الاتحاد

عربي ودولي

العبور إلى البيت الأبيض·· يفترض عبور غابات الأمازون

'الاتحاد' - خاص:
السباق بين الرجال يختلف، في جوانب عدة، عن السباق بين الأحصنة، الأحصنة لا تحاول أن تدمر بعضها بعضا·· في السياسة، الصورة مختلفة، حتى في الديموقراطيات الأوروبية والأميركية·
ولكن متى يبدأ المرء على ضفتي الأطلسي في التفكير (أو الحلم) بأن يصبح رئيسا·· بعضهم لم تساوره الفكرة ابدا، البعض الآخر رسم سيناريو الوصول ووصل، هل يقف الحظ، أو الصدفة، جانبا؟
'الاتحاد' اختارت نماذج، بعضها لا يخلو من الطرافة، أحدهم قال: 'فكرت بالمنصب بقدر ما يفكر العصفور أن يصبح فيلا'·
المبدأ العام: الوصول الى السلطة في الولايات المتحدة يحتاج الى عبور غابات الأمازون سيرا على الأقدام، مؤسسات، صحف، مصارف، جماعات ضغط، شبكات تلفزيونية، كنائس، فلاسفة، رعاة بقر، رجال اعمال، مغامرين، ويفترض بأي شخص يريد ان يصل الى البيت الأبيض ان يخترق أو يلتف أو يقفز فوق كل اولئك الرجال الذين إما ان يكونوا ضد المرشح الى حد التفكير بإزاحته ولو بالاستعانة بالعرافين لتعطيل قدراته الذهنية، او لإقامة العوائق في وجهه، او ان يكونوا معه لكي يستطيع 'تهريب' كل أشكال الصفقات، او السياسات، واحيانا الفضائح·
الاميركي واقعي جدا، الآن جهاز الكمبيوتر يبذل من الجهد اضعاف اضعاف ما يبذله الشخص العادي، اذاً هذه فرصة اضافية لكي يفكر الشخص أقل، والطريف أن الجنرال 'دوايت ايزنهاور' وحين ترشح للرئاسة في الخمسينات، قال: 'لكي يفكر الاميركيون أكثر'، معتبرا أن الولايات المتحدة 'أمة عظمى'، استطرادا 'الأمة وحدها تستطيع ان تقود الأمة'، ودون ان تترك هذه العملية لمجموعة لها مصالحها، ولها افكارها، التي قد لا تتسق مع آراء الأكثرية·
المكتب البيضاوي يحترق
لكنها 'الديموقراطية المقدسة' كما كتب الباحث الفرنسي 'الكسي دوتوكفيل' عن الولايات المتحدة منذ مائة وسبعين عاما، هناك دوما مَن يحلم، بين كل الرؤساء الاميركيين لم يقل سوى 'تيودور روزفلت' و'هاري ترومان' إنهما خططا للوصول الى البيت الابيض 'ترومان' رأى ذلك في منامه، ولكن ليعترف بأنه شاهد المكتب البيضاوي يحترق، لا ندري كيف يفسر 'سيجموند فرويد' هذه الحالة، الرئيس 'ترومان' إياه هو الذي القى القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناكازاكي في عام 1946 · سباق الرجال لا يشبه كثيرا سباق الخيول، الحصان لا يفكر البتة بتدمير الحصان الآخر·· في السباق الى الرئاسة يحل الشخص محل أي شيء، هذا كلام لـ'ونستون تشريل' الذي يعتبر أن المعارك السياسية هي التي يستخدم فيها المشاركون عظامهم أكثر مما يستعملون أفكارهم، هذا ليقول ضاحكا إن حجمه الضخم يمنعه من استخدام عظامه، ربما لهذا هزمه 'كليمنت آتلي' رغم كل ما حققه في الحرب العالمية الثانية· يقول الباحث الفرنسي 'موريس دوفرجيه': 'في فرنسا يولد الطفل ولو في عربة قطار او في مزرعة للأبقار ويولد معه هاجس أن يكون امبراطورا'، دائما هناك مَن يربط، بالنسبة لسيكولوجيا السلطة، بين شخصيتي 'نابليون بونابرت' و'شارل ديغول'، الاثنان عملا داخل الضجيج، ودون إغفال اللحظة التراجيدية الطويلة التي شهدتها مسيرة الوصول الى السلطة لدى كل منهما·
الطريق البابلي
يقال: 'الطريق البابلي الى الاليزيه'، داخل كل حزب يوجد صراع هائل، من الصعب على الرجال في فرنسا أن يقولوا 'هذا هو الأفضل'، كل واحد من الطبقة السياسية يعتبر انه يمتلك العقل الذي لا يمتلكه الآخرون، أو أنه يحب فرنسا أكثر مما يحبها الآخرون، وإن قيل لرئيس الحكومة 'دومينيك دوفيلبان': 'نعلم أنك تحب فرنسا، المهم أن تحب الفرنسيين'، الآن، تردد المرشحة 'سيغولين رويال': 'أحاول أن أضع علامة أكثر حيوية بين العقل والقلب في فرنسا'· بالطبع، لكل أسلوبه في الوصول: 'فاليري جيسكار - ديستان'، كما 'جورج بومبيدو' امتطى الريح الديغولية التي كانت لاتزال تحتفظ بوهجها رغم كل ما لحق بالجنرال في السنة الأخيرة من السلطة، ولكن في الوقت نفسه اعتمد 'جيسكار - ديستان' على رأسه الذي هو عبارة عن مفاعل للأفكار، مثقف هائل، ولكن كان يؤخذ عليه أنه منهجي أكثر من اللزوم، فيما من الضروري أن تكون هناك منطقة رومانسية في الشخصية السياسية، 'فرانسوا ميتران' عرف كيف يلعب ببراعة، الذين كتبوا عنه قالوا إنه مزيج من 'اريسطو' و'ميكيافيللي'· هذا وصف رائع لرجل لم يجد أي عيب في هذا القول، على العكس من ذلك كان يعتبر الوصف لمصلحته، خاض معركته الانتخابية تحت شعار 'القوة الهادئة'، أصبحت العبارة بعد سنوات من وجوده في الاليزيه 'القوة الهادئة والعميقة'، وكان هذا ضروريا للحد من اللمسات الديغولية الساحقة في المشهد السياسي الفرنسي
لا الذئاب ولا العصافير
'ميتران' قال إنه لم يقلد الذئاب للوصول الى رئاسة الجمهورية، كما إنه لم يقلد العصافير: 'حاولت أن أشعر الفرنسيين بأنهم يستطيعون الإتيان برئيس لا يطرحه التاريخ بالفظاظة، والانتقائية، وأحيانا العشوائية المعروفة، وانما ذلك الرئيس الذي تعتبره الضرورة ضروريا'· في روسيا أيضا القيصر، داخل الكرملين هناك قاعة القديسة 'كاترين'·· هي الملكة التي كانت تقول لمواطنيها: 'إما أن تكون روسيا مقدسة أو لا تكون'، بالطبع، أحدثت الثورة البولشفية نسقا جديدا نسبيا أو مختلفا نسبيا للوصول الى الكرملين، يفترض بالرئيس، أو بالأمين العام، أن يمتلك وجها خشبيا، كثيرون كانوا كذلك، لكن رجلا مثل 'نيكيتا خروتشوف' الذي يفاخر بأنه أتى من مزرعة الخنازيرتغيرت الأمور كثيرا، بالطبع 'بوريس يلتسين' استقر في الكرملين في الظروف إياها التي انهار فيها الاتحاد السوفييتي، كل الأخطاء الممكنة والمستحيلة ارتكبت من قبله، ومن قبل ابنته 'تاتيانا'، الدولة نُهبت، لم يكن 'يلتسين' رجل المرحلة التي كانت تفترض قياديا قادرا على الانتقال من منطق الامبراطورية الى منطق الدولة ·
الحمامة البيضاء
الطريف أن 'يلتسين' قال في حديث لصحافي في 'يو· اس· تو· داي': 'كنت أعلم أن هذا سيحصل لأن الحظ كان يقف على كتفي·· والدتي قالت لي إنه عندما كان عمري ست سنوات توقفت حمامة بيضاء على كتفي لبعض الوقت، هذا كان فألا حسنا، وأعترف بأنني لم أكن، كشيوعي، على مستوى بعض الذين مروا على الكرملين، لكن وصفي بالمتهور او باللامبالي كان وصفا رديئا للغاية، الحقيقة أنني رجل أفكر، وأخطط، هذا لا يعني أن كل مَن يفكر أو يخطط يصل، باستطاعتكم أن تشيروا الى الحمامة البيضاء'· ربما الحمامة البيضاء أصبحت رمادية، أو سوداء مثلا، أما 'فلاديمير بوتين' فلم يفكر قط في أن يكون رئيسا، لم يخطط لذلك، هو أكد أنه فوجئ بترشيحه لتولي الرئاسة، ولكن ليؤكد، من جهة أخرى، أن فلسفته في الحياة أن ينجز أي مهمة توكل إليه بمنتهى المهنية والمسؤولية، ليس من النوع الذي يضيع أي دقيقة، ولم يكن يبحث عن مكافأة هاجسه أن يكون راضيا عن الذي فعله·
أن تمتلئ الملاعق
يؤكد أيضا انه ليس من النوع الذي يقول بالسلطة المطلقة، ولكنه مع الرئيس الذي يكون بعيدا الى أبعد الحدود عن 'الأنا'، بالطبع مع عدم التهور، نقل عنه قوله إنه ما إن وطأ أرض الكرملين حتى خلع 'الشخص' في 'فلاديمير بوتين' ليكون الرئيس الذي يثق الروس أنه القادر ليس فقط على حمايتهم وإنما على دفعهم الى الأمام·
القيصر برلسكوني··
والرجل الخجول
اكتفى برلسكوني بوضع الخطة الخاصة بالوصول الى مقر رئاسة الحكومة، يعترف بأنه كان حينا النمر وحينا الثعلب، كان يعنيه كثيرا أن يكون القيصر في ملابس رئيس الحكومة، تصرف هكذا فعلا·· كثيرون وضعوا تعليقات ومقالات حول ما يختلج في ذهنه، وكان يبتسم: 'انت في روما فكيف لا تحاول أن تكون القيصر'· القيصر هزمه أخيرا استاذ للاقتصاد يدعى 'رومانو برادو'، خجول ولا يملك ثروة، ويعرف أن مهمته شاقة بعد 'برلسكوني'·· يقر بأن فكرة أن يكون رئيس حكومة لاحقته من زمن، وقبل أن يتسلم المنصب في عام 1996 يضحك: 'كأن يحلم أحدنا أن يصبح ممثلا سينمائيا'، ولكن ليسأل: 'ما الفارق؟'·
اورينت برس
بلير وتاتشر·· والحلم
قيل الكثير عن محاولة رئيس الوزراء البريطاني 'توني بلير' التمثل بالرئيس الاميركي الراحل 'جون كنيدي' آراء متناقضة قيلت حول هذه المسألة، هل حلم بالدخول الى 10 داوننغ ستريت؟ 'لا، بل حلمت أن أصبح رئيسا للولايات المتحدة'·
وكانت المرأة الحديدية 'مارغريت تاتشر' قد قالت: 'أجل حلمت ووصلت، لحظة الوصول هي الأجمل، الأصعب، الأكثر إثارة للكآبة أحيانا'·
ثمة مستشارون بارزون 'ويلي برانت' سئل إذا كان قد فكر في أن يتسنم المنصب، علق: 'بقدر ما يفكر العصفور أن يصبح فيلا'، ليضيف: 'إن تحولات تحدث داخل الكائن البشري، بعضها يكون تحت السيطرة وبعضها خارج السيطرة'، في لحظة ما شعر بأنه قد يستطيع أن يصبح مستشارا، هذا بعدما لاحظ أن لديه القدرة على التأثير، هذا لا يكفي، قال 'برانت': 'عرفت كيف أجعل الناس يثقون بي، هنا المسألة معقدة، أنت لست في دولة نشأت ظهر أمس، ما كان يبتغيه الألمان كنت أدركه جيدا، الرأس الألماني حساس، وذكي، ولا يغفر، هذه أقانيم أعرفها، وهكذا بنيت سياساتي ومواقفي، لابد أن تكون فاعلا، وأن يلاحظ الناس أنك تهتم بكل التفاصيل'·
'برانت' يقول إن الظروف لم تكن تساعد كثيرا على أن يحلم الألماني كيف يصل، أمر مخجل أن نفكر هكذا، الكل يعلمون أن ما هو مطلوب كيف تحلم ألمانيا: 'لم أحلم·· هذه مهمة ثقيلة، مَن قال إن السلة هي للهو أو للعبث في القمة؟'·

اقرأ أيضا

بايدين يعتزم الترشح لانتخابات الرئاسة الأميركية 2020