الاتحاد

الإمارات

مجتمع الإمارات دعوات التمسك بالأصالة تطغى على نزعات الحداثة المطلقة


حمد الكعبي :
يواجه المجتمع ثلاثة اتجاهات متباينة حول التراث الشعبي الذي توارثته الأجيال فالبعض يدعو إلى التمسك بالماضي ونبذ كل ما هو جديد ولا يقبل التجديد حتى وإن كان في صالحه ، والآخر يتخلى عن ماضيه وثوب الأصالة متجهاً نحو المعاصرة ومرتدياً ثوب الموضة وكلما هو جديد ، وفريق يحبذ الجمع بين التراث والمعاصرة فهو يتخذ من الوسطية منهاجاً لا ينحاز إلى فئة من دون الأخرى ويحاول الحفاظ على ماضيه ويأخذ من الجديد كل ما هو مفيد·
ومن يسمع مقولة الوالد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان'رحمه الله ' 'من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل 'يدرك المعنى الحقيقي لها والحث فيه إلى التمسك بالأصالة لمواجهة المعاصرة ·
يقول راشد سيف راشد: إنه يجب علينا الحفاظ على التراث بكل صوره لأنه لو كان سيئاً لما وصل الينا في ظل هذه التغيرات الواسعة والكبيرة ولا ننسى فضل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'رحمه الله' الذي اعتنى بالتراث ومنحه عناية خاصة منه وحث الشباب على التمسك به وكانت له الاقوال المأثورة في ذلك فقد قال 'رحمه الله' 'من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل ' فقد كان يريد ان يمزج التراث بحياتنا اليومية بحيث ألا ننسى ماضينا وبما يحمل من ثقافة وفكر ونقابل حياتنا العصرية بكل ما هو نافع فيها ونترك ما لا يناسبنا ولا يتفق مع ثقافتنا حيث يقول: إن في العصر الحديث دخلت على المجتمع عدد من الامور التي لم تكن في اسلافنا ومن الطبيعي أن يرفضها أي عاقل·
ويعتقد أن الجديد المفيد بمعنى ان ما لا يتعارض مع ثقافتنا ويضيف الينا او في رصيد ثقافتنا أي شي سواء كان مادياً او معنوياً نقبله بكل رحابة صدر ولكن الضار بمعنى ما يرفضه الدين والعقل نحن لا نقبله مهما كانت فوائده وأشار إلى ان الشباب يتعاملون مع المتغيرات الحديثة ويأخذون كل شيء منها من دون أي تفكير والواجب على كبار السن التذكير بالتراث والمطالبة بالعمل فيه وفق ما يتناسب مع المعاصر والجهات التي تعنى بالتراث لا بد من أن توعي شباب المجتمع للمتغيرات المتسارعة التي تتدفق علينا من كل جانب وتنبيههم بالعادات والتقاليد والاصالة ومحاولة ممارستها في حياتهم ·
وأشار عبدالله سيف الى قضية مهمة وهي اقبال الشباب الواسع على المعاصر وتخليهم عن ماضيهم وهذه كارثة أي بمعنى الغاء كل ما هو ماضٍ وأن كانت هذه الفئة من الشباب محدودة ولكن يتولد لدى أي شخص عاقل القهر والغضب حينما يشاهد شباباً من نفس دمه يلغون ماضيهم بتغير ملابسهم وتقليدهم الاعمى للغرب وذلك الامر يسيء لعاداتنا وتقاليدنا حيث ان ملابسنا هي جزء من موروثاتنا والتي نتمسك بها بحيث هي الموضح الاساسي لهويتنا العربية وتمسكنا بها جاء من خلال حبنا لتراثنا وهذه ابسط الامثلة التي يحاول بعض من الشباب الغاءها بإدخال المعاصر بدلا منها ونستطيع القياس على ذلك العديد من الامور التي يقوم شبابنا من دون ادراك او وعي لخطورة الموضوع بتبديلها وادخال محلها المعاصر الذي يتعارض مع التراث الاماراتي والهوية العربية والثقافة الاسلامية · من جهتها تقول الدكتورة فاطمة سهيل المهيري نائب مدير مركزالوثائق والبحوث 'أعتقد أن الصراحة مطلوبة في هذا الموضوع، فالناظر إلى نشاطات المؤسسات المسؤولة عن التراث يدرك أنها حققت الكثير، ولكن يبقى الكثير أيضاً الذي يجب عليها أن تقوم به؛ فبلادنا بحمد الله تزخر بمعالم التراث المتعدد الجوانب، وما تم تحقيقه حتى الآن لا يزيد على إجراءات لحفظ وصيانة بعض معالم تراثنا المادي والروحي، وهو أقل بكثير من طموحاتنا، وحتى نرتفع إلى المستوى المطلوب لحفظ التراث وصيانته ثم تحليله ودراسته يترتب علينا بذل مزيد من الجهد النشط المنظم ومزيد من التدريب لإيجاد الكوادر الوطنية المؤهلة للعمل والتفرغ لخدمة هذا المجال، فالشعوب المتقدمة -شرقاً وغرباً- تولي تراثها أهمية قصوى، وتسعى لتأهيل الأطر القادرة على صيانة التراث وحفظه ودراسته؛ لأن التراث جزء مهم من هويات الشعوب ومن وجودها السياسي والاجتماعي والحضاري· من هنا أرى ضرورة إيجاد آليات أكثر تطوراً للحفاظ على التراث ومتابعة ما يتعلق به·
وتشير المهيري إلى أنه لا يجوز أن يكون هناك تناقض بين حرصنا على استيعاب كل ما هو جديد إن كان مفيداً، وسعينا للتمسك بتراثنا العريق الذي يمتاز بقدرته على امتصاص كل ما هو جديد ومفيد؛ فالسمة الواضحة في تراثنا أنه رحبٌ مثل الصحراء، وهو في ذات الوقت نقيّ كنقائها، يقبل كل فكر يمكن أن يزيد هذا النقاء رونقاً· إن التحديث والتغير والتقدم أصبحت كلها حقائق اجتماعية واقعة، إلا أن لتراثنا مرونة تسمح لنا باستيعاب المستجدات والتفاعل معها، ما يزيد في قوته ليبقى معبراً عن هويتنا، وعنواناً لكرامتنا وعزتنا، ولنا من تاريخنا الطويل دروس كافية تؤكد ما ذهبت إليه· ونحن ندرك أننا لسنا وحدنا في هذا العالم، وأننا لا نعيش خارج إطار الزمن· من هنا يجب علينا أن نتمسك بتراثنا ونحن نتعامل مع التحديث الذي لا ينكره تراثنا ولا يعاديه·
وتضيف المهيري 'نستطيع غرس القيم الفاضلة من تراثنا والحرص عليها لدى الأجيال القادمة إذا ربينا أبناءنا تربية وطنية سليمة، تبدأ من البيت وتستمر في المراحل التعليمية؛ في المدرسة أو الجامعة، وتتصل بالمسجد أو أي موقع تربوي آخر· ولابد في هذا السياق أن تساهم وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في بثّ روح الانتماء إلى التراث مع الاستفادة مما هو تقني وحديث، وإبراز معالمه الإيجابية، واستنباط معاني النضال والعزة والكرامة منه (معنوياً كان أو مادياً)؛ وبهذا نهيئ لأجيالنا الصاعدة فرصة الاطلاع على الأمجاد التي حققها الآباء والأجداد في ظروف صعبة· إنني أعقد أملاً كبيراً على التربية والتعليم ووسائل الإعلام الهادفة التي يمكن بها أن نقوم بتعبئة الأجيال -التي تواجه ما تواجه من مغريات عصر التكنولوجيا، عصر السرعة- من أجل حماية التراث والذود عنه'·
وتؤكد الدكتورة فاطمة المهيري أن مقولة القائد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'رحمه الله' تشكل بحق رؤية تاريخية تخترق الزمن لتصل إلى المستقبل، فالأجيال تبحث عن هويتها وسط الصراعات المعاصرة التي تستهدف تراث الشعوب،والماضي هو الردّ الوحيد على فلسفة العولمة، وما ورثناه منه من عادات وتقاليد وقيم هو الذي يميز شخصيتنا الوطنية ويعطي هويتنا معناها حتى لا تذوب في الآخر، ونصبح بتقليدنا إياه نسخة ممسوخة من هوية الغير، التي علمنا تراثنا ضرورة احترامها في إطارها الخاص الذي يجب ألا نقحم هويتنا فيه·
إن التاريخ مستودع ذكرياتنا المجيدة، أليس هو ماضينا ممتداً في حاضرنا ليشكل نسيج مستقبلنا الذي نرجو أن يكون مشرقاً أيضاً؟· إننا حين نتمسك بتراثنا وماضينا نستشرف ملامح مستقبلنا، ونعتز بهويتنا العربية الإسلامية؛ لذا يجب علينا وضع مقولة القائد الراحل المذكورة أعلاه نُصْب أعيننا، وأن نتمثلها في سلوكنا وتوجهاتنا؛ حتى لا نذوب في أتون العولمة وحتى تبقى لنا شخصيتنا الفاعلة، التي تؤثر في الغير وتنتقي منه ما يتناسب وتوجهاتها·
أما علي العامري رئيس قسم سباقات الهجن والخيول بنادي تراث الامارات فيقول 'لا شك ان النادي يقوم بدور مهم وفعال لنشر التراث وتثبيته في العصر الحديث وهذا يتضح من الانشطة التي يمارسها النادي وينشرها بين الشباب من فروسية وهجن ورماية وغيرها من الانشطة الاخرى التي ظهرت في العصر القديم وما زالت موجودة في العصر الحديث مضيفا ان دور النادي لا يقتصر على فئتي الاطفال والشباب بل يتواصل مع الفئات الاخرى ولكن نظرا للتقدم السريع في عصرنا هذا نجد أن فئة الشباب منغرسة في كل وسائل العصر الحديث ولا تعلم إلا القليل عن ماضيها وتراثها وفئة كبار السن لديها المام تام بالتراث وذلك طبيعي بحكم معايشتها له في صباها مشيرا أن النادي يسعى لنشر اكبر للتراث والمحافظة عليه حتى تتعادل الموازنة عند الشباب بين الماضي الاصيل والحاضر الجديد ، وأضاف العامري ان النادي يوسع من قاعدة مشاركاته التراثية داخل وخارج الدولة ويحاول الجمع بين الاصالة والمعاصرة ·
ويرى سعيد المناعي رئيس قسم الانشطة الشبابية بنادي تراث الامارات أن النادي يعد أحد أهم المؤسسات المتخصصة في الشأن التراثي ويضطلع بمهام واسعة من خلال المرافق والميادين التراثية في جميع مناطق مدينة ابوظبي وخارجها من خلال المساهمة في العديد من الانشطة والفعاليات ذات الصلة وهذا من شأنه أن يحشد كافة الامكانات للمحافظة على التراث وبعثه من جديد في عقول ابناء الجيل الحالي · وأضاف المناعي 'لقد ركز نادي تراث الامارات جل اهتمامه في رعاية ابنائنا الطلبة وتوجيههم بتقضية اوقات فراغهم بكل ما هو نافع ومفيد من خلال اقامة عدد من الفروع داخل مدينة ابوظبي وخارجها حيث زودت هذه الفروع بكافة الوسائل الحديثة وحظي الشأن التراثي بالنصيب الاكبر من هذا الاهتمام من خلال تشكيل فرق تراثية متخصصة في مجال الفروسية ، الرماية ، الالعاب الشعبية ، الانشطة البحرية ، التجديف بالشراع ، بالاضافة الى التركيز على العادات والتقاليد ولم يغفل النادي عن كافة جمهور الامارات بمنحهم الفرصة للمشاركة بمختلف الاعمار ومختلف المناسبات بالبرامج التراثية التي يعدها نادي التراث كالامسيات الثقافية والامسيات الشعرية وسباق الهجن الاصيل وسباقات التجديف وسباق الفروسية ومسابقات الشراعية وغيرها من الرياضات التراثية التي كان اجدادنا يمارسونها كما اعد نادي التراث للمساهمة في نشر التراث بين ابناء الامارات والدعوة للتمسك به جزيرة السمالية التي اعدت من اجل نشر التراث والمحافظة على استمراره·
وقال المناعي إن النادي يتعامل مع جميع الوسائل والتقنيات الحديثة لأنها ضرورية في جميع مناحي الحياة سواء الترفيهية او التعليمية او التثقيفية ويقوم النادي بتسخير هذه الوسائل من أجل خدمة التراث ·
ويؤكد الدكتور عزالدين بن زغيبة مدير تحرير مجلة آفاق الثقافة والتراث أن هناك حقيقة يجب أن نسلم بها وهي أنه لا تعارض بين التراث والتكنولوجيا كما لا يوجد تعارض بين الدين والعلم مشيرا ان التراث هو نتاج التفكير الجماعي المسترسل من الزمان لأي أمة من الامم يظهر في انتظامها واجتماعها وعمرانها وابداعها العلمي والفكري والانساني وعاداتها وتقاليدها في زينتها ومأكلها وأفراحها وقد يكون كثير منها تعاليم دينية سماوية وقد يكون مكتسبا كما هو حال الامم التي لا تعتقد دينا سماويا ·
وقال إنه من المعلوم أن مجلة آفاق للثقافة والتراث تتخذ من تراثنا اساسا لها ومن الثقافة الاصلية المنضبطة آفاقاً لمستقبلها وأن الدور التي تهدف اليه والرسالة التي تحمل أعباءها هو ايجاد نوع من التفكير لدى الامة يكون بمنزلة الجسر بين شاطئ الاصالة والمعاصرة وصمام آمان يقي الافكار من الوقوع في سيول القطيعة الجارية بينهما · وذكر بن زغيبة ان الناس لها ثلاثة مواقف من التراث أي انهم ينقسمون الى ثلاثة اتجاهات فالاتجاه الاول يرى اصحابه ضرورة التمسك بالقديم والتزام الاصالة وعدم فتح الباب لأي وارد كان باسم المعاصرة والتجديد لأنهم يرون في قبول ما يفيد ذريعة لاعتناق مالا يفيد وفي الاخذ بالتجديد جراءة على الاصالة والتقاليد ·
وأما الاتجاه الثاني يرى أصحابه أن سر تأخر العرب والمسلمين ، يكمن في تمسكهم بالماضي وتشبثهم بأمجاد قد خلت وذهب عصرها وطلبهم العلوم من أوراق بالية يسمونها كنوزا والطريق الاسلم في نظرهم خلع لباس الاصالة والاقبال على المعاصرة من دون أي تحفظ ولا مانع أن يحتفظ الناس ببعض الطقوس الدينية والعادات الاجتماعية يتعاطونها في المواسم والاعياد ومخطوطات يزينون بها ارفف المكتبات العامة وما هذا المنهج إلا دعوة للانتحاردينيا وحضاريا وثقافيا واما الاتجاه الثالث اصحابه السواد الاعظم من الامة فقد سلكوا طريقا وسطا فهم يرون لا خير في تحضر لا أصل له ولا خير في مجد اجتث من فوق الهوية وما له من قرار ·
وأشار إلى أن الحكمة تقتضي أن نحافظ على اصالتنا ونأخذ من المعاصرة ما يليق بنا وأن نقتحم بفكرنا حضارة غيرنا حتى نؤثر ولا نتأثر وأن يكون التراث نقطة انطلاقنا ومصدر قوتنا ويكون التجديد غايتنا ومقصد اجتهادنا ويرى الدكتور أن ذلك مذهب كل انسان غيور على تراثه وحضارته وكل عامل يجد على أن تستعيد الامة مكانتها ، رائدة للحضارة الانسانية والفكر العالمي ومن أجل انجاز هذه المهمة يقول الدكتور بن زغيبة: إنه لابد من التركيز على الابحاث العلمية الرصينة التي تعالج قضايا التراث والفكر والثقافة لإيجاد الملاءمة بين ما هو جديد ومعاصر وما هو تراث قديم ·

اقرأ أيضا