قطر.. تنتحر

الاتحاد

مصالحة «سيئة السمعة» بين قطر والأسد برعاية إيرانية

أحمد مراد (القاهرة)

على مدى الأعوام الستة الماضية، دعمت قطر بعض قوى المعارضة السورية في الداخل والخارج، فضلاً عن تمويل عدة تنظيمات وجماعات إرهابية، تأتي في مقدمتها جبهة فتح الشام ــ جبهة النصرة سابقاً ــ والتي قدمت لها الدوحة كل ما يلزمها من أسلحة وأموال لاستمرار حربها ضد قوات الرئيس السوري بشار
الأسد، حيث يقدر بعض التقارير الدولية إجمالي ما قدمته قطر لفصائل المعارضة السورية السياسية أو المسلحة بـ 3 مليارات دولار، ووفقاً لـ «معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام»، الذي يراقب عمليات نقل الأسلحة، فإن قطر أوصلت أكبر كمية سلاح إلى سوريا، بما يقارب 70 طائرة شحن عسكرية عبر تركيا بين عامي 2012 و2013.
ولكن مع تنامي العلاقات بين الدوحة وطهران في أعقاب قرار الدول العربية الداعية لمكافحة الإرهاب ــ الإمارات ومصر والسعودية والبحرين ــ بقطع علاقاتها مع قطر، ظهرت العديد من البوادر والمؤشرات على حدوث تغير في موقف النظام الحاكم في الدوحة من نظام بشار الأسد، وخرج العديد من التقارير الإعلامية لتؤكد على قرب إبرام مصالحة بين قطر والأسد برعاية إيرانية ووساطة من حزب الله اللبناني، وهي المصالحة التي ستبدأ بإعادة التقارب بين حماس ودمشق، حيث يتوسط «حزب الله» بالاتفاق مع طهران لإعادة العلاقات بين حماس وسوريا، تمهيداً لانطلاق مصالحة شاملة بين قطر وسوريا، ويبدو أن الأزمة الراهنة التي تعيشها قطر تدفعها إلى التسريع من محاولاتها لإعادة العلاقات مع نظام الأسد، بعد أن عززت علاقتها مع إيران بشكل لافت للنظر في الأشهر الأربعة الماضية.
وبموجب هذه المصالحة التي توصف بـ «سيئة السمعة»، فإنه من المتوقع أن تتخلى قطر عن قوى المعارضة السورية ــ بما فيها التنظيمات الإرهابية ــ التي ظلت الدوحة تروج لها طوال الأعوام الستة الماضية.
وجاء أول المؤشرات على تغير الموقف القطري من نظام الأسد عبر تصريحات أدلى بها وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني لصحيفة «فيدوموستي» الروسية خلال زيارته الأخيرة لموسكو، والتي أكد فيها أن مسألة الدور المستقبلي للرئيس السوري بشار الأسد لن تكون نقطة خلاف بين الدوحة وموسكو.
وقال وزير الخارجية القطري: إن الرئيس السوري بشار الأسد لن يقف بين روسيا وقطر، وإن الهدف المشترك في المستقبل القريب هو إنهاء التصعيد في سوريا، مضيفاً أن كلاً من قطر وروسيا في حاجة إلى سوريا موحدة وليس إلى سوريا مقسمة، والأولوية المشتركة هي الاستقرار والأمن في المنطقة.
وفي نفس الاتجاه الذي يشير إلى أن قطر تقترب من التخلي عن دعمها للتنظيمات الإرهابية في سوريا، وكذلك التخلي عن مطلب رحيل بشار الأسد، أكد سفير الدوحة في موسكو، فهد محمد العطية، أن بلاده على استعداد للمشاركة في تسوية الأزمة السورية، ونقلت وكالة «نوفوستي» الروسية عن العطية قوله: بإمكاننا المشاركة في أي صيغة مباحثات من شأنها المساعدة في نزع فتيل النزاع في سوريا وإنهائه.
وأضاف السفير القطري: إننا نؤيد عمليتي أستانة - تنادي بالمصالحة بين النظام والمعارضة وترفض رحيل بشار الأسد عن السلطة - وجنيف، ونواصل دعم الجهود الروسية الرامية لحل الأزمة السورية والمتمثلة بمحاولاتها الدؤوبة لجمع أطراف النزاع ودفعها للحوار.
كما ظهرت ملامح تغير الموقف القطري من نظام الأسد في تغطية قناة الجزيرة لأحداث سوريا في الفترة الأخيرة، حيث وصفت القناة القطرية الأسد بـ«الرئيس السوري»، بعد أن اعتادت على وصفه بـ«رئيس النظام السوري» خلال الفترة السابقة، وكانت تصف الجيش السوري بـ«جيش الأسد»، ونقلت الجزيرة خطاب الأسد بمناسبة افتتاح مؤتمر وزارة الخارجية والمغتربين، ووصفت الأسد أسفل الشاشة بـ«الرئيس السوري».
وفي وقت سابق، كشف أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، في مقابلة مع تلفزيون «OTV» اللبناني عن أنه استقبل موفداً من أمير قطر، وأن الدوحة في الآونة الأخيرة ربما تعيد النظر بموقفها في المنطقة واستراتيجيتها. وقال نصرالله أيضاً: بحثنا مع قطر العمل على تعزيز الحل السياسي في سوريا.
وجاءت تصريحات حسن نصرالله، بالتزامن مع تسريبات إعلامية كشفت عن لقاء أمين عام حزب الله بمبعوث قطري زار بيروت حاملاً رسالة من تميم بن حمد، وفيها كشفت الدوحة عن رغبتها في أن يلعب حزب الله دوراً مباشراً في كسر الجليد مع دمشق، ومع الرئيس الأسد مباشرة.
وفي الوقت ذاته، خرجت تقارير إعلامية أخرى لتكشف عن اتصالات بين مسؤولين قطريين وسوريين بوساطة من حزب الله، وفيها قدمت قطر عروضاً مالية سخية لنظام الأسد، مقابل تحقيق المصالحة معه، كرد فعل على انتزاع الملف السوري من يدها، وتراجع آمال الدوحة في سيطرة تنظيم الإخوان على الثورة السورية، وقد أعربت الدوحة عن استعدادها لتقوية نظام الأسد مالياً، ومده بمعلومات مهمة عن المعارضة التي كانت تدعمها.
وكان الكاتب البريطاني، روبرت فيسك، قد كتب مقالاً في صحيفة «إندبندنت» البريطانية، كشف فيه أن قطر تمتلك ما وصفه بـ«الروابط الهادئة» مع الحكومة السورية، رغم روابطها الأقوى مع تنظيمات إرهابية مثل «جبهة النصرة».
وقال فيسك: ساعدت قطر بفرض علاقاتها مع جبهة النصرة للإفراج عن راهبات كن محتجزات لدى التنظيم الإرهابي، كما ساعدت في الإفراج عن عسكريين لبنانيين في إطار صفقة تبادل غربي سوريا، واللافت للنظر أن الراهبات المحررات شكرن الرئيس بشار الأسد وقطر معاً.
وأشار فيسك إلى وجود شكوك في نوايا قطر تجاه سوريا، وأن لديها طموحات كبيرة في التمويل لإعادة إعمار سوريا ما بعد الحرب، وأنها لا ترغب في رحيل الأسد، فإذا بقي الأسد رئيساً، ستصبح سوريا تحت السيطرة الاقتصادية القطرية، وستتوسع بصورة كبيرة فيها، حيث توجد شركات نفطية تريد استخدام
خط الأنابيب من الخليج إلى أوروبا عبر تركيا أو من خلال مرفأ اللاذقية.
ولم يستبعد المحلل السياسي السوري، تيسير النجار، رئيس الهيئة العامة للاجئين السوريين ــ مقيم في القاهرة ــ أن تكون هناك مصالحة مرتقبة بين قطر ونظام الأسد برعاية إيرانية ووساطة من حزب الله اللبناني، وبمقتضي هذه الصفقة المشبوهة من المتوقع أن تتخلى قطر عن الجماعات السورية المسلحة التي كانت تروج لها طوال الفترة الماضية على أنها جزء من المعارضة السورية.
وقال النجار: قطر تلعب منذ بداية الأزمة السورية دوراً مزدوجاً، حيث حاولت أن تظهر نفسها في صورة الدولة المساندة لحقوق الشعب السوري وتقف بجوار القوى السورية المعارضة لنظام الأسد، وفي نفس الوقت كانت تقدم دعماً وتمويلاً للتنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة، وهي التنظيمات التي تعمل على تدمير وتخريب مقدرات الشعب السوري، وبالتالي ليس من الغريب عليها أن تنقلب على المعارضة السورية وترتمي في أحضان نظام الأسد بعد أن ارتمت في الشهور الأخيرة في أحضان طهران بشكل غير مسبوق.
وأضاف النجار: قطر وإيران يقفان منذ البداية في صف واحد ضد الثورة السورية، وإن كانت طريقة كل منهما اختلفت عن الأخرى، حيث دعمت إيران نظام الأسد ضد الثورة السورية، بينما دعمت قطر الجماعات الإرهابية لتحريف مسار الثورة السورية وتحويلها إلى حرب أهلية، والآن وجدت الدولتان أن مصالحهما التقت من خلال التحالف مع نظام الأسد عبر مصالحة شاملة بين قطر وحماس من جانب ونظام الأسد من جانب آخر، وذلك في إطار أجندة إيرانية ينفذها حزب الله اللبناني في المنطقة العربية.
ومن ناحية أخرى، أكد المعارض والحقوقي السوري المقيم في القاهرة، فراس حاج يحيى، أن كل شيء متوقع من قطر، ولاسيما أن النظام الحاكم في قطر اعتاد منذ سنوات طويلة على اللعب بورقة التناقضات، حيث تجمع السياسة القطرية بين الشيء ونقيضه، وهو الأمر الذي ظهر جلياً في تعامل الدوحة مع الملف السوري، حيث إنها تمول الجماعات والتنظيمات الإرهابية ضد الأسد، وفي نفس الوقت تقيم علاقات مشبوهة مع حزب الله وإيران التي تعد الراعية الأولى لنظام الأسد.
وقال: العلاقات المشبوهة بين قطر من جانب وإيران وحزب الله من جانب آخر ظهرت بشكل فج في اتفاقية المدن الأربعة التي تمت برعاية قطرية إيرانية بين جبهة النصرة الإرهابية، وبين حزب الله اللبناني، وعلى أساس هذه الاتفاقية حدث تغيير ديموغرافي داخل سوريا بعد أن تم نقل سكان من ريف دمشق
إلى إدلب، وهو ما يمثل جريمة حرب بكل المقاييس. وأضاف: لا يخفى على أحد أن هناك بوادر ومؤشرات عدة لإبرام صفقة مشبوهة بين قطر والأسد برعاية من حزب الله وإيران، وبموجبها سوف تتخلى قطر عن القوى السورية التي تدعمها في الداخل السوري، وبموجبها أيضاً تنضم قطر إلى المعسكر الإيراني في سوريا الذي يجمع بين الأسد وحزب الله والحرس الثوري الإيراني.

اقرأ أيضا