قطر.. تنتحر

الاتحاد

«هيومان رايتس ووتش» مصابة بانفصام الشخصية مع قطر

دينا محمود (لندن)

يبدو أن التقرير الأخير الذي أصدرته منظمة «هيومان رايتس ووتش» قبل أيام وفضحت فيه الأوضاع المزرية التي تعانيها العمالة الوافدة في قطر، لم يبرئ المنظمة - بنظر وسائل إعلام غربية - من تغافلها لسنوات طويلة عن السجل الأسود للدوحة على صعيد انتهاك حقوق الإنسان ودعم الإرهاب.
فتحت عنوان «هيومان رايتس ووتش.. حالة انفصام في الشخصية»، أكدت مجلة «أميركان ثينكر» ذات التوجهات المحافظة أن هذه المنظمة، التي «تلقي الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط، وفي غالبية دوله.. تتغافل عن اثنتين من أكثر الدول مُرتكبة الانتهاكات في العالم، ألا وهما قطر وإيران (الدولتان) الراعيتان للإرهاب».
واعتبرت المجلة في المقال الذي كتبته بانفشيه زَند أن ذلك يجعل «هيومان رايتس ووتش»، تبدو كما لو كانت مصابةً بحالة من «انفصام الشخصية» المعروفة علمياً باسم «السكيزوفرينيا».
وتضرب الكاتبة مثالاً في هذا الشأن بتصريحاتٍ أدلت بها سارة ليا واتسون مسؤولة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة قبل نحو شهرين بشأن ضرورة تصديق قطر على الاتفاقية الدولية الخاصة بحماية وضع اللاجئين، وهي التصريحات التي تقول زَند إنها بدت أشبه بـ«نصيحة أخوية» على أفضل تقدير.
وللدلالة على اللهجة المتواطئة التي تستخدمها «هيومان رايتس ووتش» في الحديث عن الانتهاكات القطرية لحقوق الإنسان، ينقل المقال عن ليا واتسون قولها في هذا الصدد إن تصديق السلطات القطرية على هذه الاتفاقية سيسمح لحكومتها «بمراجعة طلبات اللجوء بطريقة منظمة ومنضبطة، وإعطاء اللجوء - لا إبداء الرحمة (بطالبي اللجوء) - وما يترتب على ذلك من (منح) حقوق لأولئك الذين يُعتبرون مؤهلين لذلك».
ولا تكتفي «المسؤولة الحقوقية» بهذه اللهجة الحانية - حسبما ينقل عنها المقال - بل تواصل حديثها عن النظام القطري الداعم للإرهاب دون خجل بالقول، إن تصديقه على الاتفاقية سيجعل «قطر ترسم من جديد نهج التقدم للعالم العربي»!!
ولإبراز دور قطر التخريبي في محيطها الخليجي، تشدد الكاتبة على أن علاقة هذا البلد بالدول الخليجية المجاورة له تتسم دائماً بالتوتر والتقلب والعصبية. وتشير زَند في مقالها إلى أن النظام القطري «مذنبٌ» بانتهاكات حقوق الإنسان والمخالفات المتعلقة بذلك. رغم ذلك فمن النادر - كما يقول المقال - أن تُحمل مسؤولة في «هيومان رايتس ووتش» مثل ليا واتسون هذا النظام «المسؤولية عن انتهاكاته المروعة وتعاونه مع بعض العناصر المتطرفة الأكثر تعصباً». ويصف المقال هؤلاء العمال بأنهم «الأغلبية الخفية» لسكان قطر، في ضوء أنهم يشكلون الجانب الأكبر من المقيمين على أرض هذا البلد، فالإحصائيات تفيد بأن أكثر من مليوني عامل أجنبي موجودون هناك، بينما لا يتجاوز عدد السكان الأصليين نحو 300 ألف. وفي هذا السياق، يشير المقال إلى أن 70% من سكان قطر باتوا في الوقت الراهن عمالاً قَدِموا من دول مثل الهند وباكستان ونيبال وبنجلاديش والفلبين وإندونيسيا وغيرها من البلدان.
وأوضح مقال «أميركان ثينكر» - نقلاً عن خبراء دوليين في حقوق الإنسان - أن أولئك الأشخاص الذين جاءوا إلى قطر فراراً من الفقر وانعدام الفرص في أوطانهم الأصلية، وجدوا أنفسهم هناك بإزاء مشاق لا تقل صعوبة عن ذلك.
وبطبيعة الحال، أشارت الكاتبة إلى حقيقة أن أولئك العمال المنكوبين يشاركون في تشييد الكثير من المرافق التي ستستضيف مونديال كأس العالم المقرر إقامته في عام 2022، وهي البطولة التي لا تزال الشبهات تحيط بملابسات إسناد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لقطر حق تنظيمها. وفي سياق استعراضها للأوضاع المأساوية لعمال «كأس العالم» المشبوه هذا، أعادت زَند التذكير بما قالته منظمة العفو الدولية «أمنستي إنترناشيونال» من قبل بشأن كون العمال - الذين يشاركون مثلاً في تشييد «استاد خليفة الدولي» وهو ملعبٌ لكرة القدم يقع في الدوحة ويُعرف كذلك باسم الاستاد الوطني - يتعرضون لـ«لانتهاكات منهجية» على صعيد الحقوق المفترضة لهم كعمالٍ وافدين.
ووفقاً للمقال، لا يقتصر هذا النهج اللين والمتراخي الذي تتبعه «هيومان رايتس ووتش» في التعامل على قطر وحدها. فبحسب الكاتبة تغدق المنظمة بهذا «الكرم» على إيران أيضاً، الحليفة المقربة للنظام القطري وأحد أبرز الدول الداعمة له في الوقت الراهن، في ظل ما يتعرض له من عزلة بفعل سياساته التخريبية والداعمة للإرهاب.
وتصف زَند في مقالها تغطية «هيومان رايتس ووتش» لما يجري على الساحة الإيرانية من انتهاكات بأنها «رقيقةٌ وحانية». وتشير إلى أن معاملة هذه المنظمة - التي تصف نفسها بالحقوقية - لإيران تشبه تلك التي يقدمها المرء لـ«شخصٍ حبيب له أو عزيز عليه».
في السياق ذاته، شكلت مأساة العمال المهاجرين الذين شاء حظهم العاثر أن يشاركوا في تشييد المنشآت الخاصة باستضافة مونديال 2022 المثير للجدل، محوراً كذلك لمقالٍ نشره موقع «تروث ديج» الأميركي للكاتب دونالد كوفمان، تحت عنوان «الثمن الإنساني لإقامة كأس العالم في قطر». وبعدما يبرز كوفمان في مقاله «الظروف البائسة التي يعاني منها آلافٌ من العمال المهاجرين في قطر»، ممن يشاركون في تشييد المرافق المخصصة لإقامة المونديال الكروي، يحذر الكاتب من أن تلك الأوضاع قد تؤدي لـ«فقدان الكثير من الأرواح» بما يفوق العدد الذي أُزهِق بالفعل حتى الآن.
ولا يغفل كوفمان الإشارة في مقاله إلى أن الجدل الذي أثاره منح السلطات القطرية حق استضافة الحدث الكروي الأبرز في العالم، لم يهدأ منذ أن أُعلِن عن هذا القرار قبل سنوات. وأشار إلى ما وثقته الصحافة العالمية على مدى أعوامٍ طويلة بشأن مأساة العمالة الوافدة في قطر، من قبيل ما كشفت عنه صحيفة بريطانية مرموقة مثل «الجارديان»، من أن العمال النيباليين هناك يلقون حتفهم بمعدل عاملٍ واحد كل يومين. كما سلط الضوء على ما أوردته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية عام 2015 من أن ألف عامل تقريباً قضوا نحبهم في الأراضي القطرية.
وفي هذا السياق أيضاً، أبرز كوفمان في المقال إفادات منظمة العفو الدولية، التي أشارت قبل عامٍ واحد فحسب، إلى أن العمال الأجانب في قطر «يُجبرون على العيش في ظروف حقيرة، وعلى دفع رسوم توظيفهم.. ولا يستطيعون مغادرة البلاد بسبب مصادرة جوازات سفرهم» من جانب أرباب أعمالهم.

اقرأ أيضا