الاتحاد

ألوان

«المجمع الثقافي».. مبنى يحكي تاريـخ الأصالة

دور بارز في نشر الثقافة والمعرفة ( تصوير عبدالعظيم شوكت)

دور بارز في نشر الثقافة والمعرفة ( تصوير عبدالعظيم شوكت)

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تتواصل فعاليات مهرجان قصر الحصن بأبوظبي، وسط إقبال كبير من الزوار، ويمثل المهرجان المستمر حتى 13 فبراير الجاري احتفالاً ثقافياً وتاريخياً بأقدم مبنى تم تشييده في أبوظبي منذ نحو 253 عاماً.
ويعمل المهرجان الذي يستقطب يومياً الآلاف من عشاق التراث من المواطنين والمقيمين والسياح من خلال فعالياته المتنوعة في قلب أبوظبي، على إنعاش ذاكرة أبناء الوطن، من خلال التذكير بالمجمع الثقافي ودوره البارز خلال الثمانينيات والتسعينيات في إذكاء روح الإبداع ونشر الثقافة بين أبناء الإمارات والمقيمين، الأمر الذي أسهم في خلق حراك إبداعي نتج عنه ظهور مجموعة كبيرة من المثقفين الإماراتيين في شتى مناحي الإبداع والثقافة.

أنشطة تفاعلية
يفتح المجمع الثقافي أبوابه طوال أيام المهرجان، حيث يستضيف سلسلة من الأنشطة التفاعلية التي تحتفي بذكريات المجتمع عن هذا البناء الرائع، ومنذ اللحظة الأولى لدخول المجمع الثقافي الذي يعد جزء أساسياً من الذاكرة الجمعية لسكان أبوظبي يغلب الطابع الثقافي والفني على مناشط هذا الصرح الذي يفرد يديه لمعانقة جمهور متعطش لمبنى كان يرفد الساحة بمبدعين في جميع المجالات، ويتلمس الزائر عبق هذا الماضي، ويغوص في حضرة جميع الفنون العصرية والفنية والتراثية.

مكانة ثقافية
وقالت رندة عمر بن حيدر مدير برامج في قطاع الثقافة بهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة: «إن مهرجان قصر الحصن يمهد لاستعادة المجمع الثقافي لمكانته الثقافية والاجتماعية التي كان يحظى بها في السابق، إذ سيعود ليعزز ساحة أبوظبي الثقافية، ويحيي ذلك الإرث العظيم الذي لعبه فيما مضى، مشيرة إلى أن فضاء المجمع الثقافي في مهرجان قصر الحصن يتضمن العديد من الفعاليات منها: «ذاكرة الأغنية الشعبية الإماراتية»، حيث يستضيف يومياً أمسية تتوهج فيها الأغنية الشعبية إلى جانب تنظيم أمسيات شعرية، وهو برنامج منظم بالتعاون مع أكاديمية الشعر، ويتم خلاله استضافة شعراء من الإمارات والخليج يمثلون ألواناً شعرية مختلفة. وتشكل هاتان الأمسيتان اللتان تنظمان في المسرح الخارجي للمجمع الثقافي، ملتقى لعشاق الكلمة والموسيقى، حيث تعكس الأغاني المقدمة، اللون الغنائي السائد في حقبة الخمسينيات وأواخر الثمانينيات.

معارض أساسية
وتضيف رندة عمر: «كما يضم المجمع الثقافي بمهرجان قصر الحصن ثلاثة معارض أساسية، حيث يستضيف باقة من التجارب المتنوعة، منها معرض «ملامح فوتوغرافية: صور من الماضي»، والذي يكشف للزوار قصصاً خفية عن ماضي أبوظبي، كما يمكنهم الإبحار في التراث الثقافي للإمارة من خلال «الأرشيف الوطني» في معرض «أرشيف وذكريات: قصة وطن».
وتستطرد قائلة: «تمتلك أبوظبي مجموعات من السجلات التي توثق وتحتفي بتراثها الثقافي الثري، وتعتبر ذاكرة الأمة منذ انطلاقة مهرجان قصر الحصن، ويحرص الأرشيف الوطني على المشاركة ليعرض عدداً من كنوزه النادرة، خاصة وأن الأرشيف الوطني ولد في أحضان قصر الحصن باسم «مكتب الوثائق والدراسات» عام 1968 بتوجيهات القائد المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ويقدم الأرشيف الوطني عبر مشاركته لهذا العام صفحات مهمة من التاريخ على شاشات عرض حديثة ومتطورة بأسلوب مفيد وممتع.
وفي أحد جوانب مبنى المجمع الثقافي، وفي تجربة مثيرة شكل معرض «ملامح فوتوغرافية: صور من الماضي» نقطة جذب للزوار من جميع الجنسيات، وضم المعرض خمس صور لأبوظبي للكشف عن الحكايات الخفية داخل تفاصيلها، ورسائل الماضي التي يجب أن نتعلمها اليوم».

لحظات مستعادة
وفي «ذكريات في المجمع الثقافي»، يستمع الجمهور إلى شهادات شخصية عن تاريخ دولة الإمارات يرويها زوار المهرجان، وهو مشروع تقول عنه رندة عمر بن حيدر: «بدأنا فيه العام الماضي، حيث نسأل الناس عن علاقتهم بالمجمع الثقافي والفترات التي قضوها فيه، وما حققه من إشعاع وحراك ثقافي في حقبة الثمانينيات والتسعينيات، وذلك بهدف تسليط الضوء على تاريخ ودور المجمع من خلال ذكريات الزوار، وتجاربهم الأولى به، وآمالهم وطموحاتهم، وخلال هذا الحدث يتعرف الزوار أيضاً على الأهمية الثقافية والتاريخية لهذا المبنى، وكيف أصبح رمزاً للمدينة والمجتمع وأفراده».

ورش تعليمية
ويهدف مهرجان قصر الحصن بصورة أساسية إلى الحفاظ على التراث الإماراتي عن طريق إحيائه ونقله من الأجداد والآباء إلى الأجيال الجديدة، ويستطيع الزوار عبر المشاركة في الأنشطة والفعاليات، فهم الأسس العميقة والراسخة التي قامت عليها النهضة الحضارية التي تعيشها دولة الإمارات اليوم، ومسيرة كفاح وعزيمة ومثابرة وإبداع الإنسان الإماراتي، وأهمية استدامة هذا الإرث التاريخي، وعلى هذا الأساس يحتضن مبنى المجمع الثقافي العديد من الورش التعليمية ذات الطابع التراثي، ولا تقتصر هذه الورش على الفضاء الداخلي للمبنى، بل توزع أيضاً على بيئات المهرجان الأخرى، فيستطيع الزوار من اليافعين الاستفادة من ورشة صناعة السفن في البيئة البحرية، كما يمكن للأطفال من تعلم صناعة الخوص في الواحة، بينما تنظم ورشة السدو في بيئة أبوظبي، إلى غيرها من الورش الموزعة هنا وهناك في المساحات المفتوحة لتشكل نقطة جذب كبيرة للأطفال إلى جانب باقي الفعاليات، وورش العمل العائلية وتشمل هذه النشاطات: ورشة «صناعة الفخار» وهي مخصصة للأطفال من عمر 6 أعوام إلى 13 عاماً وهي ورش عمل مقررة تستغرق 45 دقيقة لكل ورشة، بحيث سيتعلم الأطفال طريقة تشكيل الأشياء التي يرغبون في صناعتها باستخدام مادة الطين والماء، وورشة «تلوين الفخار للأطفال»، وهي مخصصة للأطفال من عمر عامين ولغاية 8 أعوام.
ويشير محمد علي الهندي مسؤول ورشة صناعة الفخار بالمهرجان إلى أن الورشة تعلم صناعة وعاء «البرمة» وهو الوعاء الذي كان يشرب فيه الماء سابقاً، فيما يقول مصطفى عدنان مدرب ومسؤول ورشة صناعة القوارب التقليدية: «إن ورشة القوارب فعالية جديدة، تهدف إلى تعليم الأطفال فنون صناعة القوارب، وتحظى هذه الورشة بإقبال كبير من الأطفال».

ألعاب من الذاكرة
«الألعاب والدمى التقليدية»، وهي مخصصة للأطفال من عمر 8 أعوام ولغاية 15 عاماً، سيتعلم الأطفال خلالها طريقة صنع ملابس للدمى والألعاب، والتي تمنح لهم مع المواد اللازمة لصنعها، أما ورشة «الألعاب التقليدية: السيارات» فهي مخصصة للأطفال من عمر 6 أعوام ولغاية 15 عاماً، بحيث يتمكن الأطفال من تجميل وإعادة تصميم سياراتهم بوساطة العلب المعدنية وأغطية الزجاجات، ومادة MDF والألمنيوم، بينما تهدف ورشة «الألعاب التقليدية: الأحصنة» والمخصصة للأطفال من عمر 6 أعوام ولغاية 11 عاماً، إلى تعليم الصغار كيفية رسم رؤوس الأحصنة، ويقومون بقصها ولصقها على عصا خاصة والاحتفاظ بها.
وتشكل ورشة «الإكسسوارات: صباغة الجلود» والمخصصة للأطفال من عمر 6 أعوام ولغاية 13 عاماً، فرصة لتعلم كيفية تصميم الجلود وصباغتها لتصنيع حقائبهم الخاصة، وسيتعلم خلالها الأطفال صناعة الإكسسوارات بوساطة الحبال والخرز بالاستناد إلى التصاميم الموجودة في مبنى المجمع الثقافي وقصر الحصن، وتمنح هذه الورشة الفرصة للأطفال لابتكار تصاميم فريدة تتناسب مع أذواقهم، كما يمنحون حقائب لوضع وحفظ تصاميم إكسسواراتهم بها، ومن خلال ورشة «السدو» سيتعلم الأطفال من النساء «حاميات التراث» في المهرجان، فن صناعة غرز نسيج التلي، وابتكار تصاميم هذا القماش التقليدي الأصيل، أما وورشة عمل صناعة نماذج ورقية للحصن المخصصة للأطفال من عمر 6 أعوام ولغاية 13 عاماً، فستمكن النشء من تشييد نموذج ورقي لقصر الحصن من خلال بطاقات ورقية تحوي إرشادات لإتمام عملية التصميم، كما سيتعلم الأطفال خلال ورشة الهندسة المعمارية طريقة تشييد منازل أحلامهم.

القهوة الإماراتية
إلى جانب المشاركة في الأنشطة الترفيهية وورش العمل التفاعلية للأطفال والكبار، ومشاهدة عروض «المسرح المفتوح»، يضم فضاء المجمع الثقافي ركن «قهوة» الذي تفوح منه رائحة القهوة التي تجهز أمام الجمهور على الحطب، ويعمل«قهوة»، على تعليم تقاليد إعداد القهوة الإماراتية، وتقول رندة عمر بن حيدر إن«قهوة» تجربة استثنائية تمنح الزوار فرصة التعرف على تقاليد القهوة وأهميتها وأسباب اعتماد اليونسكو لها ضمن قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، ودلالتها الرمزية في المجتمع وتقاليد الضيافة الإماراتية، ويلتقي الزوار هنا مع عائلاتهم وأصدقائهم للاستمتاع بفنجان من «القهوة» في أجواء مريحة، ويمكنهم اكتشاف كل شيء عن القهوة اعتباراً من الأواني التقليدية وحبوب البن والنكهات المضافة إليها ومشاهدة صناعتها وإعدادها، وفهم الآداب والمهارات اللازمة لتقديمها بشكل صحيح».
وتضيف: تجمع هذه التجربة الأصيلة بين حواس البصر والشم والتذوق لتدعو الزوار إلى تكرارها في حياتهم اليومية، وتتابع:«يمثل مبنى المجمع الثقافي أحد المكونات المهمة للذاكرة الجمعية لأبوظبي، فقد فتح أبوابه لاستقطاب الجمهور وتثقيفه وتعليمه جوانب مهمة من حياة الإنسان الإماراتي من خلال عاداته وتقاليده»، لافتة إلى أن «قهوة» ستكون أحد الأماكن الموجودة خلال الافتتاح النهائي للمجمع الثقافي في المستقبل.

العمارة الإسلامية
يتضمن برنامج أنشطة المجمع الثقافي ضمن مهرجان قصر الحصن، نشاطات مختلفة منها تزيين جدران المبنى بالعناصر السبعة المعتمدة ضمن قائمة اليونسكو التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، لتسرد قصة القهوة والمجلس والرزفة والدو والصقارة والعيالة والتغرودة، كما تعكس الإضاءة المبهجة للمجمع الثقافي روح الهندسة المعمارية الإسلامية.


مقتطفات تاريخية
يضم معرض الأرشيف الوطني مقتطفات من أرشيف عدد من المؤسسات في أبوظبي، منها: «ديوان ولي العهد» و«أبوظبي للإعلام» و«الأرشيف الوطني»، وشركة «أدكو» و«تلفزيون بينونة».
ومن المعروضات صور فوتوغرافية وصحف وأفلام، و خاصة بعض أعداد جريدة الاتحاد في العقود السابقة والتي تشير إلى بعض الأحداث التاريخية.

تقليد تراثي
حول تجربة «قهوة» تقول شيخة حميد «من زوار المهرجان»:« نحن في حاجة إلى حضور مثل هذه الأماكن مستقبلاً بما يعكس الطابع الإماراتي ويحفظ العادات والتقاليد من الاندثار، ويسمح للزائرات بالاستمتاع بأجواء وفضاءات ثقافية ملهمة بعيداً عن صخب المقاهي المتواجدة بطابعها الحالي».
وتضيف: يجد الزائر في «قهوة» جميع التقنيات والمواد الخام والأواني وطقوس التحضير وصوت الأدوات الخاصة بإعدادها، وطقطقة النار ورائحة تخمير القهوة، والتقديم المتتابع من اليمين إلى اليسار واحترام منزلة وعمر الضيوف والقصص الرمزية لتناول القهوة، وأهمية هذا التقليد التراثي في الإمارات.


نشاط فني

يستعيد «المجمع الثقافي» نشاطه الثقافي والفني خلال المهرجان السنوي لقصر الحصن ويجري حالياً تجديد مبنى المجمع، بالتوازي مع ترميم «قصر الحصن»، وتوضح أمل شابي، أخصائية ترميم مبان في إدارة البيئة التاريخية، بهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، أن المبنى ما يزال بحالة جيدة، ولكن نقوم بإزالة المعدات الميكانيكية والكهربائية وغيرها من أنظمة الخدمات القديمة فيه، وذلك لتحديث مرافق ووظائف المبنى مع الإبقاء على طابعه المعماري الفريد، وهو ما يتماشى مع خطة إدارة الترميم التي اكتملت مؤخراً، وسيحظى الزوار هذا العام بجولات يقودها مرشدون في أجزاء من المبنى، إلى جانب الاستمتاع بتجربة تفاعلية في الحصن يصاحبها سرد شامل يؤرخ لمراحل مشروع الترميم، وتضيف شابي:«نعمل على المشروع منذ 2010 واكتشفنا أنه في حالة جيدة لكن نقوم ببعض الإصلاحات لإطالة عمره. كما نقوم ببعض الترميمات لإعادة فتحه أمام الجمهور، ليعاود نشاطه في مختلف المجالات الثقافية والفنية ضمن دورات مهرجان قصر الحصن السنوية.

اقرأ أيضا