صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

العهود السائلة..

عز الدين عناية

منذ إعلان البابا بيوس العاشر، في مطلع عام 1904، موقفه الصريح أمام مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، بشأن رفض الكنيسة الصارم والحاسم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، جرت في النهر مياه كثيرة بين الكاثوليك وبين اليهود.

يورد تيودور هرتزل في «الجورنال» (1895 1904)، طبعة باريس، ص: 373-377، حيثيات ما دار بينه وبين بيوس العاشر أثناء ذلك اللقاء. أنه لما عرض على البابا مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والتمس منه مدّ يد العون للحركة الصهيونية في ذلك، ردّ البابا قائلاً: «لا نستطيع دعم هذه الحركة، كما لن نَحول دون ما يصبو إليه اليهود في التوجه صوب بيت المقدس. لأن أرض القدس، وإن لم تكن مقدسة فقد غدت مقدسة بعيش المسيح فيها. وبصفتي حَبْر الكنيسة الأعظم، لا أستطيع التصريح بشيء آخر سوى أن اليهود لم يعترفوا بالسيد المسيح، لذلك ليس بوسعنا الاعتراف بالشعب اليهودي».
الجلي أن موقف البابا بيوس العاشر الحاسم، كان مستنداً إلى مرجعية لاهوتية راسخة. فعلى مدى قرون أنتجت الكنيسة الكاثوليكية سرديّتَها الخاصة بشأن اليهود وفلسطين وبيت المقدس. انبنت فيها العلاقة بالتراث الكتابي على دعامتين اثنتين: جاءت الأولى في مستوى تبنّي العهد القديم، وهو ما أردفته بتأويلية جعلت من السيد المسيح الوريث الشرعي للكلمة الإلهية، ومن هذا الباب تكثّف عملُ الآلة التأويلية المسيحية لاحتكار الرأسمال الرمزي لذلك المخزون الكتابي، وفي مستوى ثانٍ الانجذاب الدائم نحو الأرض المقدّسة بوصفها فضاء احتضن التجربة الوجودية للمسيح المخلص. سيما أن بيت المقدس فضاء يختزل أسرار المسيحية إبان معاش المسيح، مروراً برحيله وإلى حين عودته، فقد ميّز المسيحية انجذاب، على مدى قرون، نحو بيت المقدس بما خلّف صراعات دامية مع «المحمديين» كما كان يطلق على الخصوم المسلمين، ولكن عبر ذلك التاريخ الطافح بالصراعات والعهود، كانت بيت المقدس في معظم العصور، وإلى غاية تواري سلطان الدولة العثمانية، مصراً من أمصار المسلمين. حتى وإن تُركت رعاية البقاع المقدسة المسيحية، منذ العام 1333 الميلادي، للفرنسيسكان، باعتبار ذلك شأناً روحياً يخصّ النصارى، تنازل عنه المسلمون طوعاً، ضمن ما كان يعرف في التعبير اللاهوتي بتراتيب بيت المقدس في أرض الكفّار «in partibus infidelium»، أي في أرض المسلمين.

بين التاريخ والجغرافيا
صحيح أن المسيحية الغربية عازتها القبضة السياسية على بيت المقدس، رغم تلهفها على ذلك، فإن الأمر لا يعني فتور علاقتها الروحية بمهد المسيح، بل بقيت الصلة حميمة متوقدة على مدى قرون. وإلى حين خضوع فلسطين لسلطان الدولة العثمانية، تواصل توافد الفرنجة على الأراضي المقدسة. فمنهم من اختار الحج العابر ومنهم من اختار الإقامة الدائمة في بيت المقدس تزهّداً وأملاً في لقاء الرب في الأرض التي خطا فيها المخلّص خطوه، بل وزاد المسعى في المسيحية الأوروبية مع العصور الحديثة بإنشاء ممثليات في بيت المقدس تابعة للكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية والأرمينية أيضاً، وما تطور لاحقاً بإنشاء نواتات بحث في الآثار التوراتية والإنجيلية والتراث الكتابي بوجه عام.
والملاحظ أنه إلى تاريخ قريب مطلع القرن العشرين ما كان اليهودي يشكّل حلقة فعلية رابطة مع الأرض المقدسة في المخيال المسيحي، بل غاب غياباً شبه تام عن تلك البقاع، ففي دليل الحجيج الكاثوليك الإيطاليين الصادر سنة 1902 بعنوان «أورشليم.. الحج إلى الأرض المقدسة»، من إعداد المونسنيور راديني تيديسكي، لفتٌ لانتباه الكاثوليك إلى ضرورة مراعاة الأهالي المسلمين والتعامل معهم برأفة لأنهم يجلّون المسيح. فضلاً عن توصية المسيحيين بتفادي ما يسيء للمشارقة عامة. فالجليّ أن اليهودي ما كان حاضراً في التصور الكاثوليكي لسكان الأرض المقدسة بالنسبة إلى الحجيج الكاثوليك حتى ذلك العهد.
إذ ينبغي الوعي بأثر الكتاب المقدس والليتورجيا المسيحية والمسار الروحي للأنبياء والرسل، في جعل المسيحيين الغربيين على ألفة بتلك البقاع المقدسة، وإن تناءت الجغرافيا. فأسماء المدن والمواضع في فلسطين، مثل القدس، وبيت لحم، والناصرة، وكنيسة القيامة، ونهر الأردن، وجبل الزيتون، والجلجلة وغيرها، ناهيك عن أسماء الأنبياء والحواريين والخصوم مثل يوحنا المعمدان، ومريم المجدلية، ويهوذا الإسخريوطي، وبيلاطس، كانت أموراً مألوفة لمسامع المسيحيين. ولكن المسيحية الغربية في تشبّثها بجذورها التاريخية ليس بوسعها ألاّ تولي إسرائيل الواقعية اهتماماً جنب إسرائيل التاريخية، ومن هنا تولّد الخلط في المخيال المسيحي. وهذا الحسّ بالتقارب بين المسيحية وإسرائيل في القرن العشرين لم يبق حكراً على الكنيسة الكاثوليكية، بل شاركتها فيه كنائس أخرى.

خلطٌ في المخيال المسيحي
لذلك ما إن صحا الغرب عمّا اقترفه مع اليهود، طيلة عهود اللاسامية، حتى اكتشف التواصل بين المكوَّن اليهودي والمكوَّن المسيحي، ودبّ لديه انشغال بمصائر اليهود. وتكفيراً عمّا جرى حاول إنجاز تسوية مع اليهود على مستوى ديني، لكن الجلي على مستوى سياسي، أن الفاتيكان المتزعم لذلك رفض إنشاء دولة يهودية عند صدور وعد بلفور. لتتلخّص الأمور لديه في أن الهيمنة العثمانية ما كانت أسوأ، مما باتت عليه الأوضاع مع الانتداب البريطاني. لذلك لم تهلل حاضرة الفاتيكان للحدث، ولم تدق أجراس كنيسة القديس بطرس احتفاء بدخول الوحدات العسكرية البريطانية مدينة القدس وطرد بقايا العثمانيين. في حين دقت أجراس كنائس روما، الواقعة خارج حدود حاضرة الفاتيكان، بأمر من الحكومة الإيطالية تهليلاً للحدث. فقد كان الحدث عظيماً ضاهى عودة «الصليبيين» للأماكن المقدسة المنتزعة من أيدي المسلمين. كان الكرسي الرسولي حريصاً على ألا يتنازل لأي كان عن تلك المشروعية الروحية، وكان تقدير الفاتيكان العام لأوضاع الأراضي المقدسة أنها لم تشهد تطوراً إيجابياً بحلول الانتداب البريطاني.
فالواقع الجديد الذي خلّفه الانتداب البريطاني وتسارع الأحداث على أرض فلسطين، بعد رجحان الكفة لصالح المشروع الصهيوني، جعلا الفاتيكان يتبنى موقف تدويل القدس، وهو الموقف الذي اعتمده بشكل رسمي إلى حين اندلاع حرب 1967، التي تمخضت عن هزيمة العرب وضم الاحتلال القدس الشريف، ليطرأ تحول على سياسة الفاتيكان تبنّى فيها موقفاً حذراً نادى بالحفاظ على خصوصية المدينة المقدسة وحماية المقدسات. والجلي في موقف الفاتيكان أن حذرَه كان بقصد الحفاظ على علاقات ودية مع البلاد العربية، التي تضم تجمعات مسيحية مهمة ناهيك عن ضغوطات الأساقفة العرب عليه.
وعلى العموم بقيت علاقة الفاتيكان بإسرائيل فاترة، طيلة ما قبل انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني (1962 - 1965). لكن وجب أن نشير، أنه بحلول البابا بولس السادس سنة 1964 بالأراضي المقدسة، تجنّبَ أثناء الزيارة التلميح لاعتراف سياسي بإسرائيل، وإن قابل حينها الرئيس الإسرائيلي زلمان شازار. لكن بالمحصلة أعربت الزيارة عن اعتراف ضمني، وإن لم يصرح رأس الكنيسة بذلك، وغابت العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، مع أن الفترة تخللتها إعادة كنيسة نوتر دام وإطلاق سراح المطران هيلاريون كابوتشي. فقد كانت تسويةُ أمور الأراضي المقدسة وعلى رأسها القدس العقدةَ الرئيسةَ بين الطرفين. وقد أسرّها البابا بولس السادس صراحة للسفير الإسرائيلي ساسون: «... إن الأرض هي التي تفرقنا، فبقدر ما ندنو منها، بقدر ما يبتعد بعضنا عن بعض». ولذلك يمكن أن نلاحظ أن الحوار اليهودي الكاثوليكي، منذ السبعينيات، كان جيداً على مستوى ديني، في حين بقي مشكلاً على مستوى سياسي نتيجة عدم الاعتراف بإسرائيل.

انقلاب داخل المجْمَع
لكن بالعودة إلى عمق ما خلّفه مجمع الفاتيكان الثاني من تحول مع اليهود، نخلص إلى أن هذا التحول الذي بدأته الكنيسة انتهى إلى ما يُعرف «بنوسترا آيتات»، الذي أقرّت الكنيسة بموجبه أنها تشيد بالتراث الذي يجمعها باليهود، وتأسف عما اقتُرِف من كره وظلم أو من مظاهر العداء للسامية ضد اليهود في كل الأزمنة ومن أي طرف كان. لينتهي المجمع حينها بالتخلي التام عن مقولة «قتلة المسيح» الموجهة إلى اليهود ودحضها نهائياً، واستبدالها بـ«الإخوة الكبار» كما عبّر البابا يوحنا بولس الثاني عن ذلك في بيعة روما سنة 1986 حين صرح أمام الحشود قائلاً: «ليس الدين اليهودي شيئاً غريباً عنا، بل هو شيء مألوف لدينا وفي ديننا. فلدينا مع الدين اليهودي روابط لا نجدها مع أي دين آخر. أنتم إخوتنا المفضلون، وبعبارة أخرى أنتم إخوتنا الكبار».
رغم حصول تلك التطورات مع اليهود ومع إسرائيل، كان الفاتيكان يستشعر نقصَ غياب علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وصعوبة التواصل الرسمي مع الأقليات المسيحية في الأرض المقدسة، التي غدت تحت السيطرة الإسرائيلية منذ مدة. فجاء تعيين البطريرك ميشيل الصباح اختياراً رمزياً أكثر منه فعلياً، فهو غير كافٍ لتمثيل مصالح الكنيسة الكاثوليكية في واقع تسيطر عليه إسرائيل. فكان يُنظر إلى البطريرك أنه ممثّل مطالب الفلسطينيين أكثر مما هو ممثل مصالح الفاتيكان، وكان خطابه الوطني أحياناً مدعاة للريبة في روما. حاول الفاتيكان الخروج من هذا المأزق بتوقيع اعتراف دبلوماسي، فاليوم يمثّل الفاتيكان في إسرائيل قاصد رسولي يعبّر عن مواقفه وسياساته.

المقدسات والمقايضة
حديثنا السالف عن حاضرة الفاتيكان واليهودية ودولة إسرائيل لن تكتمل عناصره سوى بالتعريج على تداعيات ذلك على واقع القدس في الراهن. فمنذ الاعتراف المتبادل بين حاضرة الفاتيكان ودولة إسرائيل سنة 1993، انطلقت مفاوضات بين الطرفين، تعلقت بالإعفاءات الضريبية من عدمها في الأراضي المقدسة، وبموضوع تأشيرات رجال الدين، وبالأوضاع القانونية للمناطق المسيحية المقدسة التي من جملتها عليّة صهيون، موضع العشاء الأخير للسيد المسيح مع حوارييه، والمكان الذي يُرجَّح أنه يضمّ مقام النبي داود والمصلّى الصغير الذي يُعرف بكنيسة الحواريين، وقد بقي المكان طيلة عهود سابقة تحت رعاية عائلة الدجاني المقدسية إلى أن ضمّته وزارة الأديان الإسرائيلية، وهو في الوقت الحالي في قبضة متشددين يهود.
الأمر الذي يبيّنَ أن تلك المفاوضات تسير باتجاه قبول حاضرة الفاتيكان بالأمر الواقع، وإقرارها بسيادة إسرائيل على القدس، مقابل الاعتراف بتسيير الفرنسيسكان، فصيل الرهبنة التابع لكنيسة روما، لموضع العشاء الأخير وإقامتهم القدّاس في المصلّى الصغير. أي الاستغلال التام مقابل التنازل التام عن الملكية. عملية المفاوضات جرت بقيادة المالطي أنطوان كاميللاري الذي خلَف سلفه إتوري باليستريو، بعد أن أُبعد إلى كولومبيا جراء تورطه في فساد أخلاقي.
الملاحظ أن المفاوضات تجري مع الفاتيكان وباسم الفاتيكان، وإن شارك فيها رجال دين مسيحيون عرب. وتتفادى صياغةُ النص بين الطرفين ذِكرَ عمليات الضمّ والاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية بعد (1967)، ما يعني التمرير باسم المسيحيين العرب المشاركين شكلياً في المفاوضات لعمليات المقايضة. في وقت ينبغي أن يكون فيه جلياً أن الاحتلال العسكري الإسرائيلي للمناطق المقدسة هو خطيئة ضد الله والإنسان، بناء على ما أقرته وثيقة «وقفة حق» (2009) الصادرة عن قيادات مسيحية فلسطينية مرابطة في الأرض المحتلة.

عن «العلّية»
علية صهيون، هي عبارة عن غرفة تقع في مدينة القدس، على جبل صهيون في المبنى ذاته، حيث يقع ضريح الملك داود. يشار إليها بأنها الموقع حيث تم فيها العشاء الأخير والعنصرة، إلى جانب كونها مركز المسيحية المبكرة الأول. وصفتها الموسوعة الكاثوليكية بأنها أول كنيسة في العالم.
وحسب التقاليد المسيحية، شهدت علية صهيون أحداثاً عدة ذكرت في العهد الجديد: منها العشاء الأخير، وغسل الأرجل والعنصرة. وللمبنى أهمية في العقيدة المسيحية؛ إذ فيه تأسس كل من القداس الإلهي وسر القربان.
ويقول اليهود، إن هذه العلية تضم قبر الملك داود، كما يعتبرها المسلمون موقعاً مقدساً أيضاً.
ويطالب المسيحيون اليوم بحق استخدام هذه العلية التي تقع في مبنى من طبقتين، ويتاح لهم الوصول إليها، لكنهم لا يستطيعون الصلاة فيها أو أداء طقوسهم فيها إلا مرتين في السنة.