الاتحاد

دنيا

قل خيراً أو اصمت

الكلام الطيب يحفظ المودة ويستديم الصداقة

الكلام الطيب يحفظ المودة ويستديم الصداقة

من النعم الجليلة والفضائل السامية أن يؤتى المرء ''أدب الحديث'' ونعمة البيان، وهي من أجل النعم التي أسبغها الله على الإنسان، وكرمه بها على سائر الخلق: ''الرحمن· علم القرآن· خلق الإنسان· علمه البيان'' الرحمن الآيات 1-·4
وأوضح الإسلام كيف يستفيد الناس من هذه النعمة المسداه، وكيف يجعلون كلامهم الذي يتردد يوميا على ألسنتهم طريقا الى الخير المنشود، فإن أكثر الناس لا ينقطع لهم كلام، فإذا ذهبت تحصي ما قالوا، وجدت كله اللغو الضائع يقول تعالى: ''لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما'' النساء الآية ·114
وذكر الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- في كتابه ''خلق المسلم'' حول أدب الحديث أن الإسلام قد عني عناية كبيرة بموضوع الكلام، وأسلوب أدائه، لأن الكلام الصادر عن إنسان ما يشير الى حقيقة عقله وطبيعة خلقه أو يفترض أن يكون كذلك·
وينبغي أن يسأل المرء نفسه قبل أن يتحدث الى الآخرين، هل هناك ما يستدعي الكلام؟ فإن وجد داعيا إليه تكلم، وإلا فالصمت أولى به· وإعراضه عن الكلام حيث لا ضرورة له عبادة جزيلة الآجر· قال عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه: ''والذي لا إله غيره، ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان''·
والإنسان حين يريد أن يستجمع أفكاره ويراجع أعماله يجنح الى الصمت، فالإسلام يوصي بالصمت ويعده وسيلة ناجحة من وسائل التربية المهذبة، ومن نصائح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر: ''عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دينك''·
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ''لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه''، وأولى مراحل هذه الاستقامة ألا يقحم نفسه فيما لا شأن له به، وفيما لا يسأل عنه ومن حسن إيمان المرء تركه مالا يعنيهف·
والبعد عن اللغو من دلائل الفلاح، وأمارات الاكتمال، وقد ذكره القرآن الكريم بين فريضتين من فرائض الإسلام المحكمة وهما الصلاة والزكاة: فقد أفلح المؤمنون· الذين هم في صلاتهم خاشعون· والذين هم عن اللغو معرضون· والذين هم للزكاة فاعلون'' المؤمنون الآيات 1-،4 وقد كره الإسلام اللغو لأنه يكره التفاهات وصغائر الأمور· ثم هو مضيعة للعمر في غير ما خلق الإنسان له من جد وإنتاج·
وفي الحديث الشريف: ''إن العبد ليقول الكلمة، لا يقولها إلا ليضحك بها المجلس، يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض، وإن المرء ليزل عن لسانه أشد ما يزل عن قدميه'' رواه البيهقي·
فإذا تكلم المرء فليقل خيرا وليعود لسانه الجميل من القول، فإن التعبير الحسن عما يجول في النفس أدب عال أخذ الله به أهل الديانات جميعا، وقد أوضح القرآن أن القول الحسن من حقيقة الميثاق المأخوذ على بني اسرائيل على عهد موسى: ''وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربي واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضونف·
واضاف الغزالي أن الكلام الطيب العف، يكون مع الاصدقاء والأعداء جميعا، وله ثماره الحلوة، فأما مع الأصدقاء فهو يحفظ مودتهم، ويستديم صداقتهم، ويمنع كيد الشيطان أن يفسد ذات بينهم: فوقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا'' الاسراء الآية ·53 ان الشيطان متربص بالبشر، يريد أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء، وأن يجعل من النزاع التافه، عراكا داميا ولن يسد الطريق أمامه إلا القول الجميل·
وأما حسن الكلام مع الأعداء فهو يطفئ خصومتهم، ويكسر حدتهم أو هو على الأقل يوقف تطور الشر: ''ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم'' فصلت الآية ·34
ومن الضمانات التي أكدها الإسلام لصيانة الكلام عن الهوى تحريمه الجدل وسده لأبوابه حقا كان أو باطلا، ذلك أن هناك أحوالا تستبد بالنفس، وتغري بالمغالبة، وتجعل المرء يناوش غيره بالحديث، ويتصيد الشبهات التي تدعم جانبه، والعبارات التي تروج حجته، فيكون حب الانتصار عنده أهم من إظهار الحق، وتبرز طبائع العناد في صور منكرة، والإسلام ينفر من هذه الأحوال ويعدها خطرا على الدين والفضيلة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما معناه: ''من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في رياض الجنة، ومن تركه وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاهاف·
وهناك أناس أوتوا بسطة في ألسنتهم، تغريهم بالاشتباك مع العالم والجاهل، وتجعل الكلام لديهم شهوة غالبة، فلا يملونه أبدا، وهذا الصنف إذا سلط لسانه على الناس أساء لهم، وإذا سلطه على حقائق الدين شوه جمالها، وأضاع هيبتها، وقد سخط الإسلام أشد السخط على هذا الفريق·
وللناس مجالس يتجاذبون أطراف الحديث فيها، والإسلام يكره مجالس، الذين يقضون أوقاتهم في تسقط الأخبار وتتبع العيوب: فويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده'' الهمزة الآيات 1-2.

اقرأ أيضا