الاتحاد

ألوان

البيئة البحرية.. حكايات من «زمن الغوص»

جانب من البيئة البحرية في المهرجان (تصوير حميد شاهول)

جانب من البيئة البحرية في المهرجان (تصوير حميد شاهول)

أشرف جمعة (أبوظبي)

يحتفي مهرجان سلطان بن زايد التراثي الذي يستمر في منطقة سويحان حتى 13 فبراير الجاري، بالبيئة البحرية، إذ أفرد لها جناحاً خاصاً توسط خيمة السوق الشعبي، ويبدو ركن البيئة البحرية في حلته المدهشة تمثيلاً دقيقاً لحياة البحر والبحارة وصناع الشباك والمراكب القديمة، فانتشرت على جوانب هذا الركن المراكب القديمة والشباك وفي الداخل كان الصناع المهرة يواصلوان أعمالهم الحرفية التي ارتبطت بالبحر قديماً في مشهد لافت حفز الزوار من مختلف الأعمار على التفاعل مع الورش البحرية التي استمدت توهجها من هذه البيئة التي سجلت حضورها الباهر في الماضي، وهو ما جعل المستشارين التراثيين يستقبلون الزوار وأبناء الجيل الجديد الذين يتوافدون على المهرجان والذي يحظي برعاية كريمة من سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات.

تلاقي البيئات
حول إبراز البيئة البحرية في مهرجان «سلطان بن زايد التراثي» في دورته الحالية المقامة في منطقة سويحان بأبوظبي، يقول عبدالله راشد المهيري رئيس قسم السباقات البحرية في نادي تراث الإمارات: «يأتي الاهتمام بالبيئة البحرية من أجل إبرازها أمام أبناء الإمارات، وخاصة الطلاب الذين يزورون المهرجان بشكل يومي، وهو ما يجعلهم يطلعون على مفردات هذه البيئة ويسهل لهم سبل التعرف إلى تفاصيل كثيرة عن حياة أهل البحر قديماً، خصوصاً وأن صيد الأسماك وتجارة اللؤلؤ والتجارة البحرية شكلت في الماضي مصدراً مهماً من مصادر الدخل».
ولفت إلى أن مهرجان «سلطان بن زايد التراثي» جمع مجموعة متنوعة من الحرف اليدوية والمهارات المرتبطة بالحياة البحرية، خصوصاً في ظل وجود نخبة من المدربين التراثيين والحرفيين الذي عملوا في البحر.

الصيد بالشباك
ويذكر يوسف أحمد العلي، أحد الذين عملوا في البحر منذ ستين عاماً، أن صيد السمك من المهن القديمة، وتختلف تقنيات الصيد وتتعدد عند استعمال الشباك، مشيراً إلى أن صيد السمك بوساطة الشباك يتم عبر رميها في المياه، ومن ثم سحبها محملة بالأسماك، وهناك طرق متعددة منها «الضغوة» وهي تقنية تقوم على إمساك طرفي الشبكة من قبل شخصين أحدهما على الشاطئ والآخر في البحر، ثم يتم رمي الشبكة عند ارتفاع المد وبشكل يشبه الحدوة، فإذا ما انحسر المد ابتعدت المياه بعيداً عن الشاطئ، وبقيت الأسماك معلقة بالشباك، ويبين أن طريقة الصيد بـ«الهيال» تتم عبر إلقاء الشبكة في البحر والسفينة مبحرة فتغرف ما يواجهها من الأسماك.. كما يمكن اشتراك أكثر من سفينة في ذلك.

صناعة السفن
وعن عرض ركن البيئة البحرية بعض المراكب القديمة وطرق تصنيعها، يوضح يوسف العلي أن صناعة السفن ازدهرت في منطقة شبه الجزيرة العربية عامة والإمارات خاصة، ويورد أن صانع السفن يطلق عليه «الجلاف»، أما صناعتها فتسمى «الكلفات»، وذلك لما تتضمنه من سد شقوقها وإدخال المسامير، والزيت، والقار على سطحها حتى تتماسك، ويلفت إلى أنه أطلق اسم «الوشار» على عملية بناء تلك السفن وهو لفظ اشتق من كلمة «المنشار» الذي يحمل لنشر الخشب دلالة على العمل نفسه.

شباك الشاشة
وفي أحد أركان البيئة البحرية في مهرجان «سلطان بن زايد التراثي» جلس الحرفي أحمد فهد محمد عيسي يصنع «الشاشة» التي تستخدم في المراكب الصغيرة، وذلك لصيد الأسماك التي تكون على مقربة من الشاطئ، ويبين أنه قد اتقن الحرفيون صناعة تلك المراكب من سعف النخيل، ويرى أنه عند اكتمال هيكل المركب يملأ بلحاء شجر النخيل وألياف جوز الهند ثم أغصان وكرب النخيل لمساعدته على الطفو.

القراقير التراثية
ويبين أحمد الحمادي المدرب البحري التراثي الذي كان يجلس في ركن البيئة البحرية ويعمل على خياطة الأشرعة، أن هذا اللون من الخياطة يعد عملاً بسيطاً، ولكن يحتاج إلى دقة واتقان، لافتاً إلى أنه في البداية يقص القماش ويفرد على الأرض مثبت الأطراف، ثم يضاف إليه نوعان من الحبال في التبطين الداخلي ويدعى «المح» أما في خارج الشراع فيضاف إليه «الداسي»، ليعاد بعد ذلك قص الزوائد الجانبية عند الشفرة واليوش كي يصبح الشراع جاهزاً، ويشير إلى أنه تختلف أحجام الأشرعة باختلاف أحجام القوارب.
ويورد الحمادي أنه أيضاً يعمل على صناعة القراقير، إذ يؤكد أن «القرقور» هو الأصغر بين أقفاص صيد السمك، والأوسط منها يسمى «الفردي» والأكبر حجماً يسمى «الدوباية».

صناعة المالح
أمام المحار وبعض اللؤلؤ وميزان البحر، كان يقف المستشار التراثي حثبور الرميثي يتحدث إلى بعض أطفال المدارس يعرفهم بدقائق البيئة البحرية، وحين سأله أحد التلاميذ عن المالح أوضح أنه مصطلح أطلق على أحد أقدم المنتجات في الإمارات التي هي عبارة عن طريقة تقليدية لحفظ الأسماك مثل أنواع القباب والكنعد وغيرهما، ويبين حثبور أن إعداد المالح يتم عبر تقطيع السمك وتنظيفه بإزالة الخياشيم والزوائد الأخرى ثم تمليحه ووضعه في أوعية فخارية تدعى «الخرس» ثم يغطى ويترك لثلاثة أشهر أو أكثر، بعدها يكون صالحاً للطعام.

صيد اللؤلؤ
حول ورشة اللؤلؤ التي يقدمها كل يوم في مهرجان «سلطان بن زايد التراثي» يورد حثبور الرميثي أن الإمارات كانت نقطة جذب تجار اللؤلؤ من مختلف أقطار العالم، وذلك لخصائص اللؤلؤ الإماراتي الذي يسمى «بالقماش» وكذلك بسبب الأنظمة والقوانين التي كانت تحدد طرق الاتجار به، ويبين أن صاحب السفينة قديماً يكون واحداً من التجار الكبار، وهو الذي يمول النواخذة عند بداية الرحلة، ويسمى هذا التاجر بنوخذة البر أو «الطواش» وهو أيضاً خبير باللؤلؤ وأنواعه وطرق بيعه وشرائه، وكان الغواص يعطى مبلغاً من المال قبل انطلاق الرحلة كعربون يسمى «قواض».

زائر الشارقة
أصر فريد فتح الله أحد الزائرين الذي قدم خصيصاً من الشارقة للمشاركة في مهرجان «سلطان بن زايد التراثي»، على الوقوف عند أحد المراكب القديمة في ركن البيئة البحرية ثم تأمل شباك الصيد والديين، ويقول: عشت لحظات جميلة في رحاب هذا المهرجان ولم أترك شيئاً من مناشطه إلا وشاركت فيها، مشيراً إلى أنه استمتع كثيراً بالبيئة البحرية التي وجد أنها ثرية جداً وتعبر عن تاريخ طويل لأبناء الإمارات في رحلاتهم البحرية وتسطر هذه البيئة أيضاً صفحات مهمة من تاريخ الغوص بحثاً عن اللؤلؤ في الإمارات.

اقرأ أيضا