الاتحاد

عربي ودولي

وسط البلد يحدد مستقبل مصر

أحمد مصطفى العملة:
يحار المرء في وصفه··
صحيح أن له كتلة وطولا وعرضا ، لكن أخطر ما فيه- أي- عمقه ، يصعب تقديره بالمسطرة والميزان ، لأنه لا يقدر بثمن·
وسط القاهرة كان مجرد مركز مالي، لكنه الآن موقع ساحر، يرتاده آلاف المصريين يوميا لممارسة طقوس حياتهم بحرية، لا يجدون مثلها في سواه·
لقد تحولت المنطقة التي يستحيل العثور فيها على مكان لانتظار سيارة صغيرة ، والتي تعاني من أعلى معدلات التلوث في العالم الى مصدر إلهام ومركز طاقة يشع حيوية وبهجة في حياة المصريين·
اكتشف الناس أن المثلث ، المحصور بين قصر عابدين ومستشفى القصر العيني تقريبا وميدان رمسيس، صار له حضور طاغ في حياتهم ، وأن حياتهم نفسها تتأثر بما يجري فيه سلبا وإيجابا·· وكيف لا يشعرون·· وجزء كبير من حركة المال والسياسة بل والثقافة في مصر تخرج من تلك المنطقة ؟·
ففي وسط المدينة ، أو 'وسط البلد' كما يحب أن يسميه المصريون، الكتلة الحقيقية لجسم الدولة المصرية بمعظم مؤسساتها الرسمية بما في ذلك مقر الحكومة ذاتها·
الفتنة ·· وكتيبة الموهوبين
لكن ثمة أشياء ،غير الحكومة والخوف منها· أفرزت خلال السنوات القليلة الماضية موجة افتتان وهوس بين المصريين بوسط البلد·
وسط هذا الهوس تحول وسط البلد من مكان الى حالة وأيقونة·· وآيات ذلك شتى · لكن أقلها مثلا كل تلك الأشياء التي صارت تحمل اسم وسط البلد ··· فرقة مسرحية وبرنامج تلفزيوني وفيلم وموضوع رواية شهيرة·· وهذه ليست المرة الأولى التي يمارس فيها الموقع فتنته وسحره مع المصريين·
لقد فعلها سابقا في الستينيات مع كتيبة الموهوبين من أبناء الريف والصعيد القادمين من أجواء الفقر والحرمان والفاقة، تلسعهم نار الموهبة المتقدة والطموح الجارف·· حينها تلقوا صدمة المدينة الكلاسيكية بوسط البلد وهو مازال يحمل بقايا أبهة وترف ما قبل الثورة·
لكن الأمر مختلف الآن ·· فوسط البلد الذي ظل منذ تأسيسه في عهد 'الخديو اسماعيل' رمزا لهيبة الدولة المصرية وأسيرا لها وتحت رحمتها، يضطلع الان فجأة بدور معاكس تماما · تحول المكان الى منطقة حرة أو ما يشبه هايد بارك ، يتظاهر فيه المصريون من أجل الحرية ويحتجون كيفما شاءوا ضد سياسات حكومية يرونها خاطئة ··وهو أمر لا يستطيعون ممارسته بسهولة خارج هذه المثلث·
وفيما يشبه التراضي الضمني قرر الطرفان- الحكومة والاصلاحيون -أن تجري رحى المواجهة على أرض وسط البلد دونا عن أي منطقة أخرى في القاهرة المترامية الأطراف ·
وفيما كان وسط المدينة يلهب خيال مريديه ،أفرز الحراك السياسي في مصر منذ اوائل العام الماضي زخم متصاعد تواكب مع بروز قوى سياسية إصلاحية واعدة تبحث عن مسرح ودور وفرصة لإثبات الوجود·
لماذا وسط البلد ؟
كان المخزون المتراكم ـ من الغضب والضيق والاستياء والإحباط والاحتقان من الضخامة بما يتجاوز مساحات صفحات الجرائد المستقلة التي رفعت سقف الغضب الى أقصى ممكن· · فكان لابد من العثور على قناة أخرى، ولم يكن ثمة خيار أفضل من وسط البلد ساحة لمعركة الإصلاح ··لماذا ؟ لأسباب عديدة·
ربما لأن المنطقة تلخص الحكاية والعلاقة بين الدولة وناسها·
فهي معقل الدولة ومؤسساتها ، خاصة تلك التي تمثل مصدر أغلب شكاوى المصريين ، مثل وزارات الداخلية والعدل والاقتصاد ، ناهيك طبعا عن الحكومة ذاتها و'مجمع التحرير' ، قلعة البيروقراطية المصرية العتيدة الراسخة في قلب ميدان التحرير·
لكنه في الوقت ذاته معقل رموز
الإصلاح ·· نادي القضاة ونقابة الصحفيين ونقابة المحاميين ودار القضاء العالي والصحف المستقلة والمعارضة والحكومية ووكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية ومكاتب وسائل الاعلام الاجنبية وجمعيات حقوق الانسان ودور النشر والمكتبات ·· إنه أيضا مركز الأضداد الذهبي ·· جامعة الدول العربية والسفارة الامريكية والمساجد والكنائس والمعبد اليهودي الوحيد بالمدينة وجمعية الشبان المسلمين وجماعة الاخوان المسلمين (سابقا) وحزب التجمع والبارات والحانات والمقاهي ومراكز الابحاث·
وسط البلد ليس ذلك فحسب بل فيه تتركز معظم ثروة مصر المالية، حيث البورصة والبنوك الكبرى والبنك المركزي وشركات الصرافة ووزارة الاقتصاد··إنه يبدو أحيانا كما لو كان بلغة أهل الكمبيوتر shortcut لمصر بأسرها أو مخزون أسرارها ومستودع المادة الفعالة فيها أو لنقل أنه
HARDDESK البلد
تحولات التاريخ
د· عبد الرحمن مخلوف خبير التخطيط العمراني البارز الذي يعد أول من وضع في الستينيات مخططا علميا لما يعرف بالقاهرة الكبرى الان ، لا يفضل تعبير وسط البلد·· لماذا؟! لأنه - كما قال لـ الاتحاد 'تعبير غير دقيق والأكثر دقة منه وواقعية هو مركز البلد'·· ومعه حق لأن القاهرة تضخمت بصورة مذهلة وبنيت داخلها وعلى أطرافها كثير من المدن الجديدة بحيث صار وسط المدينة في موقع اخر تماما·
وبالفعل حاولت أحياء جديدة أن تسرق الكاميرا والدور لكن وسط البلد - عفوا أقصد مركز البلد- حافظ على هيبته ومكانته حتى في مواجهة أحياء مثل مصر الجديدة فيها قصر الحكم · وتاريخيا ظل مركز السلطة في مصر- كما يقول د· مخلوف - يتحرك في وعلى تخوم وسط المدينة من الفسطاط عند الفتح الاسلامي حتى قصر عابدين في العصر الحديث مرورا بالقطائع والقلعة· من ثم يمكن قراءة تاريخ مصر عبر وسط البلد خاصة منذ ظهوره في القرن التاسع عشر بأوامر من الخديو اسماعيل الذي اراد المنطقة نسخة اخرى من باريس· ·
لقد تركت التحولات والسياسية بصمتها على وسط البلد · فقد حافظت المنطقة على رونقها وارستقراطيتها حتى ثورة يوليو 1952 · ثم سرعان ما تعرضت لغزو شعبي جارف بعد سياسات التأميم التي حولت كثير من بناياتها الى مقار لشركات التأمين والقطاع العام وبعدما استولى الصف الثاني والثالث من الضباط الاحرار على شققها الفاخرة·
لكن وسط البلد أسلم نفسه لعامة الناس فعلا بعد ظهور قلعة مجمع التحرير في قلب ميدان التحرير·· ثم صارت المنطقة رمزا لسياسات الانفتاح الاقتصادي والافتتان بالبضائع الغربية بعد طول حرمان وذلك بظهور شارع الشواربي الذي فقد بريقه في مرحلة لاحقة ·
ومنذ أواخر السبعينيات لم يشهد وسط المدينة أي تحركات سياسية باستثناء انتفاضة 1977 ··وفي التسعينيات لم يكن ثمة مظاهر للاحتجاج· اللهم الا مشهد عربات الشرطة المصفحة بنوافذها الضيقة وهي تمر في وسط القاهرة لنقل المتهمين في قضايا الارهاب · كان السجناء يرددون عبر القضبان الضيقة هتافات اسلامية بصوت يسمع بالكاد وسط ضجيج السيارات ·
والان تتسع القضبان او تنكسر ، وهدير الاحتجاج يعلو على صوت كل ضجيج··
تلك التقلبات رسخت أكثر العلاقة الاستثنائية بين وسط البلد وناسها حتى تجسد المكان في أعينهم البطل الذي طال بحثهم عنه· ومن ثم كان طبيعيا أن تدور معركة الحرية هنا تحديدا بما يعني ان وسط البلد يمارس مرة اخرى دوره الأثير في صياغة مستقبل مصر ··· فهل يفسر هذا بعضا من فتنة وسط البلد الآسرة ؟ ·· لا أعتقد ··فالارجح اننا بحاجة الى جمال حمدان اخر يشرح لنا ·· عبقرية وسط البلد ·
ahmedomla@yahoo.com

اقرأ أيضا

مجلس الشيوخ الإيطالي يصوت لصالح تأييد حصانة سالفيني