صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

جدل «اللاهوت» و«التلمود»

تراكم تاريخي لموقف الفاتيكان من القدس والمسألة اليهودية (أرشيفية)

تراكم تاريخي لموقف الفاتيكان من القدس والمسألة اليهودية (أرشيفية)

إميل أمين

قبل أن يأخذ قرار الرئيس الأميركي طريقه إلى العلن بساعات قليلة، تحدث الحبر الأعظم البابا فرنسيس بابا روما، داعياً إلى احترام الوضع القائم في القدس، والتحلي بـ«الحكمة والحذر».
البابا الكاثوليكي الذي يتبعه روحياً قرابة المليار وثلاثمئة مليون نسمة في قارات الأرض الست، وجّه نداء من القلب حتى يلتزم الجميع باحترام الوضع القائم في المدنية بما يطابق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

هل كان البابا يتوقع قرار الرئيس الأميركي، وعلى هذا الأساس استبقه برفض واضح ومغلّف في عبارات دبلوماسية حاسمة وحازمة؟
يبدو أن ذلك كذلك بالفعل، ولهذا ووسط آلاف المؤمنين أكمل بالقول في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان قائلاً: «القدس مدينة فريدة، مقدسه لليهود، والمسيحيين، والمسلمين الذين يصلّون فيها، كل في المواقع المقدسة لديانته، ولها رسالة خاصة من أجل السلام». وأكد البابا ضرورة الحفاظ على هذه الهوية وترسيخها «بما هو لصالح الأرض المقدسة والشرق الأوسط والعالم أجمع».

رفض فاتيكاني مبكر
يعن لمن استمع إلى كلمات البابا فرنسيس التساؤل: وماذا عن مكان ومكانة القدس عند حاضرة الفاتيكان في الماضي؟ وهل كان باباوات روما السابقين رافضين بدورهم لتهويد القدس؟
الجواب يأخذنا إلى أكثر من مئة وعشرين عاماً خلت تقريباً، أي في وقت إرهاصات تشكّل الدولة اليهودية، والبحث لها عن وطن حول العالم، فالثابت تاريخياً أنه عشية انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في الأول من آيار (مايو) عام 1897 في بازل بسويسرا، تنبّه الفاتيكان إلى الرؤى المغشوشة لاهوتياً والتي كان ولا بد من تفعيلها لكسب المزيد من الداعمين الأوروبيين.
في ذلك الوقت صدر عن حاضرة الفاتيكان، وفي عهد سعيد الذكر البابا «لاون الثالث عشر» بيان جاء فيه ما يلي: «لقد مرت ألف وثمانمئة وسبع وعشرون سنة على تحقيق نبوءة السيّد المسيح بأن القدس سوف تدمر، أما فيما يتعلق بإعادة القدس بحيث تصبح مركزاً لدولة إسرائيلية يعاد تكوينها، فيتحتم علينا أن نضيف أن ذلك يتناقض مع نبوءات المسيح نفسه».
قطع الفاتيكان مبكراً الطريق على الادعاءات اليهودية المنحولة بأن هناك حتميه تاريخية، وأخرى دينية مسيحية تقول بأن القدس يهودية، وإنها لابد أن تكون عاصمة للدولة اليهودية القادمة، رغم أن وعد بلفور لم يكن قد صدر بعد، فيما استشرفت المؤسسة الكاثوليكية زيفاً الادعاءات اليهودية المقبلة.

خيبة هرتزل
والشاهد تاريخياً أن الرفض الفاتيكاني لاستيلاء اليهود على القدس ثابت عبر مواقف قاطعة لا تقبل التأويل أو التفسير، ففي عام 1904 توجه «تيودور هيرتزل» برسالة إلى الفاتيكان طالباً دعم كاثوليك العالم عبر الكرسي الرسولي، فرد عليه البابا «لاون الثالث عشر» بالقول: «نحن لا نستطيع أبداً أن نتعاطف مع هذه الحركة، أي الصهيونية، ونحن وإن كنا لا يمكننا لوجسيتاً منع اليهود من التوجّه إلى القدس، إلا أننا لا يمكننا أبداً أن نقره».
لم ييأس هيرتزل في محاولاته للحصول على دعم الفاتيكان، لذا توجّه لاحقاً إلى الفاتيكان ليقابل البابا «بيوس العاشر» عساه أن يكون مختلفاً عن سلفه «لاون الثالث عشر»، لكنه فوجئ بالبابا الجديد يخبره بما هو أقسى وأخطر حين قال له: «لن أقبل بأن تقع القدس وفلسطين في أيدي اليهود، وإنني أفضّل أن أرى القدس تحت حكم المسلمين، على أن أراها تحت حكم اليهود، سيما وأن اليهود لم يعترفوا بيسوع بن مريم».
يتساءل البعض: كيف واجهت البابوية وعد بلفور؟
المؤكد أنه في عام 1919، وكان البابا «بندكتوس الخامس عشر» قد ارتقى السدّة البطرسية، صاغ الحبر الأعظم شعاره الشهير «لا لسيادة اليهود على الأرض المقدسة»، وأعلن الفاتيكان معارضته لوعد بلفور منذ صدوره، فيما استقبل البابا البعثة العربية الفلسطينية التي زارت الفاتيكان عام 1921، وتبنى رفض منح اليهود أي وضع مميز في فلسطين.

أساس لاهوتي
وكما جاء موقف البابا فرنسيس مخالفاً لقرار ترامب، وبخاصة أن الكيمياء بين الرجلين غير متوافقة، بعدما وصف البابا تصرفات ترامب في مواجهة اللاجئين والمهاجرين من البؤساء والمعذبين في الأرض، بأنها غير مسيحية، كانت كذلك مواقف الباباوات السابقين مع الإدارات الأميركية السابقة، وقد توقع الفاتيكان اعترافاً أميركياً بالدولة الإسرائيلية القادمة... ماذا جرى تحديداً؟
حدث أن عام 1946 كان بمثابة عام تحذير الكنيسة الكاثوليكية للولايات المتحدة الأميركية رسمياً، من مغبة التماهي مع الادعاءات اليهودية بالحقوق التاريخية في أرض فلسطين.
في ذلك الوقت أرسل الجالس سعيداً على كرسي مار بطرس، البابا «بيوس الثاني عشر» مبعوثاً إلى واشنطن ليبلغ الأميركيين، بأن كاثوليك العالم، وقد بلغوا في ذلك الوقت أكثر من 500 مليون، لا يمكن إلا أن يُجرحوا في كرامتهم الدينية إذا سلّمت فلسطين لليهود، أو وضعت عملياً تحت السيطرة اليهودية.
وإلى أبعد من ذلك، فقد رفض الفاتيكان عام 1947 قرار تقسيم فلسطين، وعام 1948 دعا البابا بيوس الثاني عشر في رقيم له إلى ضمانات دولية لضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة المنتشرة في كل أرجاء فلسطين، وليس في القدس فقط، وإلى حرية العبادة واحترام التقاليد والعادات الدينية.
لم يكن بابا روما الذي اعتبر منذ ذلك الحين ولأسباب أخرى أكثر رموز إسرائيل عداوة، ليهمل أصحاب الأرض الأصليين من الفلسطينيين مسيحيين ومسلمين، إذ جدّد البابا دعمه لهم، فأسس عام 1949 البعثة البابوية لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين، مستبقاً خطوة الأمم المتحدة على هذا الصعيد، وقد ثابر الفاتيكان في الوقت نفسه على رفض الاعتراف بدولة إسرائيل.
يلفت الباحث الفلسطيني العلاّمة الأب الدكتور «بيتر مدروس» الكاثوليكي المذهب من بيت لحم، إلى أنه ومنذ أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، توالت الضغوط الغربية وكثرت التهديدات والمقاطعات على كرسي مار بطرس في روما للاعتراف بإسرائيل وتأييدها ومدحها. وما خضع الفاتيكان، على صغره الجغرافي، للولايات المتحدة التي كانت عرّابة «الدولة اليهودية»، ولا لبريطانيا الإنكليكانية أم تلك «الدولة». وبقي الفاتيكان في الغرب «الدولة المعزولة» التي ما اعترفت بالكيان العبري السياسي، أيضاً لأنه أتى مبنياً على احتلال عسكري.
هل هناك بنية لاهوتية كاثوليكية ترفض قيام تلك الدولة؟
الشاهد أن عدم اعتراف الفاتيكان بالدولة الإسرائيلية كان له أساس من الإنجيل الذي لا يقر بأورشليم أو القدس أو «يبوس» كمدينه يهودية وملك لداوود، لأن داوود الملك احتلها احتلالاً عسكرياً نحو سنة ألف قبل الميلاد، بل «مدينة داوود» هي بيت لحم، وهي مدينته شرعاً لأنها مسقط رأسه، وستصبح مسقط رأس سليلة السيّد المسيح الملك.

بين الإيديولوجيا والسياسة
لم يتغير موقف الفاتيكان من المدينة المقدسة «القدس» حتى بعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية عام 1967، كان ذلك في عهد البابا الراحل «بولس السادس»، الذي أشار في اجتماع له بتاريخ 26/‏6/‏1967 أي بعد الحرب بأيام معدودات إلى أنه «يجب أن تبقى مدينة القدس على مستوى ما تمثل: مدينة الله، وواحة حرة للصلاة والسلام، وموعد لقاء ووئام واتفاق لجميع الناس، تنعم بدستور خاص مكفول دولياً».
في ذلك الوقت رفضت إسرائيل مقترحات البابا وأكدت في بيان لها أن «القدس عاصمة إسرائيل الأبدية»، كما دعت البابا إلى إعلان اعترافه بدولة إسرائيل وبعاصمتها القدس، إلا أن الفاتيكان رفض ذلك بشكل قطعي.
ظلّت البابوية عدواً أولياً ورئيساً لإسرائيل كدولة ولليهود كشعب، وقد أدرك القائمون على أمورها أن النفوذ الروحي للبابا هو غاية في الأهمية، وقد كان رؤساء الوزراء الإسرائيليون المتعاقبون مفتونين بمفهوم اختيار البابا كحاكم مطلق يتم انتخابه مدى الحياة، من دون أي تدخلات خارجية من دول أو مؤسسات، سوى الجماعة الكاثوليكية فقط، وكقائد ليس عرضة للمحاسبة أمام أي سلطة قضائية أو يخضع لأي سيطرة تشريعية.
كانوا يعلمون أن الحبر الأعظم يتمتع مستفيداً من بنية هرمية وامبراطورية بنفوذ استثنائي لتشكيل الحياة الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية ليس لأتباعه الكاثوليك وحسب، وإنما للعالم بأسره، ولهذا تندر أول رئيس وزراء إسرائيلي «دافيد بن جوريون» ذات مرة بالقول: «لا تفكروا أبداً بذلك الهراء حول أقسام البابوية، انظروا إلى عدد الأشخاص الذين يستطيع حشدهم لمساعدته».

الصوت الكاثوليكي العالي
هل كان بن جوريون على حق في رؤيته للبابوية؟
يبدو أن ذلك كذلك بالفعل، فقد انطلقت المراكز الفاتيكانية المتقدمة في مواقفها الرافضة لتهويد القدس عبر قرار ترامب الأخير حول العالم.
ففي روما تحدث الكاردينال «بيترو بارولين» رئيس الكوريا الرومانية (رئاسة الوزارة في الفاتيكان) مندداً بالقرار الأميركي، ومعتبراً أنه خطوة خطيرة، ستشكل خطراً على الاستقرار والسلم في العالم، ومضيفاً أن هذه الخطوة تعني موت حل الدولتين، وموت عملية التسوية، وشدّد على دعم الكرسي الرسولي الكامل لتوجهات القيادة الفلسطينية.
أما على نهر الهدسون وفي الأمم المتحدة، فكان المطران «سيلفانو تومازي» يشدد على موقف الكرسي الرسولي حيال المدينة المقدسة، ويؤكد أنه الموقف نفسه الذي تؤيده منظمة الأمم المتحدة، ألا وهو الدعوة إلى قيام دولتين مستقلتين تعيشان جنباً إلى جنب، وتتمتعان بالحقوق نفسها، ومشدداً على ضرورة أن تبقى المدينة مفتوحه أمام أتباع الديانات السماوية الثلاث.
الصوت الكاثوليكي ارتفع داخل أميركا ذاتها، حيث أبلغ الأساقفة الكاثوليك، وزير الخارجية الأميركي «ريكس تيلرسون» بأن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، يتطلب مشاركة أميركية حكيمة لبناء مستقبل، أفضل لكلا الشعبين، وأيدوا حل الدولتين، فيما كتب الأسقف «أوسكار كانتو» رئيس اللجنة الأسقفية الأميركية للسلام والعدالة: «إن نقل السفارة إلى القدس، هو بمثابة الاعتراف بالقدس على إنها عاصمة إسرائيل غير المقسمة».
أما في أوروبا التي عانى فيها اليهود من جراء الأوربيين، لا العرب أو المسلمين، فتحدث باسمها المونسينور «جورج بونتية» رئيس مؤتمر أساقفة فرنسا، والذي كرر كلمات البابا فرنسيس بضرورة ووجوب المحافظة على الوضع الحالي لمدينة القدس تماشياً مع قرارات الأمم المتحدة، خاصة أن القدس مدينة مقدسة بالنسبة إلى اليهود والمسيحين والمسلمين الذين يكرّمون فيها أماكنهم المقدسة. الموقف الفاتيكاني الرافض لقرار ترامب، يذكّرنا بتندر جوزيف ستالين على البابوية حين قال: «كم فرقة عسكرية يمتلك البابا؟»، ولم يكن يدري أن البابوية ستكون السبب الرئيسي في إسقاط الشيوعية مرة وإلى الأبد. هنا نتساءل: هل يكون الموقف الفاتيكاني من قرار ترامب نقطة تحول في مسار ومصير القضية الفلسطينية عامة والقدس خاصة؟
أغلب الظن إن ترامب من جماعة لهم آذان ولا يسمعون، وأذهان ولا يفهمون، عطفاً على عيون ولا يبصرون.

افتراق ديني
العلاقة بين اليهودية والمسيحية معقدة ومتشعبة. ففي اليهودية لا يعتبر يسوع شخصية مرسلة من قبل الإله، فهو ليس الماشيح ولا حتى نبي بوصفه لم يتمم النبوءات الكتابية حوله، والانتقادات اليهودية لشخص يسوع بدأت منذ رسالته، إذ تذكر الأناجيل وصفه من قبل رجال الدين اليهود بالممسوس من قبل الشيطان، وأراد الحاخام الأكبر جمالائيل الثاني بعد خراب الهيكل عام 70 أن يضيف في الصلوات اليومية لعنات ضد المارقين على اليهودية ومن بينهم حسب رأيه يسوع، إلا أنه عاد وعدل عن ذلك.
كذلك فإن اليهودية الإصلاحية تعلن بشكل صارم بأن كل يهودي يصرح بأن يسوع هو المسيح المخلص فهو ليس بيهودي بعد، فبحسب التقليد اليهودي فإن السماء لم ترسل أنبياء بعد عام 420 ق.م، فيكون بذلك النبي ملاخي هو آخر الأنبياء في اليهودية وهو سابق للمسيح بأربعة قرون.