تقارير

الاتحاد

«الدرونز».. مصدر تهديد إرهابي

يوم الأربعاء الماضي، تحدث خبراء في الحكومة الفيدرالية الأميركية، كان من بينهم «نيكولاس راسموسين»، رئيس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب أمام فريق من أعضاء الكونجرس، عن مشكلة أصبحت تثير قلق الجميع، ووصفها بأنها «مشكلة حقيقية». فما هي وما حقيقتها؟ يتعلق الأمر ببدء مقاتلي تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا والعراق باستخدام طائرات قديمة معدّلة لإلقاء القنابل اليدوية من الجو، وهي التي تهدد القوات الأميركية الخاصة. ولو تمكنوا من استخدامها في مدينة الرقة، فإن من المؤكد أنهم سيستخدمونها يوماً ما على الأرض الأميركية.
وقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريستوفر راي في شهادته أمام الكونجرس، إن هذا التهديد بات واضحاً وقد تكون نتائجه وشيكة، وأضاف: «إن من السهل نسبياً اكتساب مهارات تشغيل الطائرات من دون طيار أو الدرونز، ويكون من الصعب التصدي لها ومراقبتها».
ومعظم نماذج «الدرونز» التي تباع في الولايات المتحدة، صغيرة وقصيرة المدى وتشبه الطيور في حركتها. وهي متوافرة في أسواق الأدوات التي يستخدمها هواة الرياضات المختلفة، لكنها غير مصممة لنقل الأشياء. وبالنظر لسعرها الذي يساوي سعر أجهزة التلفزيون ذات الشاشة المسطحة، فلقد بات في وسع الإرهابيين شراء الطرازات ذات الأغراض التجارية منها، والقادرة على نقل الطرود الصغيرة، عن طريق مواقع التجارة الإلكترونية على شبكة الإنترنت. ولم يعد من المطلوب منك أن تكون من كتّاب سيناريوهات أفلام هوليوود حتى تتخيّل ما الذي يمكن أن يحدث في المستقبل، وحيث يمكن لطائرة هيليكوبتر صغيرة التحليق على ارتفاعات منخفضة أن تنقل القنابل الصغيرة أو عبوات تحتوي على مواد سامة وتهاجم بها التجمعات السكانية أو الشخصيات المهمة أو المنشآت الحساسة والمعالم الشهيرة. وفي عام 2015، هبطت طائرة «درون» يشغّلها هاوٍ متمرس فوق أرض عشبية داخل البيت الأبيض. وعندما استفاقت إدارة ترامب لهذا الخطر، أصدرت خلال العام الحالي (2017) تعليمات بتعزيز قدرات رجال الشرطة على تعقّب تحليق طائرات «الدرونز» المدنية، وفحص الحمولات التي تنقلها. وتضمنت التعليمات إعطاء الأوامر للجهات المختصة في الدفاع الجوي بإسقاط طائرات «الدرونز» المحلقة بمجرد الشك في أنها تنقل «حمولات» خطيرة. ولقد تزايدت شكاوى هواة رياضة اللعب الممتع بهذه الطائرات واحتجاج الشركات التي تصنعها على هذه الضوابط الجديدة. وربما كان من الأجدى بهؤلاء أن يوجهوا شكاواهم لتنظيم «القاعدة» الإرهابي بدلاً من توجيهها إلى الحكومة الأميركية.
وتكمن المشكلة الحقيقية في أن الخطر الماثل اليوم سوف يتحول بين عشية وضحاها إلى تهديد أكبر. وعندما كان «راسموسين» و«راي» في الكونجرس يعرضان شهادتيهما حول مشكلة طائرات «الدرونز» الموجهة عن بعد باستخدام أجهزة التوجيه اللاسلكية ونظام تحديد المواقع الجغرافية GPS، كان لفيف من كبار العلماء المتخصصين بتكنولوجيا الطيران الآلي، يعقدون اجتماعاً في مدينة «فانكوفر» الكندية من أجل تبادل المعلومات المفصلة التي توصلوا إليها حول تطوير الطائرات التي يمكنها التحليق من دون طيارين.
وشاركني أحد هؤلاء العلماء القلق الذي ينتابني حول النهاية التي ستؤول إليها هذه الاختراعات. وقال لي بثقة إن تكنولوجيا «الدرونز» سوف تتطور بسرعة حتى تتمكن من نقل حمولة تتراوح بين 5 و6 كيلوجرامات. ومثلما رأينا في حالة من يسمون أنفسهم «الانغماسيين»، وهم الإرهابيون الذين يرتدون الأحزمة الناسفة لتفجير أنفسهم في الأهداف المقصودة، فإن قدراً كبيراً من الدمار يمكن تحقيقه باستخدام طائرات يمكنها أن تنقل مثل هذه الكمية من المتفجرات.
ولعل الأهم من ذلك كله، هو التطور المتسارع الذي تشهده تكنولوجيا الطيران والتوجيه الذاتي. وهي التي تنشغل «البنتاجون» بتطويرها حتى تضمن تجنب الأخطار التي تتعرض لها طائرات الهيليكوبتر الهجومية أثناء تأديتها مهامها في أراضي المعارك. وخلص اجتماع «فانكوفر» إلى أن العلماء أصبحوا على ثقة تامة بأنهم في طريقهم لبناء طائرات «درونز» ذاتية التوجيه، بحيث لا تحتاج حتى إلى أجهزة التوجيه اللاسلكي أو نظام تحديد المواقع الجغرافية. ويمكن لهذه الطائرات أن «ترى»، وأن تمسح الأرض الممتدة تحتها حتى تتعرف إلى مكانها، وأن تكيّف حركتها، بحيث تتجنب الاصطدام مع الطائرات الأخرى أو الأشجار أو أبراج نقل الطاقة الكهربائية في أثناء تحليقها المنخفض باتجاه الهدف. وربما تكون واشنطن قد تباطأت كثيراً بتقدير المدى الحقيقي للأخطار التي قد تنطوي عليها هذه التطورات، إلا أن الوقت لا يزال يسمح لها بإعادة المشكلة إلى طاولة البحث والتحقيق.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا