الاتحاد

دنيا

المصارحة حائرة بين المسؤولية الأخلاقية والضرورة المهنية

لا يختلف اثنان أمام الحيرة الكبيرة التي لا يحسد عليها ذوو المرضى وهم يعانون مرضاً مستعصياً وميؤوساً من علاجه طبياً· وغالباً ما يقع عبء إبلاغ المرضى على الطبيب المعالج، ورغم أن القوانين المهنية تحتم على الطبيب إبلاغ مرضاه بحقيقة مرضهم، ويعتبر الإخفاء جريمة بحد ذاتها، إلا أنه يجد نفسه بين فكي ''رحى'' المسؤولية الأخلاقية والضرورة المهنية ، ويجد الطبيب نفسة فجأة أيضاً أمام''شر لابد منه'' ، ولا مناص من مواجهته عندما يكتشف أن المريض مصاب بمرض قاتل أو خبيث وتدور في رأسه أسئلة صعبة هل يواجه المريض بحقيقة مرضه، أم يبحث عن وسيط آخر ليقوم بهذه المهمة الصعبة،؟ والتي تضع الطبيب بين أمرين أحلاهما مر؟ وفي الحالتين ما الذي سيقوله وكيف؟

ترى نادين هنري ''ممرضة'' بمستشفى خاص أن من حق المريض الذي يعالج من أي مرض عضوي مهما كانت درجة خطورة أو حدة المرض، وفي أي مرحلة من مراحله، أن يعرف حقيقة حالته، ويستحسن أن يصارح الطبيب المعالج مريضه منذ البداية حتى بالنسبة للأمراض المستعصية، حتى يكون المريض ملماً بحقيقة حالته الصحية، وأن يتوافق نفسياً مع كل مرحلة ولا يفاجأ بها، لكنني أشدد على أهمية الطريقة والأسلوب الذي يبلغ به الطبيب المعالج مريضه، ولعل التأهيل والتهيئة النفسية لازمة وضرورية في كل الحالات''·
ويضيف مشعل الوسمي''موظف'' قائلاً: أعتقد أن قانون ممارسة مهنة الطب يؤكد حق المريض في معرفة حقيقة وطبيعة مرضه، على اعتبارات إنسانية وأخلاقية ومهنية أيضاً، ويجوز للطبيب إخفاء هذا السر لمدة معينة، أو يحتفظ به لحدود معينة يراها هو، ويقدرها حسب ظروف وحالة المريض ومدى تقبله لسماعها ومعرفتها، وليس من حق الطبيب أن يخفي أي معلومة تتعلق بالمريض، وفي اعتقادي أن الصراحة والمكاشفة ضروريتان للمريض ولمن حوله، ولا ضرر من إبلاغه فالإنسان عليه أن يتحلى بالايمان والصبر والابتلاء، وعلى المريض أن يدرك ذلك، ويدرك أن كل إنسان معرض للمرض، ويتوقع الوفاة في أي لحظة، فالأعمار بيد الله، ولا حيلة لنا في الرزق والعمر، والصراحة هذه لا تتعارض مع الإيمان القوي والعزيمة، ونسأل الله أن يمد كل مريض ويعينه بالصبر والتحمل، وهذا الإيمان والقناعة من شأنها أن ترفع روحه المعنوية لمواجهة المرض وقهره''·

أمر صعبٌ وشاق

نايف الجدعان''موظف قطاع خاص'' التقيناه خلال زيارته لأحد المرضى من أسرته الذي يعالج بإحدى المستشفيات من جراء ورم سرطاني، ويقول: ''قد تكون مكاشفة المريض بحقيقة مرضه المستعصي أو الميؤوس منه أمراً صعباً وشاقاً، لما لهذه المصارحة من تأثير سلبي نفسي على المريض، ولقد حاولنا تأجيل مصارحته بالحقيقة في البداية، لكننا أوكلنا هذا الأمر للطبيب المعالج الذي اختار بنفسه توقيت المكاشفة في وجود بعض أقارب المريض، وأرى أنها ضرورية لعدة اعتبارات منها إفادة المريض في كيفية التعامل مع مرضه، ومساعدة الفريق العلاجي في تنفيذ البرنامج المحدد لعلاجه، وحتى لا يصطدم المريض بحقيقة المرض بشكل مفاجئ لا يحمد عقباه، وفي النهاية علينا أن نتقبل إرادة الله ومشيئته في كل حال، وأن نتعامل مع الاختبار الإلهي بحكمة وشجاعة وصبر، وكل ما علينا هو أن نساهم في تخفيف حدة المرض على المريض، وأن نعينه نفسياً حتى يتعامل معه على أنه أمر واقع كلنا معرضون له، أما الأعمار فيعلمها الله سبحانه وتعالى وحده، وعلى الإنسان أن يتقبل أي ابتلاء بصبر وإيمان·
أما حليمة مبارك ''42 سنة - ربة بيت'' والتي التقيناها في زيارة أحد أقاربها بقسم الأورام بمستشفى المفرق فتساءلت متعجبة: ''كيف نخفي على المريض حقيقة مرضه؟ هل هناك مريض لا يعرف أولا يشعر مما يعاني، وإذا كان لا يعرف من الأهل أو الطبيب أو أفراد الفريق العلاجي، فإنه بالتأكيد سيعرف من المكان الموجود فيه أو الذي يتردد عليه للعلاج، أو من خلال المرضى حوله إذا كان منوماً بالمستشفى، وإخفاء الحقيقة قد تضر المريض، لكن علينا أن نقدمها له تدريجياً، وبأسلوب هادئ بعد أن نهيئه لذلك، ولا أظن أن هناك مريضا يعالج من ورم خبيث أو مرض مزمن يحتاج علاجه عدة أشهر ولا يعلم مما يعالج''،

احتياطات واجبة

من ناحيته يؤكد حازم الماروق ''مهندس مدني'' ضرورة إبلاغ المريض بحالته المرضية في الوقت المناسب الذي يراه الطبيب المعالج ويقول: ''هذا حق كفله القانون، ولاعتبارات إنسانية يمكن أن نتردد في مصارحة المريض، لكن علينا إحاطته بحقيقة حالته ، لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بمرض معدٍ، وبالامكان نقل العدوى إلى أشخاص قريبين له، كالزوجة والأبناء، لاسيما في حالات ''الايدز'' مثلاً أو الدرن الرئوي أو الالتهاب الكبدي الوبائي الفيروسي، لأن هناك احتياطات يفترض اتباعها عند الإصابة بأي مرض من هذه الأمراض، أما إذا كان المرض لا يخشى منه، كالأورام أو الإصابات والأمراض البالغة في المخ أو أي جزء آخر من الجسم، فإن قرار إبلاغ المريض هنا يحدد الفريق المعالج بالتعاون مع أسرة المريض وأقربائه المقربون، وبالإمكان اختيار صديق يحظى بثقة وحب المريض، فلا يوجد برنامج علاج في أي مكان في الدنيا لا يعتمد على جهل المريض، وإنما نجاحه يتوقف إلى حد كبير على التعاون الذي يبديه المريض، وعلى حالته النفسية، وإذا كان البعض يتعلل بالتأثير النفسي السلبي على المريض، فأعتقد أن جهل المريض بحالته يضعه تحت ضغوط القلق والحيرة والتساؤلات التي لا تنتهي، والخوف من المجهول، فالمريض طبيب نفسه وهو أكثر الناس إحساساً بمعاناته ومرضه، وعلينا أن نبصره بالمرض وتطوره، ولا نبخل عليه بزرع وبث الأمل والاطمئنان والتمسك بالحياة والايمان بإرادة الله وبقدرته على الشفاء، وأبواب الأمل ليس لها حدود، ومن ثم التركيز على الدعم النفسي وتهيئة المريض على كيفية التعامل مع مرضه بشكل إيجابي وبناء، وفي النهاية علينا أن ندرك تماماً أن أحداً لن يعيش أطول من عمره ولو ثانية واحدة، وأعتقد أن هذا الرأي ينبع من عقيدة إيمانية راسخة''·

ماذا يفيد؟

من جانب آخر ترى أمينة الفلاحي ''ربة بيت - 55 سنة'' أن إبلاغ المريض عن حالته الميؤوس منها لا تفيده كثيراً، بل إن معرفته بالحقيقة ستضره بالتأكيد، وربما ينهار نفسياً، وتسوء حالته''·
وعندما أكدنا لها أنه حق من حقوق المريض، أجابت: ''وهذا الحقل ما قيمته إن لم يفده العلاج، لنتركه في ''بلواه''، وندعو الله أن يخفف عنه، ويشفيه، وهو سبحانه وتعالى قادر على كل شيء''·أما طارق الهاشمي''موظف'' فيقول:''إنني لست ضد مصارحة المريض إن كان هناك فائدة بالنسبة لحالته، وإلا ليس لمصارحته أي ضرورة إن كانت تضره، أو نترك الأمر للأطباء ليقرروا ذلك، وحسب رأي الأهل المحيطين به، لكن في الحالات التي يخشى منها من انتقال العدوى للغير، علينا أن نصارحه حتى يكون على دراية بخطورة انتقال العدوى للآخرين''·
ويضيف الهاشمي:''أظن الناس أصبحوا على دراية كافية ووعي بفضل وسائل الإعلام، ومعظم المرضى يمكنهم معرفة حالتهم من خلال الأعراض التي يمرون بها، إلا في حالات استثنائية، وحسب نوع المرض''·

القانون ··· وإبلاغ المريض

ألزم القانون الاتحادي الإماراتي رقم (10) لسنة 2008 بشأن المسؤولية الطبية والذي ينظم العلاقة بين الطبيب والمريض والمنشأة الصحية، بإبلاغ المريض بطبيعة مرضه ودرجة خطورته، إلا إذا اقتضت مصلحته غير ذلك، أو لم تكن حالته النفسية تسمح بإبلاغه، ويتعين إبلاغ ذوي المريض إذا كان عديم الأهلية أو ناقصها،
أو إذا كانت حالته الصحية لا تسمح بإبلاغه شخصياً وتعذر الحصول على موافقته لإبلاغ ذويه·

كما تشير المادة (6)، والمادة (8) من الباب الثاني من الميثاق الإسلامي العالمي للأخلاقيات الطبية والصحية :''على الطبيب أن يحرص على تحرِّي الصدق في إخبار المريض أو من ينوب عنه بالحالة المرضية وأسبابها ومضاعفاتها، وفائدة الإجراءات التشخيصية والعلاجية، وتعريفهم بالبدائل المناسبة للتشخيص أو العلاج، بأسلوب إنساني ولائق ومبسَّط وواضح، وذلك بالقدر الذي تسمح به حالة المريض الجسمية والنفسية· وعلى الطبيب تبصير المريض بحالته الصحية والبدائل المتاحة للعلاج إذا كان المريض مدركاً، ولا يجوز للطبيب إرغام المريض على معالجة معينة·

المادة (21) من لائحة آداب مهنة الطب في مصر تؤكد على الطبيب توفير المعلومات المتعلقة بالحالة المرضية للمريض، وبطريقة مبسطة ومفهومة· وتجيز للطبيب لأسباب إنسانية عدم إطلاع ا لمريض على عواقب المرض الخطيرة، وفى هذه الحالة عليه أن ينهى إلى أهل المريض بطريقة إنسانية لائقة خطورة المرض وعواقبه الخطيرة إلا إذا أبدى المريض رغبته في عدم اطلاع أحد على حالته أو حدد أشخاصاً معينين لاطلاعهم عليها ولم تكن هناك خطورة على من حوله·

اقرأ أيضا