزيزي في خصام شبه دائم مع المراقبين البلديين وهو يرى أن من حقه أن يكسب رزقه دون أن تعترضه كل هذه “العراقيل الإدارية، في حين كانت الشرطة البلدية تحجز للبوعزيزي آلة الوزن حينا وسلعته حينا آخر وتغرمه بمبالغ تتراوح بين 100 و300 دينار حسب مزاج العون البلدي، وكانت هذه العقوبات والعراقيل تتراكم على شاب فقير يريد أن يعمل بشرف لمساعدة أهله على ضمان عيش كريم، ولكنه رغم ذلك صبر على الأذى وواصل عمله متحملا ظلم شرطة البلدية وجور أعوانها، والحقيقة كما ذكرها المؤلف أن النظام البائد كان نظاما بوليسيا يمحق المواطنين وخاصة منهم ضعاف الحال، وكل أجهزة هذا النظام كانت مستبدة، وإذا تظلم مواطن بسيط مثل البوعزيزي فإنه لم يكن أبدا يجد آذانا صاغية، إلى أن جاء يوم المأساة وهو يوم 17 ديسمبر 2010 ففي صباح هذا اليوم وعند الساعة التاسعة صباحا، كانت الشرطة البلدية كعادتها تقوم بدورية في شوارع وساحات مدينة سيدي بوزيد لاصطياد الباعة المتجولين. من أجل الكرامة كان البوعزيزي يسعى إلى بيع سلعته عندما لاحظته الشرطية فادية حمدي التي كان برفقتها زميلان معها، وأمرته بأن يرحل من المكان الموجود فيه، ولما حاول شرح وضعيته همت بحجز آلة الوزن وعندها غضب البوعزيزي وأساء الأدب ولم تتردد الشرطية في رفع يدها وصفعه، ولأنه أحس بالإهانة فقد توجه إلى مقر الولاية (المحافظة) للشكوى والتظلم، وعوض استقباله والاستماع إلى شكواه وإنصافه فقد وقع طرده واحتقاره ولم يتم إيلاؤءه أي اهتمام، وفي هذه اللحظة التي أحس فيها باحتقار السلطة له وعدم إنصافه بعد الإهانة التي لحقته، اتجه في الحال لمحل قريب لبيع البنزين واقتنى كمية سكبها على نفسه ثم أشعل في نفسه النار أمام مقر المحافظة في لحظة احتجاج وغضب وثأر للكرامة المهدورة، وقد أهدى المؤلف كتابه إلى كل من قدم حياته ثمنا للحرية والديمقراطية من أجل كرامة الوطن وكرامة تونس. وقدم الكتاب تعريفاً بمدينة “سيدي بوزيد” وهي تقع في الوسط الغربي للبلاد التونسية على بعد 265 كلم من تونس العاصمة، وكانت هذه المدينة تسمى بـ “قمودة” وسكانها هم من “قبيلة” ما يعرف بـ “الهمامة” وكانوا إلى زمن قريب من البدو الرحل وحياتهم تتسم بالشدة، ولذلك فهم دائما في صراع من أجل ضمان العيش الكريم وهم معروفون بكرمهم، وقد تركت كثرة البطالة لدى الشباب أثرا مؤلما وموجعا في نسيجهم الاجتماعي. الشعب يريد يوم 4 يناير 2011 مات محمد البوعزيزي متأثرا بالحروق البليغة التي لحقته، ويوم 5 يناير شارك آلاف الأشخاص في تشييع جثمانه إلى مأواه الأخير، وكانت هذه اللحظة هي الشرارة التي أشعلت المناطق المجاورة كمدن “القصرين” و”القيروان” ووصل الغضب إلى تونس العاصمة، مما دفع بالرئيس المخلوع إلى مخاطبة الشعب ليلتها مهددا في البداية، ومتحدثا عن أعمال إرهابية تثيرها مجموعات بهدف إحداث الفوضى في البلاد، مشيرا إلى أن دولا كثيرة تحسد تونس على نجاحها الاقتصادي، مؤكدا أنه ستقع معاقبة الثائرين بكل حزم. وبعكس ما كان ينتظره الرئيس المخلوع ومستشاروه فإن الوضع في البلاد زاد اشتعالا وعمت اضطرابات مدن “صفاقس” و”قابس” وغيرها، وفي يوم 13 يناير ولأول مرة خاطب بن علي الشعب باللهجة الدارجة، (فقد كان في السابق يردد دائما خطبا مكتوبة له سلفا باللغة العربية). ظهر بن علي لأول مرة منذ توليه السلطة ضعيفا متوددا إلى الشعب وكأنه يسترضيه، ساعيا إلى كسب تعاطف الناس معه عبر تذكيرهم بأنه كرس كامل حياته لخدمة تونس والتونسيين، كان شاحبا ويداه ترتعشان حتى أن يده ارتطمت ثلاث مرات بالمصدح الذي كان أمامه، وردد الرئيس المخلوع أن بعض مستشاريه غالطوه وأنهم سيحاسبون، مكررا “فهمتكم” “فهمتكم” ولكن التونسيين لم يقتنعوا بهذه المسرحية سيئة الإخراج، فمن يصدق بعد 23 عاما من الحكم المطلق والدكتاتورية أن الرئيس أخيرا فهم شعبه. ومساء نفس اليوم حاول أنصار بن علي من المنتمين الى حزب “التحمع الديمقراطي” الإيحاء عبر الفايسبوك بأن الخطاب كان مؤثرا، وأنه من الواجب منح الثقة إلى الرئيس ولكن الشعب كان له رأي آخر؛ ففي صباح يوم الجمعة 14 يناير 2011 توجه المتظاهرون إلى وزارة الداخلية بشارع الحبيب بورقيبة مرددين بصوت واحد:”دقاج” (وهي كلمة فرنسية تتضمن الاحتقار ومعناها: “ارحل”) ومن الشعارات التي تم رفهعا ايضا: “خبز وماء وبن علي لا”.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©